المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رجال فى الاسلام



العفو عند المقدرة
07-12-2007, 20:37
(بسم الل)

رجال فى الاسلام

--------------------------------------------------------------------------------

سيدنا خباب بن الارت

إسلامه

خرج نفر من القرشيين، يغدون الخطى، ميممين شطر دار خباب ليتسلموا منه

سيوفهم التي تعاقدوا معه على صنعها..

وقد كان خباب رضي الله عنه سيافا، يصنع السيوف ويبيعها لأهل مكة، ويرسل بها إلى الأسواق..

وعلى غير عادة خباب رضي الله عنه الذي لا يكاد يفارق بيته وعمله، لم

يجده ذلك النفر من قريش فجلسوا ينتظرونه..

وبعد حين طويل جاء خباب رضي الله عنه على وجهه علامة استفهام مضيئة،

وفي عينيه دموع مغتبطة ، وحيا ضيوفه وجلس..

وسألوه عجلين : هل أتممت صنع السيوف يا خباب ؟

وجفت دموع خباب رضي الله عنه ، وحل مكانها في عينيه سرور متألق،

وقال وكأنه يناجي نفسه : ( إن أمره لعجب )

وعاد القوم يسألونه : أي أمر يا رجل ؟

نسألك عن سيوفنا، هل أتممت صنعها ؟

ويستوعبهم خباب رضي الله عنه بنظراته الشاردة الحالمة ..

ويقول : هل رأيتموه..؟ هل سمعتم كلامه..؟

وينظر بعضهم لبعض في دهشة وعجب ، ويعود أحدهم فيسأله

في خبث : هل رأيته أنت يا خباب ؟

ويسخر خباب رضي الله عنه من مكر صاحبه، فيرد عليه السؤال قائلا : من تعني ؟

ويجيب الرجل في غيظ : أعني الذي تعنيه ؟

ويجيب خباب رضي الله عنه بعد إذ أراهم أنه أبعد منالا من أن

يستدرج ، وأنه اعترف بإيمانه الآن أمامهم، فليس لأنهم خدعوه

عن نفسه، واستدرجوا لسانه، بل لأنه رأى الحق وعانقه، وقرر أن يصدع به ويجهر..

فأجابهم قائلا وهو هائم في نشوته وغبطة روحه :

( أجل رأيته، وسمعته ، رأيت الحق يتفجر من جوانبه، والنور يتلألأ بين ثناياه )

وبدأ عملاؤه القرشيون يفهمون، فصاح به أحدهم :

من هذا الذي تتحدث عنه يا عبد أم أنمار ؟

وأجاب خباب رضي الله عنه في هدوء المؤمن المطمئن إلي ربه :

( ومن سواه، يا أخا العرب من سواه في قومك، من يتفجر من جوانبه

الحق، ويخرج النور بين ثناياه ؟ )

وصاح آخر وهب مذعورا: أراك تعني محمدا.

وهز خباب رضي الله عنه رأسه المفعم بالغبطة، وقال:

( نعم انه هو رسول الله إلينا، ليخرجنا من الظلمات إلى النور )

ولا يدري خباب رضي الله عنه ماذا قال بعد هذه الكلمات، ولا ماذا

قيل له ، كل ما يذكره أنه أفاق من غيبوبته بعد ساعات طويلة

ليرى زواره قد انفضوا ، وجسمه وعظامه تعاني رضوضا وآلاما، ودمه النازف يضمخ ثوبه وجسده.

وحدقت عيناه الواسعتان فيما حوله ، وكان المكان أضيق من أن يتسع

لنظراتهما النافذة، فتحمل على آلامه، ونهض شطر الفضاء وأمام باب

داره وقف متوكئا على جدارها، وانطلقت عيناه الذكيتان في رحلة طويلة

تحدقان في الأفق، وتدوران ذات اليمين وذات الشمال ، انهما لا تقفان

عند الأبعاد المألوفة للناس.. انهما تبحثان عن البعد المفقود...

أجل تبحثان عن البعد المفقود في حياته، وفي حياة الناس الذين معه في مكة، والناس في كل مكان وزمان..

ترى هل يكون الحديث الذي سمعه من محمد عليه الصلاة والسلام اليوم،

هو النور الذي يهدي إلى ذلك البعد المفقود في حياة البشر كافة ؟

واستغرق خباب رضي الله عنه في تأملات سامية، وتفكير عميق..

ثم عاد إلى داخل داره.. عاد يضمد جراح جسده، ويهيئه لاستقبال تعذيب جديد، وآلام جديدة.

ومن ذلك اليوم أخذ خباب رضي الله عنه مكانه العالي بين المعذبين والمضطهدين..

أخذ مكانه العالي بين الذين وقفوا برغم فقرهم، وضعفهم يواجهون

كبرياء قريش وعنفها وجنونها..

أخذ مكانه العالي بين الذين غرسوا في قلوبهم سارية الراية التي أخذت

تخفق في الأفق الرحيب ناعية عصر الوثنية، والقيصرية..

مبشرة بأيام المستضعفين والكادحين، الذين سيقفون تحت ظل هذه الراية

سواسية مع أولئك الذين استغلوهم من قبل، وأذاقوهم الحرمان والعذاب..

وفي استبسال عظيم، حمل خباب رضي الله عنه تبعاته كرائد.. يقول الشعبي :

( لقد صبر خباب، ولم تلن له أيدي الكفار قناة، فجعلوا يلصقون ظهره العاري بالرضف حتى ذهب لحمه )


الاضطهاد و الصبر


كان حظ خباب رضي الله عنه من العذاب كبيرا، ولكن مقاومته وصبره كانا أكبر من العذاب..

لقد حول كفار قريش جميع الحديد الذي كان بمنزل خباب والذي كان يصنع

منه السيوف.. حولوه كله إلى قيود وسلاسل، كان يحمى عليها في النار

حتى تستعر وتتوهج، ثم يطوق بها جسده ويداه وقدماه..

ولكنه صبر واحتسب ، فها هو يحدث :

( شكونا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد ببرد له في ظل

الكعبة ، فقلنا : يا رسول الله.. ألا تستنصر لنا )

أي تسأل الله لنا النصر والعافية...

فجلس صلى الله عليه وسلم، وقد احمر وجهه وقال :

" قد كان من قبلكم يؤخذ منهم الرجل، فيحفر له في الأرض، ثم يجاء بمنشار،

فيجعل فوق رأسه، ما يصرفه ذلك عن دينه ، وليتمن الله هذا الأمر حتى

يسير الراكب من صنعاء الى حضرموت لا يخشى الله الله عز وجل، والذئب على غنمه، ولكنكم تعجلون "

سمع خباب رضي الله عنه ورفاقه هذه الكلمات، فازداد ايمانهم واصرارهم

وقرروا أن يري كل منهم ربه ورسوله ما يحبان من تصميم وصبر، وتضحية.


أم أنمار

خاض خباب معركة الهول صابرا، صامدا، محتسبا ، واستنجد القرشيون

أم أنمار سيدة خباب التي كان عبدا لها قبل أن تعتقه، فأقبلت واشتركت في حملة تعذيبه..

وكانت تأخذ الحديد المحمى الملتهب، وتضعه فوق رأسه ونافوخه، وخباب

رضي الله عنه يتلوى من الألم، لكنه يكظم أنفاسه، حتى لا تخرج منه زفرة ترضي غرور جلاديه.

ومر به رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما، والحديد المحمى فوق رأسه

يلهبه ويشويه، فطار قلبه حنانا وأسى، ولكن ماذا يملك عليه الصلاة

والسلام يومها لخباب .. لا شيء الا أن يثبته ويدعو له..

هنالك رفع الرسول صلى الله عليه وسلم كفيه المبسوطتين الى السماء، وقال : " اللهم أنصر خبابا "

ويشاء الله ألا تمضي سوى أيام قليلة حتى ينزل بأم أنمار قصاص عاجل،

كأنما جعله القدر نذيرا لها ولغبرها من الجلادين، ذلك أنها أصيبت بسعار

عصيب وغريب جعلها كما يقول المؤرخون تعوي مثل الكلاب..

وقيل لها يومئذ لا علاج سوى أن يكوى رأسها بالنار..

وهكذا شهد رأسها العنيد سطوة الحديد المحمى يصبحه ويمسيه.. كانت قريش تقاوم الايمان بالعذاب..

وكان المؤمنون يقاومون العذاب بالتضحية..

وكان خباب رضي الله عنه واحدا من أولئك الذين اصطفتهم المقادير

لتجعل منهم أساتذة في فن التضحية والفداء..


خدمة الدين

مضى خباب رضي الله عنه ينفق وقته وحياته في خدمة الدين الذي خفقت أعلامه..

ولم يكتف رضي الله عنه في أيام الدعوة الأولى بالعبادة والصلاة، بل استثمر

قدرته على التعليم، فكان يغشى بيوت بعض اخوانه من المؤمنين الذين يكتمون

اسلامهم خوفا من بطش قريش، فيقرأ معهم القرآن ويعلمهم اياه..

ولقد نبغ في دراسة القرآن وهو يتنزل آية آية وسورة سورة ، حتى ان

عبدالله بن مسعود رضي الله عنه ، وهو الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" من أراد أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل، فليقراه بقراءة ابن أم عبد"

كان يعتبر خبابا رضي الله عنه مرجعا فيما يتصل بالقرآن حفظا ودراسة

وقد كان يدرس القرآن لـ فاطمة بنت الخطاب وزوجها سعيد بن زيد

رضي الله عنهما عندما فاجأهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه متقلدا سيفه

الذي خرج به ليصفي حسابه مع الاسلام ورسوله، لكنه لم يكد يتلو القرآن

المسطور في الصحيفة التي كان يعلم منها خباب رضي الله عنه ، حتى صاح

صيحته المباركة : ( دلوني على محمد )

وسمع خباب رضي الله عنه كلمات عمر رضي الله عنه هذه، فخرج من مخبئه

الذي كان قد توارى فيه وصاح :

( يا عمر.. والله اني لأرجوا أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه صلى الله عليه

وسلم، فاني سمعته بالأمس يقول :

اللهم أعز الاسلام بأحب الرجلين اليك أبي الحكم بن هشام، أوعمربن الخطاب )

وسأله عمر رضي الله عنه من فوره : وأين أجد الرسول الآن يا خباب ؟


فأجابه رضي الله عنه : (عند الصفا، في دار الأرقم بن أبي الأرقم )

ومضى عمر رضي الله عنه الى حظوظه الوافية، ومصيره العظيم.


الدَين


كان خباب رضي الله عنه رجلا قينا ، وكان له على العاص بن وائل دين،

فأتاه يتقاضاه ، فقال العاص : لن أقضيك حتى تكفر بمحمد

فقال خباب رضي الله عنه : ( لن أكفر به حتى تموت ثم تبعث )

قال العاص : إني لمبعوث من بعد الموت فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد ؟

فنزل فيه قوله تعالى :

(( أفَرَأيْتَ الذَي كَفَرَ بِآياتنا وقال لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً * أَطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ

عند الرحمنِ عَهْداً * كلاّ سَنَكتُبُ ما يقول ونَمُدُّ له من العذاب مَدّا * َنَرِثُهُ ما يقولُ ويَأتينا فرداً ))

جهاده

شهد خباب بن الأرت رضي الله عنه جميع الغزوات مع الرسول صلى الله عليه

وسلم وعاش عمره حفيظا على إيمانه ويقينه .

يقول خباب رضي الله عنه :

( لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أملك دينارا ولا درهما ،

وإن في ناحية بيتي في تابوتي لأربعين ألف واف ، ولقد خشيت الله أن

تكون قد عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا )

في عهد الخلافة

عندما فاض بيت مال المسلمين بالمال أيام عمر وعثمان رضي الله عنهما ،

كان لخباب رضي الله عنه راتب كبير بوصفه من المهاجرين السابقين إلى

الإسلام ، فبنى دارا بالكوفة ، وكان يضع ماله في مكان من البيت يعلمه

أصحابه ورواده ، وكل من احتاج يذهب ويأخذ منه .

وفاته

قال لخباب رضي الله عنه بعض عواده وهو في مرض الموت :

ابشر يا أبا عبدالله ، فإنك ملاق إخوانك غدا

فأجابهم رضي الله عنه وهو يبكي :

( أما انه ليس بي جزع ولكنكم ذكرتموني أقواما، واخوانا، مضوا بأجورهم

كلها لم ينالوا من الدنيا شيئا ، وانا بقينا بعدهم حتى نلنا من الدنيا ما لم نجد له موضعا الا التراب )

وأشار الى داره المتواضعة التي بناها ، ثم أشار مرة أخرى الى المكان الذي فيه أمواله وقال :

( والله ما شددت عليها من خيط ، ولا منعتها من سائل )

ثم التفت الى كفنه الذي كان قد أعد له، وكان يراه ترفا وإسرافا وقال ودموعه تسيل :

( أنظروا هذا كفني ، لكن حمزة عم الرسول صلى الله عليه وسلم لم يوجد له

كفن يوم استشهد الا بردة ملحاء إذا جعلت على رأسه قلصت عن قدميه، وإذا

جعلت على قدميه قلصت عن رأسه )

ومات خباب رضي الله عنه في السنة السابعة والثلاثين للهجرة ..

مات أستاذ صناعة السيوف في الجاهلية..

مات أستاذ صناعة التضحية والفداء في الاسلام..

مات واحد من الأبناء البررة لأيام الوحي وجيل التضحية...

مات الرجل الذي كان أحد الجماعة الذين نزل القرآن يدافع عنهم، ويحييهم،

عندما طلب بعض السادة من قريش أن يجعل لهم رسول الله صلى الله عليه

وسلم يوما، وللفقراء من أمثال خباب، وصهيب، وبلال يوما آخر ...

فإذا القرآن العظيم يختص رجال الله هؤلاء في تمجيد لهم وتكريم، وتهل

آياته قائلة للرسول صلى الله عليه وسلم :

(( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه * ما عليك من

حسابهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين * وكذلك فتنا بعضهم ببعض

ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين ))

وهكذا ، لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يراهم بعد نزول الآيات حتى

يبالغ في اكرامهم فيفرش لهم رداءه، ويربت على أكتافهم، ويقول لهم :

" أهلا بمن أوصاني بهم ربي"

ولعل خير ما نودعه به، كلمات الامام علي كرم الله وجهه حين كان عائدا

من معركة صفين، فوقعت عيناه على قبر غض رطيب، فسأل : ( قبر من هذا..؟ )

فأجابوه : انه قبر خباب.

فتملاه خاشعا آسيا، وقال :

( رحم الله خبابا.. لقد أسلم راغبا... وهاجر طائعا.. وعاش مجاهدا ..

وابتلي في جسمه .. ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا )

ثم دنا من قبورهم فقال :

( السلام عليكم يا أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ، أنتم لنا سلف فارط ،

ونحن لكم تبع عما قليل لاحِق ، اللهم اغفر لنا ولهم وتجاوز بعفوك عنا

وعنهم ، طوبى لمن ذكر المعاد وعمل للحساب وقنع بالكفاف ، وأرضى الله عز وجل )
منقول من كتاب السيرة العطرة

العفو عند المقدرة
07-12-2007, 20:38
معاذ بن جبل

--------------------------------------------------------------------------------

إمام العلماء

هو معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس، يكنى أبا عبد الرحمن، وأسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة، وشهد العقبة مع السبعين وبدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله، وأردفه رسول الله وراءه، وبعثه إلى اليمن بعد غزوة تبوك وشيعه ماشيًا في مخرجه وهو راكب، وكان له من الولد عبد الرحمن وأم عبد الله وولد آخر لم يذكر اسمه.

صفته رضي الله عنه

عن أبي بحرية يزيد بن قطيب السكونى قال: دخلت مسجد حمص فإذا أنا بفتى حوله الناس، جعد قطط، فإذا تكلم كأنما يخرج من فيه نور ولؤلؤ، فقلت من هذا قالوا معاذ بن جبل.

وعن أبي مسلم الخولاني قال: أتيت مسجد دمشق فإذا حلقة فيها كهول من أصحاب محمد وإذا شاب فيهم أكحل العين براق الثنايا كلما اختلفوا في شيء ردوه إلى الفتى قال: قلت لجليس لي من هذا؟ قالوا هذا معاذ بن جبل.

وعن الواقدي عن أشياخ له قالوا: كان معاذ رجلا طَوَالا أبيض حسن الشعر عظيم العينين مجموع الحاجبين جعدا قططا

ثناء رسول الله على معاذ

عن أنس قال: قال رسول الله: [أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل] رواه الإمام أحمد.

وعن عاصم بن حميد عن معاذ بن جبل قال: لما بعثه رسول الله إلى اليمن خرج معه رسول الله يوصيه ومعاذ راكب ورسول الله يمشي تحت راحلته، فلما فرغ قال: يا معاذ، إنك عسى ألا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك تمر بمسجدي هذا وقبري، فبكى معاذ خشعًا لفراق رسول الله، ثم التفت فأقبل بوجهه نحو المدينة فقال: إن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا



ثناء الصحابة عليه

عن الشعبي قال: حدثني فروة بن نوفل الأشجعي قال: قال ابن مسعود: إن معاذ بن جبل كان أمةً قانتًا لله حنيفًا، فقيل إن إبراهيم كان أمةً قانتًا لله حنيفًا، فقال ما نسيت هل تدري ما الأمة؟ وما القانت فقلت: الله أعلم، فقال: الأمة الذي يعلم الخير، والقانت المطيع لله عز وجل وللرسول، وكان معاذ بن جبل يعلم الناس الخير وكان مطيعًا لله عز وجل ورسوله.

وعن شهر بن حوشب قال: كان أصحاب محمد إذا تحدثوا وفيهم معاذ نظروا إليه هيبة له

نبذة من زهده

عن مالك الداري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخذ أربعمائة دينار فجعلها في صرة فقال للغلام اذهب بها إلى عبيدة بن الجراح ثم تَلَهَّ ساعةً في البيت حتى تنظر ما يصنع، فذهب الغلام قال: يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجتك، قال: وصله الله ورحمه، ثم قال: تعالي يا جارية اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان حتى أنفذها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره فوجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل فقال: اذهب بها إلى معاذ بن جبل وتَلَهَّ في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع، فذهب بها إليه، قال: يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال: رحمه الله ووصله، تعالي يا جارية اذهبي إلى بيت فلان بكذا، اذهبي إلى بيت فلان بكذا، فاطلعت امرأته فقالت: ونحن والله مساكين فأعطنا، ولم يبق في الخرقة إلا ديناران فدحا (فدفع) بهما إليها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره بذلك فقال: إنهم إخوة بعضهم من بعض.

نبذة من ورعه

عن يحيى بن سعيد قال: كانت تحت معاذ بن جبل امرأتان فإذا كان عند إحداهما لم يشرب في بيت الأخرى الماء.

وعن يحيى بن سعيد أن معاذ بن جبل كانت له امرأتان فإذا كان يوم إحداهما لم يتوضأ في بيت الأخرى ثم توفيتا في السقم الذي بالشام والناس في شغل فدفنتا في حفرة فأسهم بينهما أيتهما تقدم في القبر.

نبذة من تعبده واجتهاده

عن ثور بن يزيد قال: كان معاذ بن جبل إذا تهجد من الليل قال: اللهم قد نامت العيون وغارت النجوم وأنت حي قيوم: اللهم طلبي للجنة بطيء، وهربي من النار ضعيف، اللهم اجعل لي عندك هدى ترده إلي يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد.

جوده وكرمه

عن ابن كعب بن مالك قال: كان معاذ بن جبل شابًّا جميلا سمحًا من خير شباب قومه لا يسأل شيئا إلا أعطاه حتى أدان دينا أغلق ماله فكلم رسول الله أن يكلم غرماءه أن يضعوا له شيئا ففعل فلم يضعوا له شيئا، فدعاه النبي فلم يبرح حتى باع ماله فقسمه بين غرمائه فقام معاذ لا مال له قال الشيخ رحمه الله: كان غرماؤه من اليهود فلهذا لم يضعوا له شيئًا.

نبذة من مواعظه وكلامه

عن أبي إدريس الخولاني أن معاذ بن جبل قال إن من ورائكم فتنا يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن حتى يقرأه المؤمن والمنافق والصغير والكبير والأحمر والأسود فيوشك قائل أن يقول ما لي أقرأ على الناس القرآن فلا يتبعوني عليه فما أظنهم يتبعوني عليه حتى أبتدع لهم غيره إياكم وإياكم وما ابتدع، فإن ما ابتدع ضلالة وأحذركم زيغة الحكيم فإن الشيطان يقول علي في الحكيم كلمة الضلالة، وقد يقول المنافق كلمة الحق فاقبلوا الحق فإن على الحق نورًا، قالوا: وما يدرينا رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة؟ قال هي كلمة تنكرونها منه وتقولون ما هذه فلا يثنكم فإنه يوشك أن يفيء ويراجع بعض ما تعرفون.

وعن عبد الله بن سلمة قال: قال رجل لمعاذ بن جبل: علمني، قال وهل أنت مطيعي قال: إني على طاعتك لحريص قال: صم وأفطر، وصل ونم، واكتسب ولا تأثم، ولا تموتن إلا وأنت مسلم، وإياك ودعوة المظلوم.

وعن معاوية بن قرة قال: قال معاذ بن جبل لابنه: يا بني، إذا صليت فصل صلاة مودع لا تظن أنك تعود إليها أبدًا واعلم يا بني أن المؤمن يموت بين حسنتين: حسنة قدمها وحسنة أخرها. وعن أبي إدريس الخولاني قال: قال معاذ: إنك تجالس قومًا لا محالة يخوضون في الحديث، فإذا رأيتهم غفلوا فارغب إلى ربك عند ذلك رغبات. رواهما الإمام أحمد.

وعن محمد بن سيرين قال: أتى رجل معاذ بن جبل ومعه أصحابه يسلمون عليه ويودعونه فقال: إني موصيك بأمرين إن حفظتهما حُفِظْتَ إنه لا غنى بك عن نصيبك من الدنيا وأنت إلى نصيبك من الآخرة أفقر، فآثر من الآخرة على نصيبك من الدنيا حتى ينتظمه لك انتظاما فتزول به معك أينما زلت.

وعن الأسود بن هلال قال: كنا نمشي مع معاذ فقال: اجلسوا بنا نؤمن ساعة.

وعن أشعث بن سليم قال: سمعت رجاء بن حيوة عن معاذ بن جبل قال: ابتليتم بفتنة الضراء فصبرتم، وستبتلون بفتنة السراء، وأخوف ما أخاف عليكم فتنة النساء إذا تسورن الذهب ولبسن رياط الشام وعصب اليمن فأتعبن الغني وكلفن الفقير ما لا يجد.

مرضه ووفاته

عن طارق بن عبد الرحمن قال: وقع الطاعون بالشام فاستغرقها فقال الناس ما هذا إلا الطوفان إلا أنه ليس بماء، فبلغ معاذ بن جبل فقام خطيبًا فقال: إنه قد بلغني ما تقولون وإنما هذه رحمة ربكم ودعوة نبيكم، وكموت الصالحين قبلكم، ولكن خافوا ما هو أشد من ذلك أن يغدو الرجل منكم من منزله لا يدري أمؤمن هو أو منافق، وخافوا إمارة الصبيان.

وعن عبد الله بن رافع قال لما أصيب أبو عبيدة في طاعون عمواس استخلف على الناس معاذ بن جبل واشتد الوجع فقال الناس لمعاذ ادع الله أن يرفع عنا هذا الرجز فقال إنه ليس برجز ولكنه دعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم وشهادة يختص الله بها من يشاء من عباده منكم، أيها الناس أربع خلال من استطاع منكم أن لا يدركه شيء منها فلا يدركه شيء منها، قالوا وما هن قال يأتي زمان يظهر فيه الباطل ويصبح الرجل على دين ويمسي على آخر، ويقول الرجل والله لا أدري علام أنا؟ لا يعيش على بصيرة ولا يموت على بصيرة، ويعطى الرجل من المال مال الله على أن يتكلم بكلام الزور الذي يسخط الله، اللهم آت آل معاذ نصيبهم الأوفى من هذه الرحمة، فطعن ابناه فقال: كيف تجدانكما؟ قالا: يا أبانا {الحق من ربك فلا تكونن من الممترين} قال: وأنا ستجداني إن شاء الله من الصابرين، ثم طعنت امرأتاه فهلكتا وطعن هو في إبهامه فجعل يمسها بفيه ويقول: اللهم إنها صغيرة فبارك فيها فإنك تبارك في الصغيرة حتى هلك.

واتفق أهل التاريخ أن معاذًا ـ رضي الله عنه ـ مات في طاعون عمواس بناحية الأردن من الشام سنة ثماني عشرة، واختلفوا في عمره على قولين: أحدهما: ثمان وثلاثون سنة، والثاني: ثلاث وثلاثون.

العفو عند المقدرة
07-12-2007, 20:40
(بسم الل)

حذيفة بن اليمان رضي الله عنه

--------------------------------------------------------------------------------

السيره الذاتيه للصحابى الجليل (حذيفة بن اليمان رضي الله عنه )




~¤¦¦§¦¦¤~ حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ~¤¦¦§¦¦¤~


حذيفة بن اليمان بن جابر العبسي وكنيته أبا عبد الله وكان صاحب سر رسول الله

، منذ جاء هو أخوه صفوان في صحبة أبيهما الى رسول الله

واعتنق ثلاثتهم الاسلام ، والاسلام يزيد موهبته هذه صقلا ،ف

لقد عانق دينا قويا، نظيفا، شجاعا قويما ، يحتقر الجبن والنفاق ، والكذب ..

وتأدب على يدي رسول واضح كفلق الصبح، لا تخفى عليهم من حياته، ولا من أعماق

نفسه خافية ، صادق وأمين ، يحب الأقوياء في الحق ، ويمقت الملتوين والمرائين

والمخادعين..

فترعرعت موهبة حذيفة في رحاب هذا الدين، وبين يدي هذا الرسول صلى الله عليه

وسلم ، ووسط هذا الرعيل العظيم من الأصحاب.

ولقد نمت موهبته فعلا أعظم نماء ، وتخصص في قراءة الوجوه والسرائر ، يقرأ

الوجوه في نظرة ، ويبلو كنه الأعماق المستترة، والدخائل المخبوءة في غير

عناء ، ولقد بلغ من ذلك ما يريد، حتى كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، وهو

الملهم الفطن الأريب، يستدل برأي حذيفة، وببصيرته في اختيار الرجال ومعرفتهم.

ولقد أوتي حذيفة من الحصافة ما جعله يدرك أن الخير في هذه الحياة واضح لمن

يريده ، وانما الشر هو الذي يتنكر ويتخفى، ومن ثم يجب على الأريب أن يعنى

بدراسة الشر في مآتيه، وهكذا عكف حذيفة رضي الله عنه على دراسة الشر والأشرار،

والنفاق والمؤمنين ، فكان يقول :

( كان الناس يسألون رسول الله عن الخير، وكنت أسأله عن الشر

مخافة أن يدركني )

قلت : ( يا رسول الله فهل بعد هذا الخير من شر؟ )

قال : " نعم "

قلت : ( فهل بعد هذا الشر من خير ؟ )

قال : " نعم، وفيه دخن "

قلت : ( وما طخنه..؟ )

قال : " قوم يستنون بغير سنتي.. ويهتدون يغير هديي، وتعرف منهم وتنكر "

قلت : ( وهل بعد ذلك الخير من شر..؟ )

قال : " نعم ! دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم اليها قذفوه فيها "

قلت : ( يا رسول الله، فما تأمرني ان أدركني ذلك..؟ )

قال : " تلزم جماعة المسلمين وامامهم.. "

قلت: فان لم يكن لهم جماعة ولا امام..؟؟

قال : " تعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت

وأنت على ذلك "

لقد عاش حذيفة بن اليمان مفتوح البصر والبصيرة على مآتي الفتن ، ومسالك الشرور

ليتقيها، وليحذر الناس منها ، ولقد أفاء عليه هذا بصرا بالدنيا، وخبرة بالانس، ومعرفة

بالزمن ، وكان يدير المسائل في فكره وعقله بأسلوب فيلسوف، وحصانة حكيم.



~¤¦¦§¦¦¤~ إيمانه ~¤¦¦§¦¦¤~


لقد كان في ايمانه رضي الله عنه وولائه قويا ، فها هو يرى والده يقتل خطأ يوم أحد

بأيدي مسلمة ، فقد رأى السيوف تنوشه فصاح بضاربيه :

( أبي ، أبي ، انه أبي !! ) ولكن أمر الله قد نفذ ، وحين علم المسلمون تولاهم الحزن

والوجوم ، لكنه نظر اليهم اشفاقا وقال :

( يغفر الله لكم ، وهو أرحم الراحمين )

ثم انطلق بسيفه يؤدي واجبه في المعركة الدائرة وبعد انتهاء المعركة علم الرسول

بذلك ، فأمر بالدية عن والد حذيفة رضي الله عنه ( حسيل بن جابر )

ولكن تصدق بها حذيفة على المسلمين ، فزداد الرسول له حبا وتقديرا .





~¤¦¦§¦¦¤~ غزوة الخندق ~¤¦¦§¦¦¤~


في غزوة الحندق وبعد أن دب الفشل في صفوف كفار قريش وحلفائهم من اليهود،

أراد رسول الله أن يقف على آخر تطورات الموقف هناك في

معسكر أعدائه.

كان اليل مظلما ورهيبا ، وكانت العواصف تزأر وتصطخب، كأنما تريد أن تقتلع جبال

الصحراء الراسيات من مكانها ، وكان الجوع المضني قد بلغ مبلغا وعرا بين اصحاب

الرسول ، فمن يملك آنئذ القوة، وأي قوة ليذهب وسط مخاطر حالكة

الى معسكر الأعداء ويقتحمه، أو يتسلل داخله ثم يبلوا أمرهم ويعرف أخبارهم ؟؟

ان الرسول هو الذي سيختار من أصحابه من يقوم بهذه المهمة البالغة

العسر ..ترى من يكون البطل ؟

انه هو حذيفة بن اليمان

دعاه الرسول فلبى، ومن صدقه العظيم يخبرنا وهو يروي النبأ

أنه لم يكن يملك الا أن يلبي ، مشيرا بهذا الى أنه كان يرهب المهمة الموكولة اليه،

ويخشى عواقبها، والقيام بها تحت وطأة الجوع ، والصقيع، والاعياء الجديد الذي

خلفهم فيه حصار المشركين شهرا أو يزيد ..

وكان أمر حذيفة رضي الله عنه تلك الليلة عجيبا ، فقد قطع المسافة بين المعسكرين،

واخترق الحصار ، وتسلل الى معسكر قريش ، وكانت الريح العاتية قد أطفأت نيران

المعسكر ، فخيم عليه الظلام، واتخذ حذيفة رضي الله عنه مكانه وسط صفوف المحاربين

وخشي أبوسفيان قائد قريش، أن يفجأهم الظلام بمتسللين من المسلمين ، فقام يحذر

جيشه، وسمعه حذيفة رضي الله عنه يقول بصوته المرتفع :

يا معشر قريش ، لينظر امرؤ من جليسه ؟

قال حذيفة رضي الله عنه :

( فأخذت بيد الرجل الذي كان الى جنبي فقلت : من أنت ؟ )

قال : فلان بن فلان

فأمن نفسه في المعسكر ، ثم قال أبو سفيان :

يا معشر قريش ، انكم والله ما أصبحتم بدار مقام ، لقد هلك الكراع والخف ،

وأخلفتنا بنوقريظة ، وبلغنا عنهم الذي نكره ، ولقينا من شدة الريح ما ترون ،

ما تطمئن لنا قدر ، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فاني

مرتحل ، ثم نهض فوق جمله، وبدأ المسير، يقول حذيفة رضي الله عنه :

( لولا عهد رسول الله الي الا تحدث شيئا حتى تأتيني ،

لقتلته بسهم )

وعاد حذيفة رضي الله عنه الى الرسول حاملا له البشرى .



~¤¦¦§¦¦¤~ المنافقون ~¤¦¦§¦¦¤~


كان حذيفة رضي الله عنه يعلم أسماء المنافقين ، أعلمه بهم رسول الله صلى الله

عليه وسلم ، وسأله عمر رضي الله عنه : ( أفي عمالي أحد من المنافقين ؟ )

قال : ( نعم ، واحد )

قال : ( من هو ؟ )

قال : ( لا أذكره )

قال حذيفة : ( فعزله كأنما دل عليه )

وكان عمر رضي الله عنه إذا مات ميت يسأل عن حذيفة رضي الله عنه ، فإن حضر

الصلاة عليه صلى عليه عمر رضي الله عنه ، وإن لم يحضر حذيفة الصلاة عليه لم

يحضر عمر رضي الله عنه .




~¤¦¦§¦¦¤~ آخر ما سمع من الرسول ~¤¦¦§¦¦¤~


عن حذيفة رضي الله عنه قال :

( أتيتُ رسول الله في مرضه الذي توفاه الله فيه ، فقلت :

( يا رسول الله ، كيف أصبحت بأبي أنت وأمي ؟! )

فرد علي بما شاء الله ثم قال : " يا حذيفة أدْنُ منّي "

فدنوت من تلقاء وجهه ، قال :

" يا حُذيفة إنّه من ختم الله به بصومِ يومٍ ، أرادَ به الله تعالى أدخلَه الله الجنة ، ومن أطعم

جائعاً أراد به الله ، أدخله الله الجنة ، ومن كسا عارياً أراد به الله ، أدخله الله الجنة "

قلت :( يا رسول الله ، أسر هذا الحديث أم أعلنه )

قال : " بلْ أعلنه " فهذا آخر شيء سمعته من رسول الله "




~¤¦¦§¦¦¤~ أهل المدائن ~¤¦¦§¦¦¤~


خرج أهل المدائن أفواجا يستقبلون واليهم الجديد الذي اختاره لهم أمير المؤمنين

عمر رضي الله عنه ، خرجوا تسبقهم أشواقهم الى هذا الصحابي الجليل الذي سمعوا

الكثير عن ورعه وتقاه ، وسمعوا أكثر عن بلائه العظيم في فتوحات العراق.

وبينماهم ينتظرون الموكب الوافد، أبصروا أمامهم رجلا مضيئا، يركب حمارا على

ظهره اكاف قديم، وقد أسدل الرجل ساقيه، وأمسك بكلتا يديه رغيفا وملحا،

وهو يأكل ويمضغ طعامه.

وحين توسط جمعهم ، وعرفوا أنه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه الوالي الذي

ينتظرون ، كاد صوابهم يطير ..

أنهم معذورون، فما عهدت بلادهم أيام فارس، ولا قبل فارس ولاة من هذا الطراز

الجليل وسار حذيفة، والناس محتشدون حوله، وحافون به.

وحين رآهم حذيفة رضي الله عنه يحدقون به قال لهم :

( اياكم ومواقف الفتن )

قالوا : وما مواقف الفتن يا أبا عبدالله ؟

قال : ( أبواب الأمراء ، يدخل أحدكم على الأمير أو الوالي ، فيصدقه بالكذب ،

ويمتدحه بما ليس فيه )

فكانت هذه البداية أصدق تعبير عن شخصية الحاكم الجديد ، ومنهجه في الولاية



~¤¦¦§¦¦¤~ معركة نهاوند ~¤¦¦§¦¦¤~


في معركة نهاوند حيث احتشد الفرس في مائة ألف مقاتل وخمسين ألفا ، اختار أمير

المؤمنين عمر رضي الله عنه لقيادة الجيوش المسلمة ( النعمان بن مقرن ) ثم كتب الى

حذيفة رضي الله عنه أن يسير اليه على رأس جيش من الكوفة ، وأرسل عمر رضي

الله عنه للمقاتلين كتابه يقول :

( اذا اجتمع المسلمون ، فليكن كل أمير على جيشه ، وليكن أمير الجيوش جميعا

(النعمان بن مقرن ) ، فاذا استشهد النعمان فليأخذ الراية حذيفة ، فاذا استشهد

فجرير بن عبدالله )

وهكذا استمر يختار قواد المعركة حتى سمى منهم سبعة

والتقى الجيشان ونشب قتال قوي ، وسقط القائد النعمان شهيدا ، وقبل أن تسقط

الراية كان القائد الجديد حذيفة يرفعها عاليا وأوصى بألا يذاع نبأ استشهاد النعمان

حتى تنجلي المعركة ، ودعا ( نعيم بن مقرن ) فجعله مكان أخيه ( النعمان ) تكريما له ،

ثم هجم على الفرس صائحا :

( الله أكبر : صدق وعده ، الله أكبر : نصر جنده )

ثم نادى المسلمين قائلا :

( يا أتباع محمد ، هاهي ذي جنان الله تتهيأ لاستقبالكم ، فلا تطيلوا عليها الانتظار )

وانتهى القتال بهزيمة ساحقة للفرس .

وكان فتح همدان والري والدينور على يده ، وشهد فتح الجزيرة ونزل نصيبين ، وتزوج

فيها



~¤¦¦§¦¦¤~ اختياره للكوفة ~¤¦¦§¦¦¤~

أنزل مناخ المدائن بالعرب المسلمين أذى بليغا ، فكتب عمررضي الله عنه لسعد بن أبي

وقاص رضي الله عنه كي يغادرها فورا بعد أن يجد مكانا ملائما للمسلمين ، فوكل أمر

اختيار المكان لحذيفة بن اليمان رضي الله عنه ومعه سلمان بن زياد ، فلما بلغا أرض

الكوفة وكانت حصباء جرداء مرملة ، قال حذيفة رضي الله عنه لصاحبه :

( هنا المنزل ان شاء الله )

وهكذا خططت الكوفة وتحولت الى مدينة عامرة ، وشفي سقيم المسلمين وقوي

ضعيفهم




~¤¦¦§¦¦¤~ فضله ~¤¦¦§¦¦¤~


قال الرسول :

" ما من نبي قبلي إلا قد أعطيَ سبعة نُجباء رفقاء ، وأعطيت أنا أربعة عشر :

سبعة من قريش : علي والحسن والحسين وحمزة وجعفر ، وأبو بكر وعمر ، وسبعة من

المهاجرين : عبد الله ابن مسعود ، وسلمان وأبو ذر وحذيفة وعمار والمقداد وبلال "

رضوان الله عليهم

قيل لرسول الله : استخلفتَ

فقال : " إني إن استخلِفُ عليكم فعصيتم خليفتي عُذبتم ، ولكم ما حدثكم به حُذيفة

فصدقوه ، وما أقرأكم عبد الله بن مسعود فاقرؤوه "

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأصحابه : ( تمنوا )

فتمنوا ملء البيت الذي كانوا فيه مالا وجواهر ينفقونها في سبيل الله ، فقال عمر رضي

الله عنه :

( لكني أتمنى رجالاً مثل أبي عبيدة ومعاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان ، فأستعملهم

في طاعة الله عز وجل )

ثم بعث بمال إلى أبي عبيدة وقال :( انظر ما يصنع )

فقسمه

ثم بعث بمال إلى حذيفة وقال :( انظر ما يصنع )

فقسمه

فقال عمر :( قد قلت لكم )



~¤¦¦§¦¦¤~ من أقواله ~¤¦¦§¦¦¤~


لحذيفة بن اليمان رضي الله عنه أقوالا بليغة كثيرة ، فقد كان واسع الذكاء والخبرة ،

وكان يقول للمسلمين :

( ليس خياركم الذين يتركون الدنيا للآخرة ، ولا الذين يتركون الآخرة للدنيا ، ولكن الذين

يأخذون من هذه ومن هذه )

يقول حذيفة :

( أنا أعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة ، وما بي أن يكون رسول

الله اسر إلي شيئا لم يحدث به غيري ، وكان ذكر الفتن في مجلس

أنا فيه ، فذكر ثلاثا لا يذرن شيئا، فما بقي من أهل ذلك المجلس غيري )

كان رضي الله عنه يقول :

( ان الله تعالى بعث محمدا فدعا الناس من الضلالة الى الهدى ،

ومن الكفر الى الايمان ، فاستجاب له من استجاب ، فحيى بالحق من كان ميتا ، ومات

بالباطل من كان حيا ، ثم ذهبت النبوة وجاءت الخلافة على منهاجها ، ثم يكون ملكا

عضوضا ، فمن الناس من ينكر بقلبه ويده ولسانه ، أولئك استجابوا للحق ، ومنهم من

ينكر بقلبه ولسانه ، كافا يده ، فهذا ترك شعبة من الحق ، ومنهم من ينكر بقلبه ،

كافا يده ولسانه ، فهذا ترك شعبتين من الحق ، ومنهم من لاينكر بقلبه ولا بيده ولا بلسانه ،

فذلك ميت الأحياء )

ويتحدث عن القلوب والهدى والضلالة فيقول :

( القلوب أربعة : قلب أغلف ، فذلك قلب كافر وقلب مصفح ، فذلك قلب المنافق

وقلب أجرد ، فيه سراج يزهر ، فذلك قلب المؤمن وقلب فيه نفاق و ايمان ، فمثل

الايمان كمثل شجرة يمدها ماء طيب ومثل المنافق كمثل القرحة يمدها قيح ودم ،

فأيهما غلب غلب )




~¤¦¦§¦¦¤~ مقتل عثمان ~¤¦¦§¦¦¤~


كان حذيفة رضي الله عنه يقول :

( اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان ، والله ما شهدت ولا قتلت ولا مالأت على قتله )



~¤¦¦§¦¦¤~ وفاته ~¤¦¦§¦¦¤~


لما نزل بحذيفة رضي الله عنه الموت جزع جزعا شديدا وبكى بكاء كثيرا ،

فقيل : ما يبكيك ؟

فقال : ( ما أبكي أسفاً على الدنيا ، بل الموت أحب إلي ، ولكني لا أدري على ما أقدم

على رضى أم على سخطٍ )

ودخل عليه بعض أصحابه ، فسألهم :

( أجئتم معكم بأكفان ؟)

قالوا : نعم

قال : ( أرونيها )

فوجدها جديدة فارهة ، فابتسم وقال لهم :

( ما هذا لي بكفن ، انما يكفيني لفافتان بيضاوان ليس معهما قميص ، فاني لن أترك

في القبر الا قليلا ، حتى أبدل خيرا منهما ، أو شرا منهما )

ثم تمتم بكلمات : ( مرحبا بالموت ، حبيب جاء على شوق ، لا أفلح من ندم )

وأسلم الروح الطاهرة لبارئها في أحد أيام العام الهجري السادس والثلاثين بالمدائن ،

وبعد مقتل عثمان رضي الله عنه بأربعين ليلة .

العفو عند المقدرة
07-12-2007, 20:41
سلمان الفارسي رضي الله عنه،

--------------------------------------------------------------------------------

الباحث عن الحقيقة

سلمان الفارسي رضي الله عنه، يكنى أبا عبد الله، من أصبهان من قرية يقال لها جي وقيل من رامهرمز، سافر يطلب الدين مع قوم فغدروا به فباعوه لرجل من اليهود ثم إنه كوتب فأعانه النبي في كتابته، أسلم مقدم النبي المدينة، ومنعه الرق من شهود بدر وأحد، وأول غزاة غزاها مع النبي الخندق، وشهد ما بعدها وولاه عمر المدائن.

عن عبد الله بن العباس قال: حدثني سلمان الفارسي قال: كنت رجلا فارسيًّا من أهل أصبهان من أهل قرية منها يقال لها جي، وكان أبي دهقان قريته وكنت أحب خلق الله إليه فلم يزل به حبه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية، واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار الذي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة، قال: وكانت لأبي ضيعة عظيمة قال: فشغل في بنيان له يومًا فقال لي يا بني إني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي فاذهب فاطلعها وأمرني فيها ببعض ما يريد فخرجت أريد ضيعته فمررت بكنيسة من كنائس النصارى فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون، وكنت لا أدري ما أمر الناس لحبس أبي إياي في بيته، فلما مررت بهم وسمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ما يصنعون، قال: فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم ورغبت في أمرهم وقلت هذا والله خير من الذي نحن عليه فوالله ما تركتهم حتى غربت الشمس وتركت ضيعة أبي ولم آتها فقلت لهم أين أصل هذا الدين قالوا بالشام، قال: ثم رجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي وشغلته عن عمله كله فلما جئته قال أي بني أين كنت؟ ألم أكن عهدت إليك ما عهدت؟ قال: قلت يا أبه مررت بناس يصلون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيت من دينهم فوالله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس قال أي بني ليس في ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك خير منه، قلت كلا والله إنه لخير من ديننا، قال فخافني فجعل في رجلي قيدًا ثم حبسني في بيته، قال وبعثت إلى النصارى فقلت لهم إذا قدم عليكم ركب من الشام تجارًا من النصارى فأخبروني بهم، قال فقدم عليهم ركب من الشام تجار من النصارى، قال فأخبروني بقدوم تجار فقلت لهم إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة إلى بلادهم فآذنوني بهم، قال فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم ألقيت الحديد من رجلي ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام فلما قدمتها قلت من أفضل أهل هذا الدين؟ قالوا الأسقف في الكنيسة، قال فجئته فقلت إني قد رغبت في هذا الدين وأحببت أن أكون معك أخدمك في كنيستك وأتعلم منك وأصلي معك قال فادخل، فدخلت معه، قال فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها فإذا جمعوا إليه منها شيئًا اكتنزه لنفسه ولم يعطه المساكين حتى جمع سبع قلال من ذهب، قال وأبغضته بغضًا شديدًا لما رأيته يصنع، قال ثم مات فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه فقلت لهم إن هذا كان رجل سوء يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئًا قالوا وما علمك بذلك؟ قلت أنا أدلكم على كنزه، قالوا فدلنا عليه، قال فأريتهم موضعه، قال فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبًا وورقا، قال فلما رأوها قالوا والله لا ندفنه أبدًا، قال فصلبوه ثم رجموه بالحجارة ثم جاؤوا برجل آخر فجعلوه مكانه، فما رأيت رجلا يصلي الخمس أرى أنه أفضل منه وأزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة ولا أدأب ليلا ونهارًا منه، قال فأحببته حبًّا لم أحبه من قبله فأقمت معه زمانًا ثم حضرته الوفاة قلت له يا فلان، إني كنت معك فأحببتك حبًّا لم أحبه أحداً من قبلك وقد حضرتك الوفاة فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال أي بني، والله ما أعلم أحدا اليوم على ما كنت عليه لقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلا بالموصل وهو فلان وهو على ما كنت عليه فالحق به، قال فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل فقلت له يا فلان إن فلانًا أوصاني عند موته أن ألحق بك وأخبرني أنك على أمره، قال فقال لي أقم عندي، قال فأقمت عنده فوجدته خير رجل على أمر صاحبه، فلم يلبث أن مات فلما حضرته الوفاة قلت له يا فلان إن فلانًا أوصى بي إليك وأمرني باللحوق بك وقد حضرك من أمر الله ما ترى فإلى من توصي بي وما تأمرني؟ قال أي بني، والله ما أعلم رجلا على مثل ما كنا عليه إلا رجلا بنصيبين وهو فلان فالحق به، قال فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين فجئت فأخبرته بما جرى وما أمرني به صاحبي، قال فأقم عندي فأقمت عنده فوجدته على أمر صاحبيه فأقمت مع خير رجل فوالله ما لبث أن نزل به الموت فلما حضر قلت له يا فلان، إن فلانًا كان أوصى بي إلى فلان ثم أوصى بي فلان إليك فإلى من توصي بي وما تأمرني قال أي بني، والله ما أعلم أحدًا بقي على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلا بعمورية فإنه على مثل ما نحن عليه فإن أحببت فأته فإنه على مثل أمرنا، قال فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمورية وأخبرته خبري فقال أقم عندي فأقمت عند رجل على هدي أصحابه وأمرهم، قال وكنت اكتسبت حتى كانت لي بقرات وغنيمة، قال ثم نزل به أمر الله عز وجل فلما حضر قلت له يا فلان إني كنت مع فلان فأوصى بي إلى فلان وأوصى بي فلان إلى فلان وأوصى بي فلان إلى فلان وأوصى بي فلان إليك فإلى من توصي بي وما تأمرني؟ قال أي بني، والله ما أعلم أصبح على ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه ولكنه قد أظلك زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب مهاجرًا إلى أرض بين حرتين بينهما نخل به علامات لا تخفى يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة بين كتفيه خاتم النبوة فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل، قال ثم مات وغيب فمكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث ثم مر بي نفر من كلب تجار فقلت لهم تحملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه قالوا نعم فأعطيتهم إياها وحملوني حتى إذا قدموا بي وادي القرى ظلموني فباعوني لرجل من يهود فكنت عنده ورأيت النخل ورجوت أن يكون البلد الذي وصف لي صاحبي ولم يحق لي في نفسي، فبينا أنا عنده قدم عليه ابن عم له من المدينة من بني قريظة فابتاعني منه فاحتملني إلى المدينة فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي فأقمت بها وبعث الله رسوله فأقام بمكة ما أقام لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق، ثم هاجر إلى المدينة فوالله إني لفي رأس عذق لسيدي أعمل فيه بعض العمل وسيدي جالس إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه فقال، فلانُ قاتلَ اللهُ بني قيلة! والله، إنهم الآن لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم زعم أنه نبي، قال فلما سمعتها أخذتني العرواء حتى ظننت أني ساقط على سيدي، قال ونزلت عن النخلة فجعلت أقول لابن عمه ماذا تقول؟ قال فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة وقال ما لك ولهذا أقبل على عملك، قال قلت لا شيء إنما أردت أن أستثبته عما قال، وقد كان شيء عندي قد جمعته فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله وهو بقباء فدخلت عليه فقلت له إنه قد بلغني أنك رجل صالح معك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة وهذا شيء كان عندي للصدقة فرأيتكم أحق به من غيركم، قال فقربته إليه فقال رسول الله لأصحابه كلوا وأمسك يده هو فلم يأكل، قال فقلت في نفسي هذه واحدة، ثم انصرفت عنه فجمعت شيئًا وتحول رسول الله إلى المدينة ثم جئته به فقلت إني رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية أكرمتك بها فأكل رسول الله منها وأمر أصحابه فأكلوا معه، قال فقلت في نفسي هاتان اثنتان، قال ثم جئت رسول الله وهو ببقيع الغرقد قد تبع جنازة من أصحابه عليه شملتان وهو جالس في أصحابه فسلمت عليه ثم استدرت أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي فلما رآني رسول الله استدبرته عرف أني أستثبت في شيء وصف لي، قال فألقى رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته فانكببت عليه أقبله وأبكي، فقال رسول الله تحول فتحولت فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا بن عباس فأعجب رسول الله أن يسمع ذلك أصحابه، ثم شغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله بدر وأحد، قال ثم قال لي رسول الله كاتب يا سلمان فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها له بالفقير وبأربعين أوقية فقال رسول الله لأصحابه أعينوا أخاكم فأعانوني بالنخل: الرجل بثلاثين ودية والرجل بعشرين والرجل بخمسة عشر والرجل بعشرة والرجل بقدر ما عنده حتى اجتمعت لي ثلاثمائة ودية فقال لي رسول الله اذهب يا سلمان ففقر لها فإذا فرغت أكون أنا أضعها بيدي، قال ففقرت لها وأعانني أصحابي حتى إذا فرغت منها جئته فأخبرته فخرج رسول الله معي إليها فجعلنا نقرب له الودي ويضعه رسول الله بيده فوا الذي نفس سلمان بيده ما مات منها ودية واحدة فأديت النخل فبقي علي المال، فأتى رسول الله بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المعادن فقال ما فعل الفارسي المكاتب قال فدُعِيْتُ له، قال فخذ هذه فأد بها ما عليك يا سلمان، قال قلت وأين تقع هذه يا رسول الله مما علي؟ قال خذها فإن الله عز وجل سيؤدي بها عنك، قال فأخذتها فوزنت لهم منها والذي نفس سلمان بيده أربعين أوقية فأوفيتهم حقهم وعتقت فشهدت مع رسول الله الخندق ثم لم يفتني معه مشهد. رواه الإمام أحمد.

نبذة من فضائله

عن أنس قال: قال رسول الله: السُبَّاق أربعة: أنا سابق العرب، وصهيب سابق الروم، وسلمان سابق فارس، وبلال سابق الحبشة.

وعن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده أن رسول الله خط الخندق وجعل لكل عشرة أربعين ذراعًا فاحتج المهاجرون والأنصار في سلمان وكان رجلا قويًّا، فقال المهاجرون سلمان منا، وقالت الأنصار لا بل سلمان منا، فقال رسول الله: سلمان منا آل البيت.

وعن أبي حاتم عن العتبي قال: بعث إلي عمر بحلل فقسمها فأصاب كل رجل ثوباً ثم صعد المنبر وعليه حلة والحلة ثوبان، فقال أيها الناس ألا تسمعون؟! فقال سلمان: لا نسمع، فقال عمر: لم يا أبا عبد الله؟! قال إنك قسمت علينا ثوبًا ثوبًا وعليك حلة، فقال: لا تعجل يا أبا عبد الله، ثم نادى يا عبد الله، فلم يجبه أحد، فقال: يا عبد الله بن عمر، فقالك لبيك يا أمير المؤمنين، فقال: نشدتك الله الثوب الذي ائتزرت به أهو ثوبك؟ قال: اللهم نعم، قال سلمان: فقل الآن نسمع.


غزارة علمه رضي الله عنه

عن أبي جحيفة قال: آخى رسول الله بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء مبتذلة (في هيئة رثة) فقال لها: ما شأنك؟ فقالت: إن أخاك أبا الدرداء ليست له حاجة في الدنيا، قال: فلما جاء أبا الدرداء قرب طعامًا، فقال: كل فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل قال: فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء ليقوم فقال له سلمان نم فنام، فلما كان من آخر الليل قال له سلمان: قم الآن، فقاما فصليا، فقال إن لنفسك عليك حقًّا ولربك عليك حقًّا وإن لضيفك عليك حقًّا وإن لأهلك عليك حقًّا فأعط كل ذي حق حقه، فأتيا النبي فذكرا ذلك له فقال صدق سلمان. انفرد بإخراجه البخاري.

وعن محمد بن سيرين قال: [دخل سلمان على أبي الدرداء في يوم جمعة فقيل له هو نائم فقال: ما له؟ فقالوا إنه إذا كانت ليلة الجمعة أحياها ويصوم يوم الجمعة قال فأمرهم فصنعوا طعامًا في يوم جمعة ثم أتاهم فقال كل قال إني صائم، فلم يزل به حتى أكل، فأتيا النبي فذكرا ذلك له فقال النبي: عويمر سلمان أعلم منك، وهو يضرب بيده على فخذ أبي الدرداء، عويمر، سلمان أعلم منك ـ ثلاث مرات ـ لا تخصن ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصن يوم الجمعة بصيام من بين الأيام]

وعن ثابت البناني أن أبا الدرداء ذهب مع سلمان يخطب عليه امرأة من بني ليث فدخل فذكر فضل سلمان وسابقته وإسلامه وذكر أنه يخطب إليهم فتاتهم فلانة فقالوا أما سلمان فلا نزوجه ولكنا نزوجك، فتزوجها ثم خرج فقال له إنه قد كان شيء وأنا أستحيي أن أذكره لك قال وما ذاك فأخبره الخبر فقال سلمان أنا أحق أن أستحيي منك أن أخطبها وقد قضاها الله لك رضي الله عنهما.


نبذة من زهده

عن الحسن قال كان عطاء سلمان الفارسي خمسة آلاف وكان أميرًا على زهاء ثلاثين ألفًا من المسلمين وكان يخطب الناس في عباءة يفترش بعضها ويلبس بعضها فإذا خرج عطاؤه أمضاه ويأكل من سفيف يديه.

وعن مالك بن أنس أن سلمان الفارسي كان يستظل بالفيء حيثما دار ولم يكن له بيت فقال له رجل ألا نبني لك بيتا تستظل به من الحر وتسكن فيه من البرد فقال له سلمان: نعم فلما أدبر صاح به فسأله سلمان: كيف تبنيه؟ قال أبنيه إن قمت فيه أصاب رأسك، وإن اضطجعت فيه أصاب رجليك، فقال سلمان: نعم. وقال عبادة بن سليم كان لسلمان خباء من عباء وهو أمير الناس. وعن أبي عبد الرحمن السلمي عن سلمان أنه تزوج امرأة من كندة فلما كان ليلة البناء مشى معه أصحابه حتى أتى بيت المرأة فلما بلغ البيت قال ارجعوا أجركم الله ولم يدخلهم، فلما نظر إلى البيت والبيت منجد قال أمحموم بيتكم أم تحولت الكعبة في كندة، فلم يدخل حتى نزع كل ستر في البيت غير ستر الباب، فلما دخل رأى متاعًا كثيرًا، فقال لمن هذا المتاع؟ قالوا متاعك ومتاع امرأتك، فقال ما بهذا أوصاني خليلي رسول الله، أوصاني خليلي أن لا يكون متاعي من الدنيا إلا كزاد الراكب، ورأى خدمًا فقال لمن هذه الخدم؟ قالوا خدمك وخدم امرأتك، فقال ما بهذا أوصاني خليلي أوصاني خليلي أن لا أمسك إلا ما أنكح أو أنكح فإن فعلت فبغين كان علي مثل أوزارهن من غير أن ينقص من أوزارهن شيء، ثم قال للنسوة اللاتي عند امرأته هل أنتن مخليات بيني وبين امرأتي؟ قلن نعم، فخرجن فذهب إلى الباب فأجافه وأرخى الستر ثم جاء فجلس عند امرأته فمسح بناصيتها ودعا بالبركة فقال لها: هل أنت مطيعتي في شيء آمرك به؟ قالت: جلست مجلس من يطيع قال فإن خليلي أوصاني إذا اجتمعت إلى أهلي أن أجتمع على طاعة الله، فقام وقامت إلى المسجد فصليا ما بدا لهما ثم خرجا فقضى منها ما يقضي الرجل من امرأته، فلما أصبح غدا عليه أصحابه فقالوا كيف وجدت أهلك؟ فأعرض عنهم ثم أعادوا فأعرض عنهم ثم أعادوا فأعرض عنهم ثم قال: إنما جعل الله عز وجل الستور والخدر والأبواب لتواري ما فيها، حسب كل امرئٍ منكم أن يسأل عما ظهر له، فأما ما غاب عنه فلا يسألن عن ذلك، سمعت رسول الله يقول: المتحدث عن ذلك كالحمارين يتسافدان في الطريق.

وعن أبي قلابة أن رجلا دخل على سلمان وهو يعجن فقال: ما هذا؟ قال: بعثنا الخادم في عمل فكرهنا أن نجمع عليه عملين، ثم قال: فلان يقرئك السلام قال: متى قدمت، قال: منذ كذا وكذا فقال أما إنك لو لم تؤدها كانت أمانة لم تؤدها. رواه أحمد.

كسبه وعمله بيده

عن النعمان بن حميد قال: دخلت مع خالي على سلمان الفارسي بالمدائن وهو يعمل الخوص فسمعته يقول: أشتري خوصًا بدرهم فأعمله فأبيعه بثلاثة دراهم فأعيد درهمًا فيه وأنفق درهمًا على عيالي وأتصدق بدرهم، ولو أن عمر بن الخطاب نهاني عنه ما انتهيت. وعن الحسن قال: كان سلمان يأكل من سفيف يده.


نبذة من ورعه وتواضعه

عن أبي ليلى الكندي قال: قال غلام سلمان لسلمان: كاتبني، قال: ألك شيء قال: لا، قال: فمن أين؟ قال: أسأل الناس، قال: تريد أن تطعمني غسالة الناس.

عن ثابت قال: كان سلمان أميرًا على المدائن فجاء رجل من أهل الشام ومعه حمل تبن وعلى سلمان عباءة رثة فقال لسلمان: تعال احمل وهو لا يعرف سلمان فحمل سلمان فرآه الناس فعرفوه فقالوا هذا الأمير فقال: لم أعرفك!! فقال سلمان إني قد نويت فيه نية فلا أضعه حتى أبلغ بيتك.

وعن عبد الله بن بريدة قال: كان سلمان إذا أصاب الشيء اشترى به لحما ثم دعا المجذومين فأكلوا معه.

وعن عمر بن أبي قره الكندي قال: عرض أبي على سلمان أخته أن يزوجه فأبى، فتزوج مولاة يقال لها بقيرة، فأتاه أبو قرة فأخبر أنه في مبقلة له فتوجه إليه فلقيه معه زنبيل فيه بقل قد أدخل عصاه في عروة الزنبيل وهو على عاتقه.

وعن ميمون بن مهران عن رجل من عبد القيس قال: رأيت سلمان في سرية وهو أميرها على حمار عليه سراويل وخدمتاه تذبذبان والجند يقولون قد جاء الأمير قال سلمان: إنما الخير والشر بعد اليوم.

وعن أبي الأحوص قال: افتخرت قريش عند سلمان فقال سلمان: لكني خلقت من نطفة قذرة ثم أعود جيفة منتنة ثم يؤدى بي إلى الميزان فإن ثقلت فأنا كريم وإن خفت فأنا لئيم.

عن ابن عباس قال: قدم سلمان من غيبة له فتلقاه عمر فقال: أرضاك لله عبدًا قال: فزوجني، فسكت عنه، فقال: أترضاني لله عبدًا ولا ترضاني لنفسك، فلما أصبح أتاه قوم فقال: حاجة؟ قالوا: نعم، قال: ما هي؟ قالوا: تضرب عن هذا الأمر يعنون خطبته إلى عمر فقال أما والله ما حملني على هذا إمرته ولا سلطانه، ولكن قلت رجل صالح عسى الله عز وجل أن يخرج مني ومنه نسمة صالحة.

وعن أبي الأسود الدؤلي قال: كنا عند علي ذات يوم فقالوا: يا أمير المؤمنين حدثنا عن سلمان، قال: من لكم بمثل لقمان الحكيم! ذلك امرؤ منا وإلينا أهل البيت، أدرك العلم الأول والعلم الآخر، وقرأ الكتاب الأول والآخر، بحر لا ينزف. وأوصى معاذ بن جبل رجلا أن يطلب العلم من أربعة سلمان أحدهم.

نبذة من كلامه ومواعظه

عن حفص بن عمرو السعدي عن عمه قال: قال سلمان لحذيفة: يا أخا بني عبس، العلم كثير والعمر قصير فخذ من العلم ما تحتاج إليه في أمر دينك ودع ما سواه فلا تعانه.

وعن أبي سعيد الوهبي عن سلمان قال: إنما مثل المؤمن في الدنيا كمثل المريض معه طبيبه الذي يعلم داءه ودواءه فإذا اشتهى ما يضره منعه وقال لا تقربه فإنك إن أتيته أهلكك فلا يزال يمنعه حتى يبرأ من وجعه، وكذلك المؤمن يشتهي أشياء كثيرة مما قد فضل به غيره من العيش، فيمنعه الله عز وجل إياه ويحجزه حتى يتوفاه فيدخله الجنة.

وعن جرير قال: قال سلمان: يا جرير، تواضع لله عز وجل فإنه من تواضع لله عز وجل في الدنيا رفعه الله يوم القيامة، يا جرير، هل تدري ما الظلمات يوم القيامة؟ قلت: لا، قال: ظلم الناس بينهم في الدنيا، قال: ثم أخذ عويدًا لا أكاد أراه بين إصبعيه، قال: يا جرير، لو طلبت في الجنة مثل هذا العود لم تجده، قال قلت: يا أبا عبد الله، فأين النخل والشجر؟ قال: أصولها اللؤلؤ والذهب وأعلاها الثمر.

وعن أبي البختري عن سلمان قال: مثل القلب والجسد مثل أعمى ومقعد قال المقعد إني أرى تمرة ولا أستطيع أن أقوم إليها فاحملني فحمله فأكل وأطعمه.

وعن قتادة قال: قال سلمان: إذا أسأت سيئة في سريرة فأحسن حسنة في سريرة، وإذا أسأت سيئة في علانية فأحسن حسنة في علانية لكي تكون هذه بهذه.

وعن مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان: هلم إلى الأرض المقدسة، فكتب إليه سلمان: إن الأرض لا تقدس أحدًا وإنما يقدس الإنسان عمله وقد بلغني أنك جعلت طبيبًا فإن كنت تبرئ فنعمًا لك وإن كنت متطببًا فاحذر أن تقتل إنسانًا فتدخل النار، فكان أبو الدرداء إذا قضى بين اثنين فأدبرا عنه نظر إليهما وقال متطبب والله ارجعا إلي أعيدا قصتكما.

عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال: ثلاث أعجبتني حتى أضحكتني: مؤمل دنيا والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، وضاحك ملء فيه لا يدري أساخط رب العالمين عليه أم راض عنه، وثلاث أحزنني حتى أبكينني: فراق محمد وحزبه، وهول المطلع، والوقوف بين يدي ربي عز وجل ولا أدري إلى جنة أو إلى نار.

وعن حماد بن سلمة عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان قال: ما من مسلم يكون بفيء من الأرض فيتوضأ أو يتيمم ثم يؤذن ويقيم إلا أمَّ جنودًا من الملائكة لا يرى طرفهم أو قال طرفاهم.

وعن ميمون بن مهران قال: جاء رجل إلى سلمان فقال أوصني، قال: لا تَكَلَّمُ، قال: لا يستطيع من عاش في الناس ألا يتكلم، قال: فإن تكلمت فتكلم بحق أو اسكت، قال: زدني، قال: لا تغضب، قال: إنه ليغشاني مالا أملكه، قال: فإن غضبت فأمسك لسانك ويدك، قال: زدني قال لا تلابس الناس، قال: لا يستطيع من عاش في الناس ألا يلابسهم ، قال: فإن لابستهم فاصدق الحديث وأد الأمانة.

وعن أبي عثمان عن سلمان قال: إن العبد إذا كان يدعو الله في السراء فنزلت به الضراء فدعا قالت الملائكة صوت معروف من آدمي ضعيف فيشفعون له، وإذا كان لا يدعو الله في السراء فنزلت به الضراء قالت الملائكة صوت منكر من آدمي ضعيف فلا يشفعون له.

وعن سالم مولى زيد بن صوحان قال: كنت مع مولاي زيد بن صوحان في السوق فمر علينا سلمان الفارسي وقد اشترى وسقا من طعام فقال له زيد: يا أبا عبد الله، تفعل هذا وأنت صاحب رسول الله؟ قال: إن النفس إذا أحرزت قوتها اطمأنت وتفرغت للعبادة ويئس منها الوسواس.

وعن أبي عثمان عن سلمان قال: لما افتتح المسلمون "جوخى" دخلوا يمشون فيها وأكداس الطعام فيها أمثال الجبال قال ورجل يمشي إلى جنب سلمان فقال يا أبا عبد الله ألا ترى إلى ما أعطانا الله؟ فقال سلمان: وما يعجبك فما ترى إلى جنب كل حبة مما ترى حساب؟! رواه الإمام أحمد.

وعن سعيد بن وهب قال: دخلت مع سلمان على صديق له من كندة نعوده فقال له سلمان: إن الله عز وجل يبتلي عبده المؤمن بالبلاء ثم يعافيه فيكون كفارة لما مضى فيستعتب فيما بقي، وإن الله عز وجل يبتلي عبده الفاجر بالبلاء ثم يعافيه فيكون كالبعير عقله أهله ثم أطلقوه فلا يدري فيم عقلوه ولا فيم أطلقوه حين أطلقوه.

وعن محمد بن قيس عن سالم بن عطية الأسدي قال: دخل سلمان على رجل يعوده وهو في النزع فقال: أيها الملك ارفق به، قال يقول الرجل إنه يقول إني بكل مؤمن رفيق.


وفاة سلمان رضي الله عنه

عن حبيب بن الحسن وحميد بن مورق العجلي أن سلمان لما حضرته الوفاة بكى فقيل له ما يبكيك قال عهد عهده إلينا رسول الله قال ليكن بلاغ أحدكم كزاد الراكب قال فلما مات نظروا في بيته فلم يجدوا في بيته إلا إكافًا ووطاءً ومتاعًا قُوِّمَ نَحْوًا من عشرين درهما.

عن أبي سفيان عن أشياخه قال: ودخل سعد بن أبي وقاص على سلمان يعوده فبكى سلمان فقال له سعد: ما يبكيك يا أبا عبد الله توفي رسول الله وهو عنك راض وترد عليه الحوض؟ قال فقال سلمان: أما إني ما أبكي جزعًا من الموت ولا حرصًا على الدنيا ولكن رسول الله عهد الينا فقال لتكن بلغة أحدكم مثل زاد الراكب وحولي هذه الأساود، وإنما حوله إجانة أو جفة أو مطهرة، قال فقال له سعد: يا أبا عبد الله، اعهد الينا بعهد فنأخذ به بعدك، فقال: يا سعد، اذكر الله عند همك إذا هممت، وعند حكمك إذا حكمت، وعند بذلك إذا قسمت.

وعن الشعبي قال: أصاب سلمان صرة مسك يوم فتح جلولاء فاستودعها امرأته فلما حضرته الوفاة قال هاتي المسك فمرسها في ماء ثم قال انضحيها حولي فإنه يأتيني زوار الآن ليس بإنس ولا جان، ففعلت فلم يمكث بعد ذلك إلا قليلا حتى قبض.

قال أهل العلم بالسير: كان سلمان من المعمرين وتوفي بالمدائن في خلافة عثمان وقيل مات سنة ثنتين وثلاثين.

العفو عند المقدرة
07-12-2007, 20:42
(بسم الل)


طلحة بن عبيد الله

--------------------------------------------------------------------------------

طلحة الخير

يكفيه وصف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) له بقوله "من أراد أن ينظر إلى شهيد يمشي على رجليه فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله" وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وروي عن موسى بن طلحة عن أبيه قال لما كان يوم أحد سماه النبي (صلى الله عليه وسلم) طلحة الخير وفي غزوة ذي العشيرة طلحة الفياض ويوم خيبر طلحة الجود.

نسبه ووصفه

هو طلحة بن عبيد الله ابن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشي التيمي المكي أبو محمد.

قال أبو عبد الله بن منده كان رجلا آدم كثير الشعر ليس بالجعد القطط ولا بالسبط حسن الوجه إذا مشى أسرع ولا يغير شعره. وعن موسى بن طلحة قال كان أبي أبيض يضرب إلى الحمرة مربوعا إلى القصر هو أقرب رحب الصدر بعيد ما بين المنكبين ضخم القدمين إذا التفت التفت جميعا.

مناقبه وفضائله

كان طلحة رضي الله عنه ممن سبق إلى الإسلام وأوذي في الله ثم هاجر فاتفق أنه غاب عن وقعة بدر في تجارة له بالشام وتألم لغيبته فضرب له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بسهمه وأجره قال أبو القاسم بن عساكر الحافظ في ترجمته كان مع عمر لما قدم الجابية وجعله على المهاجرين وقال غيره كانت يده شلاء مما وقى بها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم أحد.

عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) "من أراد أن ينظر إلى شهيد يمشي على رجليه فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله"

وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال رسول الله إهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد.

قال ابن أبي خالد عن قيس قال رأيت يد طلحة التي وقى بها النبي (صلى الله عليه وسلم) يوم أحد شلاء (أخرجه البخاري)

له عدة أحاديث عن النبي (صلى الله عليه وسلم) وله في مسند بقي بن مخلد بالمكرر ثمانية وثلاثون حديثا، له حديثان متفق عليهما وانفرد له البخاري بحديثين ومسلم بثلاثة أحاديث حدث عنه بنوه يحيى وموسى وعيسى والسائب بن يزيد ومالك بن أوس بن الحدثان وأبو عثمان النهدي وقيس بن أبي حازم ومالك بن أبي عامر الأصبحي والأحنف بن قيس التميمي وأبو سلمة بن عبد الرحمن وآخرون

قال الترمذي حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو عبد الرحمن نضر بن منصور حدثنا عقبة بن علقمة اليشكري سمعت عليا يوم الجمل يقول سمعت من في رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول طلحة والزبير جاراي في الجنة

وروي عن موسى بن طلحة عن أبيه قال لما كان يوم أحد سماه النبي (صلى الله عليه وسلم) طلحة الخير وفي غزوة ذي العشيرة طلحة الفياض ويوم خيبر طلحة الجود.

قال مجالد عن الشعبي عن قبيصة بن جابر قال صحبت طلحة فما رأيت أعطى لجزيل مال من غير مسألة منه.

وروي عن موسى بن طلحة أن معاوية سأله كم ترك أبو محمد من العين قال ترك ألفي ألف درهم ومائتي ألف درهم ومن الذهب مائتي ألف دينار فقال معاوية عاش حميدا سخيا شريفا وقتل فقيدا رحمه الله.

وأنشد الرياشي لرجل من قريش:

أيا سائلي عن خيار العباد صادفت ذا العلم والخبرة

خيار العباد جميعا قريش وخير قريش ذوو الهجرة

وخـير ذوي الهجرة السابقون ثمانية وحدهم نصرة

عـلي وعثمان ثم الزبير وطلـحة واثنان من زهرة

وبـران قد جـاورا أحمدا وجاور قبرهـهما قبـره

فمن كان بعـدهم فاخرا فلا يذكـرن بعـدهم فخـره

مواقف لا تنسى

أخرج النسائي عن جابر قال لما كان يوم أحد وولى الناس كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في ناحية في اثني عشر رجلا منهم طلحة فأدركهم المشركون فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) من للقوم قال طلحة: أنا قال كما أنت فقال رجل أنا قال أنت فقاتل حتى قتل ثم التفت فإذا المشركون فقال من لهم قال طلحة أنا قال كما أنت فقال رجل من الأنصار أنا قال أنت فقاتل حتى قتل فلم يزل كذلك حتى بقي مع نبي الله طلحة فقال من للقوم قال طلحة أنا فقاتل طلحة قتال الأحد عشر حتى قطعت أصابعه فقال فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لو قلت باسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون ثم رد الله المشركين.

روي عن موسى وعيسى ابني طلحة عن أبيهما أن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قالوا لأعرابي جاء يسأله عمن قضى نحبه من هو وكانوا لا يجترئون على مسألته (صلى الله عليه وسلم) يوقرونه ويهابونه فسأله الأعرابي فأعرض عنه ثم سأله فأعرض عنه ثم إني اطلعت من باب المسجد وعلي ثياب خضر فلما رآني رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: أين السائل عمن قضى نحبه قال الأعرابي أنا قال: هذا ممن قضى نحبه.

وروي عن سلمة ابن الأكوع قال ابتاع طلحة بئرا بناحية الجبل ونحر جزورا فأطعم الناس فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "أنت طلحة الفياض"

عن موسى بن طلحة عن أبيه أنه أتاه مال من حضرموت سبع مائة ألف فبات ليلته يتململ فقالت له زوجته مالك قال تفكرت منذ الليلة فقلت ما ظن رجل بربه يبيت وهذا المال في بيته قالت فأين أنت عن بعض أخلائك فإذا أصبحت فادع بجفان وقصاع فقسمه فقال لها رحمك الله إنك موفقة بنت موفق وهي أم كلثوم بنت الصديق فلما أصبح دعا بجفان فقسمها بين المهاجرين والأنصار فبعث إلى علي منها بجفنة فقالت له زوجته أبا محمد أما كان لنا في هذا المال من نصيب قال فأين كنت منذ اليوم فشأنك بما بقي قالت فكانت صرة فيها نحو ألف درهم.

جاء أعرابي إلى طلحة يسأله فتقرب إليه برحم فقال إن هذه لرحم ما سألني بها أحد قبلك إن لي أرضا قد أعطاني بها عثمان ثلاث مائة ألف فاقبضها وإن شئت بعتها من عثمان ودفعت إليك الثمن فقال الثمن فأعطاه.

قال الأصمعي حدثنا ابن عمران قاضي المدينة أن طلحة فدى عشرة من أساري بدر بماله وسئل مرة برحم فقال قد بعت لي حائطا بسبع مائة ألف وأنا فيه بالخيار فإن شئت خذه وإن شئت ثمنه.

وروي عن عائشة وأم إسحاق بنتي طلحة قالتا جرح أبونا يوم أحد أربعا وعشرين جراحة وقع منها في رأسه شجة مربعة وقطع نساه يعني العرق وشلت إصبعه وكان سائر الجراح في جسده وغلبه الغشي (الإغماء) ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) مكسورة رباعيته مشجوج في وجهه قد علاه الغشي وطلحة محتمله يرجع به القهقرى كلما أدركه أحد من المشركين قاتل دونه حتى أسنده إلى الشعب.

عن مالك بن أبي عامر قال جاء رجل إلى طلحة فقال رأيتك هذا اليماني هو أعلم بحديث رسول الله منكم (يعني أبا هريرة) نسمع منه أشياء لا نسمعها منكم قال أما أنه قد سمع من رسول الله ما لم نسمع فلا أشك، وسأخبرك إنا كنا أهل بيوت، وكنا إنما نأتي رسول الله غدوة وعشية، وكان مسكينا لا مال له إنما هو على باب رسول الله فلا أشك أنه قد سمع ما لم نسمع وهل تجد أحدا فيه خير يقول على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ما لم يقل.

وروى مجالد عن الشعبي عن جابر أنه سمع عمر يقول لطلحة ما لي أراك شعثت واغبررت مذ توفي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لعله أن ما بك إمارة ابن عمك يعني أبا بكر قال معاذ الله إني سمعته يقول إني لأعلم كلمة لا يقولها رجل يحضره الموت إلا وجد روحه لها روحا حين تخرج من جسده وكانت له نورا يوم القيامة فلم أسأل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عنها ولم يخبرني بها فذاك الذي دخلني قال عمر فأنا أعلمها قال فلله الحمد فما هي قال الكلمة التي قالها لعمه قال صدقت.

مقتله رضي الله عنه

روي عن علقمة بن وقاص الليثي قال: لما خرج طلحة والزبير وعائشة للطلب بدم عثمان عرجوا عن منصرفهم بذات عرق فاستصغروا عروة بن الزبير وأبا بكر بن عبد الرحمن فردوهما قال ورأيت طلحة وأحب المجالس إليه أخلاها وهو ضارب بلحيته على زوره فقلت يا أبا محمد إني أراك وأحب المجالس إليك أخلاها إن كنت تكره هذا الأمر فدعه فقال يا علقمة لا تلمني كنا أمس يدا واحدة على من سوانا فأصبحنا اليوم جبلين من حديد يزحف أحدنا إلى صاحبه ولكنه كان مني شيء في أمر عثمان مما لا أرى كفارته إلا سفك دمي وطلب دمه. قلت الذي كان منه في حق عثمان تأليب فعله باجتهاد ثم تغير عندما شاهد مصرع عثمان فندم على ترك نصرته رضي الله عنهما، وكان طلحة أول من بايع عليا أرهقه قتلة عثمان وأحضروه حتى بايع، قال البخاري حدثنا موسى بن أعين حدثنا أبو عوانة عن حصين في حديث عمرو بن جاوان قال التقى القوم يوم الجمل فقام كعب بن سور معه المصحف فنشره بين الفريقين وناشدهم الله والإسلام في دمائهم فما زال حتى قتل وكان طلحة أول قتيل وذهب الزبير ليلحق ببنيه فقتل.

وروي عن يحيى القطان عن عوف حدثني أبو رجاء قال رأيت طلحة على دابته وهو يقول أيها الناس أنصتوا فجعلوا يركبونه ولا ينصتون فقال أف فراش النار وذباب طمع.

قال ابن سعد أخبرني من سمع إسماعيل بن أبي خالد عن حكيم بن جابر قال: قال طلحة إنا داهنا في أمر عثمان فلا نجد اليوم أمثل من أن نبذل دماءنا فيه اللهم خذ لعثمان مني اليوم حتى ترضى.

وروي عن وكيع حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس قال رأيت مروان بن الحكم حين رمى طلحة يومئذ بسهم فوقع في ركبته فما زال ينسح حتى مات.

وروي عن عبد الله بن إدريس عن ليث عن طلحة بن مصرف أن عليا انتهى إلى طلحة وقد مات فنزل عن دابته وأجلسه ومسح الغبار عن وجهه ولحيته وهو يترحم عليه وقال ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة.

وروى زيد بن أبي أنيسة عن محمد بن عبد الله من الأنصار عن أبيه أن عليا قال بشروا قاتل طلحة بالنار.

وروي عن عن أبي حبيبة مولى لطلحة قال دخلت على علي مع عمران بن طلحة بعد وقعة الجمل فرحب به وأدناه ثم قال إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك ممن قال فيهم ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين (الحجر:15) فقال رجلان جالسان أحدهما الحارث الأعور الله أعدل من ذلك أن يقبلهم ويكونوا إخواننا في الجنة قال قوما أبعد أرض وأسحقها فمن هو إذا لم أكن أنا وطلحة يا ابن أخي إذا كانت لك حاجة فائتنا.

وروي عن اسحاق بن يحيى عن جدته سعدى بنت عوف قالت قتل طلحة وفي يد خازنه ألف ألف درهم ومائتا ألف درهم وقومت أصوله وعقاره ثلاثين ألف ألف درهم.

وكان قتله في سنة ست وثلاثين في جمادي الآخرة وقيل في رجب وهو ابن ثنتين وستين سنة أو نحوها وقبره بظاهر البصرة.

قال يحيى بن بكير وخليفة بن خياط وأبو نصر الكلاباذي إن الذي قتل طلحة مروان بن الحكم ولطلحة أولاد نجباء أفضلهم محمد السجاد كان شابا خيرا عابدا قانتا لله ولد في حياة النبي (صلى الله عليه وسلم) قتل يوم الجمل أيضا فحزن عليه علي وقال صرعه بره بأبيه.

العفو عند المقدرة
07-12-2007, 20:43
(بسم الل)


عبدالله بن مسعود

--------------------------------------------------------------------------------

ثناء الرسول عليه

عن عبد الله بن يزيد قال أتينا حذيفة فقلنا له حدثنا بأقرب الناس برسول الله (صلى الله عليه وسلم) هديا وسمتا ودلا نأخذ عنه ونسمع منه قال: كان أقرب الناس برسول الله (صلى الله عليه وسلم) هديا وسمتا ودلا عبد الله بن مسعود حتى يتوارى عنا في بيته ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد أن ابن أم عبد من أقربهم إلى الله زلفى.

وحكى عنه عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه قال: [كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لا يزال يسمر عند أبي بكر الليلة في أمر من أمر المسلمين وإنه سمر عنده ذات ليلة وأنا معه فخرج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وخرجنا معه فإذا رجل قائم يصلي في المسجد فقام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يستمع قراءته فلما كدنا نعرفه قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من سره أن يقرأ القرآن رطبا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد، قال ثم جلس الرجل يدعو فجعل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول له سل تعطه سل تعطه. قال عمر قلت والله لأغدون عليه فلأبشرنه، قال فغدوت عليه فبشرته فوجدت أبا بكر قد سبقني إليه فبشره ولا والله ما سابقته إلى خير قط إلا سبقني إليه] رواه الإمام أحمد.

وروي [عن زر بن حبيش عن ابن مسعود أنه كان يجتني سواكا من الأراك وكان دقيق الساقين فجعلت الريح تكفؤه فضحك القوم منه! فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : مم تضحكون؟! قالوا يا نبي الله من دقة ساقيه، فقال والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد]


ثناء الناس عليه وكثرة علمه

عن زيد بن وهب قال أقبل عبد الله ذات يوم وعمر جالس فقال: وعاء ملئ علما.

وعن الشعبي قال: ذكروا أن عمر بن الخطاب لقي ركبا في سفر له، فيهم عبد الله بن مسعود فأمر عمر رجلا يناديهم من أين القوم فأجابه عبد الله أقبلنا من الفج العميق، فقال عمر أين تريدون؟ فقال عبد الله: البيت العتيق، فقال عمر: إن فيهم عالما! وأمر رجلا فناداهم أي القرآن أعظم؟ فأجابه عبد الله: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} حتى ختم الآية، قال نادهم أي القرآن أحكم؟ فقال ابن مسعود: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} الآية. فقال عمر نادهم أي القرآن أجمع؟ فقال ابن مسعود: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره} فقال عمر نادهم أي القرآن أخوف؟ فقال ابن مسعود: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به} الآية. فقال عمر نادهم أي القرآن أرجى؟ فقال ابن مسعود: {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} فقال عمر نادهم أفيكم ابن مسعود؟! قالوا اللهم نعم.

وعن أبي البختري قال: سئل علي كرم الله وجهه عن أصحاب محمد فقال عن أيهم تسألون؟ قالوا: أخبرنا عن عبد الله ابن مسعود، قال: علم القرآن وعلم السنة ثم انتهى وكفى به علما.

وعن أبي الأحوص قال: شهدت أبا موسى وأبا مسعود حين مات ابن مسعود وأحدهما يقول لصاحبه: أتراه ترك مثله؟ قال: إنْ قلتَ ذاك! إن كان ليُؤْذَنُ له إذا حُجِبنا، ويشهد إذا غبنا" رواه الإمام أحمد.

وعن عامر قال: قال أبو موسى لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحبر فيكم يعني ابن مسعود.

وعن شقيق قال: كنت قاعدا مع حذيفة فأقبل عبد الله ابن مسعود فقال حذيفة: إن أشبه الناس هديا ودلا برسول الله (صلى الله عليه وسلم) من حين يخرج من بيته إلى أن يرجع ولا أدري ما يصنع في أهله لعبد الله بن مسعود، والله، لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد أنه من أقربهم عند الله وسيلة يوم القيامة. وعن مسروق قال: قال عبد الله: والذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت وإلا أنا أعلم فيم نزلت ولو أعلم أن أحدا أعلم بكتاب الله مني تناله المطي (الإبل) لأتيته.

تعبده

عن زر عن عبد الله أنه كان يصوم الاثنين والخميس، وعن عبد الرحمن بن يزيد قال ما رأيت فقيها قط أقل صوما من عبد الله! فقيل له لم لا تصوم؟ قال إني أختار الصلاة على الصوم فإذا صمت ضعفت عن الصلاة.

وعن محارب بن دثار عن عمه محمد قال مررت بابن مسعود بسحر وهو يقول: اللهم دعوتني فأجبتك، وأمرتني فأطعتك، وهذا سحر فاغفر لي، فلما أصبحت غدوت عليه فقلت له (أي سألته عن دعائه وقت السحر) فقال: إن يعقوب لما قال لبنيه سوف أستغفر لكم أخرهم إلى السحر.

تواضعه

عن حبيب بن أبي ثابت قال: خرج ابن مسعود ذات يوم فتبعه ناس فقال لهم ألكم حاجة؟ قالوا لا ولكن أردنا أن نمشي معك، قال: ارجعوا فإنه ذلة للتابع وفتنة للمتبوع.

وعن الحارث بن سويد قال: قال عبدالله: لو تعلمون ما أعلم من نفسي حثيتم على رأسي التراب.


إيثاره ثواب الآخرة على شهوات النفس

عن قيس بن جبير قال: قال عبد الله: حبذا المكروهان الموت والفقر! وأيم الله، إن هو إلا الغنى والفقر وما أبالي بأيهما بليت، إن حق الله في كل واحد منهما واجب، وإن كان الغنى إن فيه للعطف، وإن كان الفقر إن فيه للصبر.

وعن الحسن قال: قال عبد الله بن مسعود: ما أبالي إذا رجعت إلى أهلي على أي حال أراهم بخير أو بشر أم بضر، وما أصبحت على حالة فتمنيت أني على سواها.


جملة من مناقبه وكلامه رضي الله عنه

عن عبد الله بن مرداس قال: كان عبد الله يخطبنا كل خميس فيتكلم بكلمات فيسكت حين يسكت ونحن نشتهي أن يزيدنا.

وقال رضي الله عنه واعظًا: "إنكم في ممر من الليل والنهار في آجال منقوضة وأعمال محفوظة، والموت يأتي بغتة، فمن زرع خيرا فيوشك أن يحصد رغبة، ومن زرع شرا فيوشك أن يحصد ندامة، ولكل زارع مثل ما زرع لا يسبق بطيء بحظه، ولا يدرك حريض ما لم يقدر له فمن أعطي خيرًا فالله أعطاه ومن وقي شرًّا فالله وقاه، المتقون سادة والفقهاء قادة ومجالسهم زيادة" رواه الإمام أحمد.

وعن أبي الأحوص عن عبد الله أنه كان يوم الخميس قائما فيقول: "إنما هما اثنتان: الهدي والكلام، وأفضل الكلام كلام الله، وأفضل الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وإن كل محدثة بدعة، فلا يطولن عليكم الأمد، ولا يلهينكم الأمل، فإن كل ما هو آت قريب، ألا وإن بعيدًا ما ليس آتيا، ألا وإن الشقي من شقي في بطن أمه، وإن السعيد من وعظ بغيره، ألا وإن قتال المسلم كفر، وسبابه فسوق، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام حتى يسلم عليه إذا لقيه ويجيبه إذا دعاه ويعوده إذا مرض، ألا وإن شر الروايا روايا الكذب، ألا وإن الكذب لا يصلح منه هزل ولا جد، ولا أن يَعِدَ الرجل صبيه شيئا ثم لا ينجزه له، ألا وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ألا وإنه يقال للصادق صدق وبر ويقال للفاجر كذب وفجر، ألا وإن محمدا حدثنا أن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله عز وجل صديقا، ويكذب حتى يكتب عند الله عز وجل كذابا"

وعن عبد الرحمن بن عابس قال: قال عبد الله بن مسعود: إن أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، وأحسن السنن سنة محمد، وخير الهدي هدي الأنبياء، وأشرف الحديث ذكر الله، وخير القصص القرآن، وخير الأمور عواقبها، وشر الأمور محدثاتها، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ونفس تنجيها خير من إمارة لا تحصيها، وشر المعذرة حين يحضر الموت، وشر الندامة ندامة يوم القيامة، وشر الضلالة الضلالة بعد الهدى، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، وخير ما ألقي في القلب اليقين والريب من الكفر، وشر العمى عمى القلب، والخمر جماع الإثم، والنساء حبالة الشيطان، والشباب شعبة من الجنون، والنوح من عمل الجاهلية، ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا دبرا ولا يذكر الله إلا هجرا، وأعظم الخطايا الكذب، وسباب المسلم فسوق، وقتاله كفر، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يعف يعف الله عنه، ومن يكظم الغيظ يأجره الله، ومن يغفر يغفر الله له، ومن يصبر على الرزية يعقبه الله، وشر المكاسب كسب الربا، وشر المآكل أكل مال اليتيم، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه، وإنما يكفي أحدكم ما قنعت به نفسه وإنما يصير إلى أربعة أذرع والأمر إلى آخرة، وملاك العمل خواتمه، وشر الروايا روايا الكذب وأشرف الموت قتل الشهداء، ومن يعرف البلاء يصبر عليه ومن لا يعرفه ينكره، ومن يستكبر يضعه الله، ومن يتول الدنيا تعجز عنه، ومن يطع الشيطان يعص الله ومن يعص الله يعذبه".

وعن المسيب بن رافع عن عبد الله بن مسعود قال: "ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذ الناس نائمون، وبنهاره إذ الناس مفطرون، وبحزنه إذ الناس فرحون، وببكائه إذ الناس يضحكون، وبصمته إذ الناس يخلطون، وبخشوعه إذ الناس يختالون، وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكيا محزونا حليما حكيما سكيتا، ولا ينبغي لحامل القرآن أن يكون جافيا ولا غافلا ولا سخابا ولا صياحا ولا حديدا" رواه الإمام أحمد.

وعن أبي إياس البجلي قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: "من تطاول تعظما خفضه الله، ومن تواضع تخشعا رفعه الله، وإن للملك لمة وللشيطان لمة، فلمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق، فإذا رأيتم ذلك فاحمدوا الله عز وجل، ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق، فإذا رأيتم ذلك فتعوذوا بالله".

وعن عمران بن أبي الجعد عن عبد الله قال: "إن الناس قد أحسنوا القول فمن وافق قوله فعله فذاك الذي أصاب حظه، ومن لا يوافق قوله فعله فذاك الذي يوبخ نفسه".

وعن المسيب بن رافع قال: قال عبد الله بن مسعود: "إني لأبغض الرجل أن أراه فارغا ليس في شيء من عمل الدنيا ولا من عمل الآخرة" رواه الإمام أحمد.

وعن مرة عن عبد الله قال: "ما دمت في صلاة فأنت تقرع باب الملك ومن يقرع باب الملك يفتح له".

وعن القاسم بن عبد الرحمن والحسن بن سعد قالا: قال عبد الله: "إني لأحسب الرجل ينسى العلم كان يعلمه بالخطيئة يعملها" رواه الإمام أحمد.

وعن إبراهيم بن عيسى عن عبد الله بن مسعود قال: "كونوا ينابيع العلم، مصابيح الهدى، أحلاس البيوت، سرج الليل، جدد القلوب، خلقان الثياب، تعرفون في أهل السماء وتخفون في أهل الأرض".

وعن معن قال: قال عبد الله بن مسعود: "إن للقلوب شهوة وإقبالا وإن للقلوب فترة وإدبارا فاغتنموها عند شهوتها واقبالها ودعوها عند فترتها وإدبارها".

وعن عون بن عبد الله قال: قال عبد الله: "ليس العلم بكثرةالرواية ولكن العلم الخشية".

وعن إبراهيم قال: قال عبد الله: "لو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كلبا".

وعن أبي الأحوص عن عبد الله قال: "مع كل فرحة ترحة وما ملئ بيت حبرة (فرحة) إلا ملئ عبرة" رواه أحمد.

وعن الضحاك بن مزاحم قال: قال عبد الله: "ما منكم إلا ضيف وماله عارية فالضيف مرتحل والعارية مؤداة إلى أهلها".

وعن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: أتاه رجل فقال يا أبا عبد الرحمن علمني كلمات جوامع نوافع فقال له عبد الله: "لاتشرك به شيئا، وزل مع القرآن حيث زال، ومن جاءك بالحق فاقبل منه وإن كان بعيدا بغيضا، ومن جاءك بالباطل فاردده عليه وإن كان حبيبا قريبا". وقال أيضًا: "الحق ثقيل مريء، والباطل خفيف وبيء، ورب شهوة تورث حزنا طويلا".

وعن عنبس بن عقبة قال: قال عبد الله بن مسعود: "والله الذي لا إله إلا هو، ما على وجه الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لسان".

وعن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: "إذا ظهر الزنا والربا في قرية أذن بهلاكها".

وعن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: "من استطاع منكم أن يجعل كنزه في السماء حيث لا تأكله السوس ولا يناله السراق فليفعل فإن قلب الرجل مع كنزه".

وعن القاسم قال: قال رجل لعبد الله أوصني يا أبا عبد الرحمن قال: "ليسعك بيتك، واكفف لسانك، وابك على خطيئتك".

وعن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله قال: "أنتم أطول صلاة وأكثر اجتهادا من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وهم كانوا أفضل منكم، قيل له بأي شيء؟ قال: إنهم كانوا أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة منكم"

وعن زاذان عن عبد الله بن مسعود قال: "يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقال له أد أمانتك! فيقول من أين يا رب قد ذهبت الدنيا؟! فتمثل على هيئتها يوم أخذها (أي الأمانة) في قعر جهنم فينزل فيأخذها فيضعها على عاتقه فيصعد بها حتى إذا ظن أنه خارج بها هوت وهوى في إثرها أبد الآبدين".

وعن أبي الأحوص عن عبد الله قال: "لا يقلدن أحدكم دينه رجلا فإن آمن آمن وإن كفر كفر، وإن كنتم لابد مقتدين فاقتدوا بالميت، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة".

وعن عبد الرحمن بن يزيد قال: قال عبد الله: "لا تكونن إمعة، قالوا وما الإمعة؟ قال: يقول أنا مع الناس إن اهتدوا اهتديت وإن ضلوا ضللت، ألا ليوطنن أحدكم نفسه على أنه إن كفر الناس أن لا يكفر".

وعن سليمان بن مهران قال: بينما ابن مسعود يوما معه نفر من أصحابه إذ مر أعرابي فقال: عَلامَ اجتمع هؤلاء؟ فقال ابن مسعود: على ميراث محمد يقتسمونه

العفو عند المقدرة
07-12-2007, 20:44
أبو ذر الغفاري (رضي الله عنه)

--------------------------------------------------------------------------------

المجاهر بالحق
كان أبو ذر الغفاري (رضي الله عنه) من الرجال الذين أحبهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)
ووصفه بصفتين التصقا به وأصبحا يوجهانه في المواقف المختلفة ، وهما الصدق والوحدة والتفرد ، ولقد دفع الصدق أبا ذر لأن يكون من أكثر الصحابة مجاهرة بالحق مهما عرضه ذلك للأذى فكان من القلائل الذين أعلنوا إسلامهم في قريش ، أما الوحدة والتفرد فقد قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم (رحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث يوم القيامة وحده).



من هو أبو ذر؟!
هو أبو ذر جندب بن جنادة كان طوالا آدم وكان يتعبد قبل مبعث رسول الله وكان شجاعا ينفرد وحده فيقطع الطريق ويغير على الناس كأنه السبع.

إسلامه
أسلم بمكة قديما وقال كنت في الإسلام رابعا ورجع إلى بلاد قومه فأقام بها حتى مضت بدر وأحد والخندق ثم قدم المدينة.

ويروي أبو ذر قصة إسلامه في الحديث الذي رواه البخاري عن ابن عباس(رضي الله عنه)قال: ألا أخبركم بإسلام أبي ذر قال: قلنا بلى. قال:

قال أبو ذر كنت رجلا من غفار فبلغنا أن رجلا قد خرج بمكة يزعم أنه نبي فقلت لأخي انطلق إلى هذا الرجل كلمه واتني بخبره فانطلق فلقيه ثم رجع فقلت ما عندك فقال والله لقد رأيت رجلا يأمر بالخير وينهى عن الشر فقلت له: لم تشفني من الخبر فأخذت جرابا وعصا ثم أقبلت إلى مكة فجعلت لا أعرفه وأكره أن أسأل عنه وأشرب من ماء زمزم وأكون في المسجد قال فمر بي علي فقال كأن الرجل غريب قال: قلت: نعم. قال فانطلق إلى المنزل قال فانطلقت معه لا يسألني عن شيء ولا أخبره فلما أصبحت غدوت إلى المسجد لأسأل عنه، وليس أحد يخبرني عنه بشيء.

قال فمر بي علي فقال: أما آن للرجل أن يعرف منزله بعد.

قال: قلت لا.

قال: انطلق معي

قال: فقال ما أمرك وما أقدمك هذه البلدة

قال: قلت له إن كتمت علي أخبرتك

قال: فإني أفعل، قال: قلت له بلغنا أنه قد خرج ها هنا رجل يزعم أنه نبي فأرسلت أخي ليكلمه فرجع ولم يشفني من الخبر فأردت أن ألقاه.

فقال له: أما إنك قد رشدت هذا وجهي إليه فاتبعني ادخل حيث أدخل فإني إن رأيت أحدا أخافه عليك قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي وامض أنت فمضى ومضيت معه حتى دخل ودخلت معه على النبي (صلى الله عليه وسلم) فقلت له: اعرض علي الإسلام فعرضه فأسلمت مكاني فقال لي يا أبا ذر اكتم هذا الأمر وارجع إلى بلدك فإذا بلغك ظهورنا فأقبل فقلت والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين أظهرهم فجاء إلى المسجد وقريش فيه فقال يا معشر قريش إني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فقالوا قوموا إلى هذا الصابئ فقاموا فضربت لأموت، فأدركني العباس فأكب علي ثم أقبل عليهم فقال: ويلكم تقتلون رجلا من غفار ومتجركم وممركم على غفار فأقلعوا عني فلما أن أصبحت الغد رجعت فقلت مثل ما قلت بالأمس فقالوا قوموا إلى هذا الصابئ فصنع بي مثل ما صنع بالأمس وأدركني العباس فأكب علي وقال مثل مقالته بالأمس قال فكان هذا أول إسلام أبي ذر رحمه الله.

مناقبه

وردت أحاديث في كتب الصحاح في فضل أبي ذر ومناقبه ومنها:
عن أبي حرب بن أبي الأسود قال سمعت عبد الله بن عمر قال سمعت رسول الله يقول "ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق من أبي ذر" رواه الإمام أحمد
وعن الحارث بن يزيد الحضرمي عن ابن حجيرة الأكبر "عن أبي ذر قال قلت يا رسول الله ألا تستعملني قال فضرب بيده على منكبي ثم قال يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها" (مسلم)
وعن ابن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله أمرني بحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم قيل يا رسول الله سمهم لنا قال علي منهم يقول ذلك ثلاثا وأبو ذر والمقداد وسلمان أمرني بحبهم وأخبرني أنه يحبهم" (رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك)

وعن المعرور بن سويد قال لقيت أبا ذر بالربذة وعليه حلة وعلى غلامه حلة فسألته عن ذلك فقال إني ساببت رجلا فعيرته بأمه فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم "يا أبا ذر أعيرته بأمه إنك امرؤ فيك جاهلية إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم"(مسلم)

وعن الأحنف بن قيس قال كنت بالمدينة فإذا أنا برجل يفر الناس منه حين يرونه قال قلت من أنت قال أنا أبو ذر صاحب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال قلت ما يفر الناس قال إني أنهاهم عن الكنوز بالذي كان ينهاهم عنه رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

العفو عند المقدرة
07-12-2007, 20:46
أبو موسى الأشعري

--------------------------------------------------------------------------------

أبو موسى الأشعري

رقيق القلب والمشاعر

وصفه رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) ووصف قومه بأنهم أهل رقة في القلوب وعذوبة في الصوت حتى إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) كان يتأثر بقراءته للقرآن ويقول له "لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود" إنه الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري .

واسمه عبد الله بن قيس بن سليم أسلم بمكة وهاجر إلى أرض الحبشة ثم قدم مع أهل السفينتين ورسول الله بخيبر. وأرسله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مع معاذ بن جبل إلى اليمن ، روي عن أبي بردة عن أبيه عن جده أن النبي (صلى الله عليه وسلم) بعث معاذا وأبا موسى إلى اليمن قال يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا .


مناقبه وفضائله

قال أبو بردة عن أبي موسى قال النبي (صلى الله عليه وسلم) إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار ومنهم حكيم إذا لقي الخيل أو قال العدو قال لهم إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم

وقد صح من حديث أبي موسى قال: قال رسول الله: لو رأيتني وأنا أستمع قراءتك البارحة لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود، فقلت يا رسول الله، لو علمت أنك تسمع قراءتي لحبرته لك تحبيرًا.

حدثنا عثمان بن عمر أخبرنا مالك عن ابن بريدة عن أبيه قال خرج بريدة عشاء فلقيه النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ بيده فأدخله المسجد فإذا صوت رجل يقرأ فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) تراه مرائيا فأسكت بريدة فإذا رجل يدعو فقال اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) والذي نفس محمد بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب قال فلما كان من القابلة خرج بريدة عشاء فلقيه النبي (صلى الله عليه وسلم) فأخذ بيده فأدخله المسجد فإذا صوت الرجل يقرأ فقال النبي صلى الله عليه وسلم أتقول هو مراء؟! فقال بريدة أتقوله مراء يا رسول الله فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) لا بل مؤمن منيب لا بل مؤمن منيب. فإذا الأشعري يقرأ بصوت له في جانب المسجد فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الأشعري أو إن عبد الله بن قيس أعطي مزمارا من مزامير داود فقلت ألا أخبره يا رسول الله قال بلى فأخبره فأخبرته فقال أنت لي صديق أخبرتني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديث.

وفي الصحيحين من حديث أبي موسى قال: خرجنا مع رسول الله في غزاة ونحن ستة نفر على بعير نعتقبه قال: فنقبت أقدامنا ونقبت قدمي وسقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق فسميت غزاة ذات الرقاع لما كنا نعصب على أرجلنا من الخرق. قال أبو بريدة فحدث أبو موسى بهذا الحديث ثم كره ذلك، وقال: ما كنت أصنع بأن أذكره، قال: كأنه كره أن يكون شيئًا من عمله أفشاه.
وعن أبي سلمة قال كان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى: ذكرنا ربنا تعالى، فيقرأ (أي القرآن).
وعن أبي عثمان النهدي قال: صلى بنا أبو موسى الأشعري صلاة الصبح فما سمعت صوت صنج ولا بربط (من آلات العزف) كان أحسن صوتًا منه.


من أقواله رضى الله عنه
* وعن أبي كبشة السدوسي قال: خطبنا أبو موسى الأشعري فقال: إن الجليس الصالح خير من الوحدة، والوحدة خير من الجليس السوء، ومثل الجليس الصالح كمثل صاحب العطر إلا يحذك يعبق بك من ريحه، ألا وإن مثل الجليس السوء كمثل صاحب الكير إلا يحرق ثيابك يعبق بك من ريحه، ألا وإنما سمي القلب من تقلبه، وإن مثل القلب كمثل ريشة بأرض فضاء تضربها الريح ظهرًا لبطن، ألا وإن من ورائكم فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الراكب، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: كونوا أحلاس البيوت.
* وعن أبي كنانة عن أبي موسى الأشعري أنه جمع الذين قرأوا القرآن فإذا هم قريب من ثلثمائة فعظم القرآن وقال: إن هذا القرآن كائن لكم أجرًا وكائن عليكم وزرًا فاتبعوا القرآن ولا يتبعنكم القرآن، فإنه من اتبع القرآن هبط به على رياض الجنة، ومن تبعه القرآن زج في قفاه فقذفه في النار.
* وعن أبي مجلز قال: قال أبو موسى: إني لأغتسل في البيت المظلم فما أقيم صلبي حتى آخذ ثوبي حياء من ربي عز وجل.
* وعن قسامة بن زهير قال: خطبنا أبو موسى فقال: أيها الناس، ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون الدموع حتى تنقطع، ثم يبكون الدماء حتى لو أرسلت فيها السفن لجرت.
رواهما الإمام أحمد رحمه الله.
* وعن أبي بردة عن أبي موسى قال: خرجنا غازين في البحر والريح لنا طيبة والشراع لنا مرفوع، فسمعنا مناديًا ينادي يا أهل السفينة قفوا أخبركم حتى والى بين سبعة أصوات، قال أبو موسى: فقمت على صدر السفينة فقلت: من أنت ومن أين أنت أو ما ترى أين نحن وهل نستطيع وقوفًا؟ قال فأجابني الصوت: ألا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه، قال: قلت بلى أخبرنا، قال: فإن الله قضى على نفسه أنه من عطش نفسه لله في يوم حار كان حقًّا على الله أن يرويه يوم القيامة، قال فكان أبو موسى يتوخى ذلك اليوم الحار الشديد الحر الذي يكاد ينسلخ فيه الإنسان فيصومه.
* وعن أبي إدريس قال: صام أبو موسى حتى عاد كأنه خلال، فقيل له لو أجممت نفسك فقال: هيهات، إنما يسبق من الخيل المضمرة، قال وربما خرج من منزله فيقول لامرأته: شدي رحلك فليس على جسر جهنم معبر.
* حدثنا ابن أبي عدي عن حميد عن أنس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقدم عليكم أقوام هم أرق منكم قلوبا. قال فقدم الأشعريون فيهم أبو موسى الأشعري فلما دنوا من المدينة كانوا يرتجزون يقولون غدا نلقى الأحبه محمدا وحزبه .

* حدثنا يحيى بن بشر حدثنا روح حدثنا عوف عن معاوية بن قرة قال حدثني أبو بردة بن أبي موسى الأشعري قال قال لي عبد الله بن عمر هل تدري ما قال أبي لأبيك. قال قلت لا قال فإن أبي قال لأبيك يا أبا موسى هل يسرك إسلامنا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهجرتنا معه وجهادنا معه وعملنا كله معه وأن كل عمل عملناه بعده نجونا منه كفافا رأسا برأس فقال أبي لا والله قد جاهدنا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلينا وصمنا وعملنا خيرا كثيرا وأسلم على أيدينا بشر كثير وإنا لنرجو ذلك فقال أبي لكني أنا والذي نفس عمر بيده لوددت أن لو نجونا منه كفافا رأسا برأس فقلت إن أباك والله خير من أبي


دعاء النبي( صلى الله عليه وسلم) له

روي عن أبي بردة عن أبيه قال لما فرغ النبي (صلى الله عليه وسلم) من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس فلقي دريد بن الصمة فقتل دريد وهزم الله أصحابه فقال أبو موسى وبعثني مع أبي عامر قال فرمي أبو عامر في ركبته رماه رجل من بني جشم بسهم فأثبته في ركبته فانتهيت إليه فقلت يا عم من رماك فأشار أبو عامر إلى أبي موسى فقال إن ذاك قاتلي تراه ذلك الذي رماني قال أبو موسى فقصدت له فاعتمدته فلحقته فلما رآني ولى عني ذاهبا فاتبعته وجعلت أقول له ألا تستحيي ألست عربيا ألا تثبت فكف فالتقيت أنا وهو فاختلفنا أنا وهو ضربتين فضربته بالسيف فقتلته ثم رجعت إلى أبي عامر فقلت إن الله قد قتل صاحبك قال فانزع هذا السهم فنزعته فنزا منه الماء فقال يا ابن أخي انطلق إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فأقرئه مني السلام وقل له يقول لك أبو عامر استغفر لي قال واستعملني أبو عامر على الناس ومكث يسيرا ثم إنه مات فلما رجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم دخلت عليه وهو في بيت على سرير مرمل وعليه فراش وقد أثر رمال السرير بظهر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وجنبيه فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر وقلت له قال قل له يستغفر لي فدعا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بماء فتوضأ منه ثم رفع يديه ثم قال اللهم اغفر لعبيد أبي عامر حتى رأيت بياض إبطيه ثم قال اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك أو من الناس فقلت ولي يا رسول الله فاستغفر فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما قال أبو بردة إحداهما لأبي عامر والأخرى لأبي موسى(رواه مسلم)

وفاته

عن الضحاك بن عبد الرحمن قال: دعا أبو موسى فتيانه حين حضرته الوفاة فقال: اذهبوا فاحفروا وأوسعوا وأعمقوا، فجاؤوا فقالوا قد حفرنا وأوسعنا وأعمقنا فقال: والله إنها لإحدى المنزلتين إما ليوسعن علي قبري حتى يكون كل زاوية منه أربعين ذراعًا ثم ليفتحن لي باب إلى الجنة فلأنظرن إلى أزواجي ومنازلي وما أعد الله عز وجل لي من الكرامة ثم ليصيبني من ريحها وروحها حتى أبعث، ولئن كانت الأخرى ونعوذ بالله منها ليضيقن علي قبري حتى أكون في أضيق من القناة في الزج ثم ليفتحن لي باب من أبواب جهنم فلأنظرن إلى سلاسلي وأغلالي وقرنائي ثم ليصيبني من سمومها وحميمها حتى أبعث.

قال أصحاب السير: توفي أبو موسى سنة اثنتين وخمسين وقيل اثنتين وأربعين وقيل أربع وأربعين ودفن بمكة وقيل دفن بالثوية على ميلين من الكوفة.

العفو عند المقدرة
07-12-2007, 20:47
الأحنف بن قيس

--------------------------------------------------------------------------------

إمام في الحلم

ضرب به المثل في الحلم والورع كما ضرب المثل في الذكاء بالقاضي إياس فكانوا يقولون: "في حلم أحنف وذكاء إياس" إنه الصحابي الجليل الأحنف بن قيس، ولقد دعا له النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال "اللهم اغفر للأحنف فكان الأحنف يقول فما شيء أرجى عندي من ذلك".

نسبه

هو الأحنف بن قيس ابن معاوية بن حصين الأمير الكبير العالم النبيل أبو بحر التميمي اسمه ضحاك وقيل صخر وشهر بالأحنف لحنف رجليه وهو العوج والميل، قال سليمان بن أبي شيخ كان أحنف الرجلين جميعا ولم يكن له إلا بيضة واحدة واسمه صخر بن قيس أحد بني سعد وأمه باهلية فكانت ترقصه وتقول:

والله لولا حنف برجله، وقلة أخافها من نسله، ما كان في فتيانكم من مثله.

فضله ومناقبه

كان سيد تميم، أسلم في حياة النبي (صلى الله عليه وسلم) ووفد على عمر.

حدث عن عمر وعلي وأبي ذر والعباس وابن مسعود وعثمان بن عفان وعدة، وعنه عمرو بن جاوان والحسن البصري وعروة بن الزبير وطلق ابن حبيب وعبد الله بن عميرة ويزيد بن الشخير وخليد العصري وآخرون وهو قليل الرواية.

قال ابن سعد: كان ثقة مأمونا قليل الحديث وكان صديقا لمصعب ابن الزبير فوفد عليه إلى الكوفة فمات عنده بالكوفة.

قال أبو أحمد الحاكم هو الذي فتح مدينة مرو الروذ وكان الحسن وابن سيرين في جيشه ذاك.

وروي عن الأحنف بن قيس قال بينا أنا أطوف بالبيت في زمن عثمان إذ لقيني رجل من بني ليث فأخذ بيدي فقال ألا أبشرك قلت بلى قال أما تذكر إذ بعثني رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى قومك بني سعد أدعوهم إلى الإسلام فجعلت أخبرهم وأعرض عليهم فقلت إنه يدعو إلى خير وما أسمع إلا حسنا فذكرت ذلك للنبي (صلى الله عليه وسلم) فقال "اللهم اغفر للأحنف فكان الأحنف يقول فما شيء أرجى عندي من ذلك" رواه أحمد في مسنده

وروي عن الأحنف أيضا أنه قدم على عمر بفتح تستر فقال قد فتح الله عليكم تستر وهي من أرض البصرة فقال رجل من المهاجرين يا أمير المؤمنين إن هذا يعني الأحنف الذي كف عنا بني مرة حين بعثنا رسول الله في صدقاتهم وقد كانوا هموا بنا قال الأحنف فحبسني عمر عنده سنة يأتيني في كل يوم وليلة فلا يأتيه عني إلا ما يحب ثم دعاني فقال يا أحنف هل تدري لم حبستك عندي قلت لا يا أمير المؤمنين قال إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حذرنا كل منافق عليم فخشيت أن تكون منهم فاحمد الله يا أحنف"

قال خليفة توجه ابن عامر إلى خراسان وعلى مقدمته الأحنف فلقي أهل هراة فهزمهم فافتتح ابن عامر أبرشهر صلحا ويقال عنوة وبعث الأحنف في أربعة آلاف فتجمعوا له مع طوقان شاة فاقتتلوا قتالا شديدا فهزم الله المشركين قال ابن سيرين كان الأحنف يحمل ويقول "إن على كل رئيس حقا أن يخضب القناة أو تندقا"

وقيل سار الأحنف إلى بلخ فصالحوه على أربع مائة ألف ثم أتى خوارزم فلم يطقها فرجع.

وعن ابن إسحاق أن ابن عامر خرج من خراسان معتمرا قد أحرم منها وخلف على خراسان الأحنف وجمع أهل خراسان جمعا كبيرا وتجمعوا بمرو فالتقاهم الأحنف فهزمهم وكان ذلك الجمع لم يسمع بمثله.

قال ابن المبارك قيل للأحنف بم سودوك قال لو عاب الناس الماء لم أشربه.

وقال خالد بن صفوان كان الأحنف يفر من الشرف والشرف يتبعه وقيل للأحنف إنك كبير والصوم يضعفك قال اني أعده لسفر طويل

وقيل كانت عامة صلاة الأحنف بالليل وكان يضع أصبعه على المصباح ثم يقول حس ويقول ما حملك يا أحنف على أن صنعت كذا يوم كذا.

وروي أبو الأصفر أن الأحنف استعمل على خراسان فأجنب في ليلة باردة فلم يوقظ غلمانه وكسر ثلجا واغتسل.

وقال عبد الله بن بكر المزني عن مروان الأصفر سمع الأحنف يقول اللهم إن تغفر لي فأنت أهل ذاك وإن تعذبني فأنا أهل ذاك.

قال مغيرة ذهبت عين الأحنف فقال ذهبت من أربعين سنة ما شكوتها إلى أحد.

قال الحسن ذكروا عن معاوية شيئا فتكلموا والأحنف ساكت فقال يا أبا بحر مالك لا تتكلم قال أخشى الله إن كذبت وأخشاكم إن صدقت.

وعن الأحنف عجبت لمن يجري في مجرى البول مرتين كيف يتكبر.


حلم الأحنف

قيل عاشت بنو تميم بحلم الأحنف أربعين سنة، وفيه قال الشاعر:

إذا الأبصار أبصرت ابن قيس*****ظللن مهابة منه خشوعا.

قال سليمان التيمي قال الأحنف ثلاث في ما أذكرهن إلا لمعتبر ما أتيت باب سلطان إلا أن أدعى، ولا دخلت بين اثنين حتى يدخلاني بينهما، وما أذكر أحدا بعد أن يقوم من عندي إلا بخير.

وقال: ما نازعني أحد إلا أخذت أمري بأمور: إن كان فوقي عرفت له قدره، وإن كان دوني رفعت قدري عنه، وإن كان مثلي تفضلت عليه، وقال لست بحليم ولكني أتحالم.

وقيل إن رجلا خاصم الأحنف وقال لئن قلت واحدة لتسمعن عشرا فقال لكنك إن قلت عشرا لم تسمع واحدة.

وقيل إن رجلا قال للأحنف بم سدت وأراد أن يعيبه قال الأحنف بتركي ما لا يعنيني كما عناك من أمري ما لا يعنيك.

وروي عن ذي الرمة قال شهدت الأحنف بن قيس وقد جاء إلى قوم في دم، فتكلم فيه وقال احتكموا قالوا نحتكم ديتين قال: ذاك لكم فلما سكتوا قال أنا أعطيكم ما سألتم. فاسمعوا إن الله قضى بدية واحدة وإن النبي (صلى الله عليه وسلم) قضى بدية واحدة وإن العرب تعاطى بينها دية واحدة وأنتم اليوم تطالبون وأخشى أن تكونوا غدا مطلوبين فلا ترضى الناس منكم إلا بمثل ما سننتم قالوا ردها إلى دية.

من كلمات الأحنف

عن الأحنف ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة شريف من دنيء وبر من فاجر وحليم من أحمق.

وقال من أسرع إلى الناس بما يكرهون قالوا فيه ما لا يعلمون

وسئل ما المروءة قال كتمان السر والبعد عن الشر والكامل من عدت سقطاته.

وعنه قال رأس الأدب آلة المنطق لا خير في قول بلا فعل ولا في منظر بلا مخبر ولا في مال بلا جود ولا في صديق بلا وفاء ولا في فقه بلا ورع ولا في صدقة إلا بنية ولا في حياة إلا بصحة وأمن والعتاب مفتاح التقالى والعتاب خير من الحقد.

ورأى الأحنف في يد رجل درهما فقال لمن هذا قال لي قال ليس هو لك حتى تخرجه في أجر أو اكتساب شكر وتمثل أنت للمال إذا أمسكته، وإذا أنفقته فالمال لك.

وقيل: كان الأحنف إذا أتاه رجل وسع له فإن لم يكن له سعة أراه كأنه يوسع له وعنه قال جنبوا مجالسنا ذكر النساء والطعام إني أبغض الرجل يكون وصافا لفرجه وبطنه.

وقيل إنه كلم مصعبا في محبوسين قال أصلح الله الأمير إن كانوا حبسوا في باطل فالعدل يسعهم وإن كانوا حبسوا في الحق فالعفو يسعهم.

وعنه قال: لا ينبغي للأمير الغضب لأن الغضب في القدرة مفتاح السيف والندامة.

وعنه قال: لا يتم أمر السلطان إلا بالوزراء والأعوان، ولا ينفع الوزراء والأعوان إلا بالمودة والنصيحة، ولا تنفع المودة والنصيحة إلا بالرأي والعفة.


مواقف من حياته

قيل كان زياد معظما للأحنف فلما ولي بعده ابنه عبيد الله تغير أمر الأحنف وقدم عليه من هو دونه ثم وفد على معاوية في الأشراف. فقال لعبيد الله: أدخلهم على قدر مراتبهم فأخر الأحنف. فلما رآه معاوية أكرمه لمكان سيادته وقال إلي يا أبا بحر وأجلسه معه وأعرض عنهم فأخذوا في شكر عبيد الله بن زياد وسكت الأحنف. فقال له لم لا تتكلم قال إن تكلمت خالفتهم. قال: اشهدوا أني قد عزلت عبيد الله فلما خرجوا كان فيهم من يروم الإمارة ثم أتوا معاوية بعد ثلاث وذكر كل واحد شخصا وتنازعوا. فقال معاوية: ما تقول يا أبا بحر قال إن وليت أحدا من أهل بيتك لم تجد مثل عبيد الله فقال قد أعدته قال فخلا معاوية بعبيد الله، وقال كيف ضيعت مثل هذا الرجل الذي عزلك وأعادك وهو ساكت فلما رجع عبيد الله جعل الأحنف صاحب سره.

عن أيوب عن محمد قال نبئت أن عمر ذكر بني تميم فذمهم فقام الأحنف فقال: يا أمير المؤمنين ائذن لي. قال تكلم قال إنك ذكرت بني تميم فعممتهم بالذم وإنما هم من الناس فيهم الصالح والطالح فقال صدقت فقام الحتات وكان يناوئه فقال يا أمير المؤمنين ائذن لي فأتكلم قال اجلس فقد كفاكم سيدكم الأحنف.

قال الشعبي وفد أبو موسى الأشعري وفدا من البصرة إلى عمر منهم الأحنف بن قيس فتكلم كل رجل في خاصة نفسه. وكان الأحنف في آخر القوم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد يا أمير المؤمنين فإن أهل مصر نزلوا منازل فرعون وأصحابه وإن أهل الشام نزلوا منازل قيصر وأصحابه وإن أهل الكوفة نزلوا منازل كسرى ومصانعه في الأنهار والجنان، وفي مثل عين البعير وكالحوار في السلى تأتيهم ثمارهم قبل أن تبلغ وإن أهل البصرة نزلوا في أرض سبخة زعقة نشاشة لا يجف ترابها ولا ينبت مرعاها وطرفها في بحرأجاج وطرف في فلاة لا يأتينا شيء إلا في مثل مريء النعامة فارفع خسيستنا وانعش وكيستنا، وزد في عيالنا عيالا وفي رجالنا رجالا، وصغر درهمنا وكبر قفيزنا ومر لنا بنهر نستعذب منه فقال عمر عجزتم أن تكونوا مثل هذا، هذا والله السيد قال فما زلت أسمعها بعد.

وفاته

مات الأحنف سنة 67هـ وقيل: مات في إمرة مصعب بن الزبير على العراق رحمه الله.

عن عبد الرحمن بن عمارة بن عقبة قال حضرت جنازة الأحنف بالكوفة فكنت فيمن نزل قبره فلما سويته رأيته قد فسح له مد بصري فأخبرت بذلك أصحابي فلم يروا ما رأيت.

قال أبو عمرو بن العلاء توفي الأحنف في دار عبيد الله بن أبي غضنفر فلما دلي في حفرته أقبلت بنت لأوس والسعدي وهي على راحلتها عجوز فوقفت عليه وقالت من الموافى به حفرته لوقت حمامه قيل لها الأحنف بن قيس قالت والله لئن كنتم سبقتمونا إلى الاستمتاع به في حياته لا تسبقونا إلى الثناء عليه بعد وفاته ثم قالت لله درك من مجن في جنن ومدرج في كفن وإنا لله وإنا إليه راجعون نسأل من ابتلانا بموتك وفجعنا بفقدك أن يوسع لك في قبرك وأن يغفر لك يوم حشرك أيها الناس إن أولياء الله في بلاده هم شهوده على عباده وإنا لقائلون حقا ومثنون صدقا وهو أهل لحسن الثناء أما والذي كنت من أجله في عدة ومن الحياة في مدة ومن المضمار إلى غاية ومن الآثار إلى نهاية الذي رفع عملك عند انقضاء أجلك لقد عشت مودودا حميدا ومت سعيدا فقيدا ولقد كنت عظيم الحلم فاضل السلم رفيع العماد واري الزناد منير الحريم سليم الأديم عظيم الرماد قريب البيت من الناد.

قال قرة بن خالد حدثنا أبو الضحاك انه أبصر مصعبا يمشي في جنازة الأحنف بغير رداء.

العفو عند المقدرة
07-12-2007, 20:49
(بسم الل)

هارون الرشيد الخليفة المفترى عليه

--------------------------------------------------------------------------------

الخليفة المفترى عليه

هو أكثر من تعرض تاريخه للتشويه والتزوير من خلفاء الإسلام، مع أنه من أكثر خلفاء الدولة العباسية جهادا وغزوا واهتماما بالعلم والعلماء، و بالرغم من هذا أشاعوا عنه الأكاذيب وأنه لاهم له سوى الجواري والخمر والسكر، ونسجوا في ذلك القصص الخرافية ومن هنا كان إنصاف هذا الخليفة واجب على كل مؤرخ مسلم.

ومن المؤرخين الذين أنصفوا الرشيد أحمد بن خلكان الذي قال عنه في كتابه وفيات الأعيان: "كان من أنبل الخلفاء وأحشم الملوك ذا حج وجهاد وغزو وشجاعة ورأي"

وكتب التاريخ مليئة بمواقف رائعة للرشيد في نصرة الحق وحب النصيحة وتقريب العلماء لا ينكرها إلا جاحد أو مزور، ويكفيه أنه عرف بالخليفة الذي يحج عاما ويغزو عاما.


نسبه ومولده

هو أبو جعفر هارون بن المهدي محمد بن المنصور أبي جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي العباسي، كان مولده بالري حين كان أبوه أميرا عليها وعلى خرا سان في سنة ثمان وأربعين ومائة وأمه أم ولد تسمى الخيزران وهى أم الهادي وفيها يقول مروان ابن أبى حفصة:

يا خيزران هناك ثم هناك *** أمسى يسوس العالمين ابناك

أغزاه أبوه بلاد الروم وهو حدث في خلافته.

توليه الخلافة

ولي الخلافة بعهد معقود له بعد الهادي من أبيهما المهدي في ليلة السبت السادس عشر من ربيع الأول سنة سبعين ومائة بعد الهادي، قال الصولي: هذه الليلة ولد له فيها عبد الله المأمون ولم يكن في سائر الزمان ليلة مات فيها خليفة وقام خليفة وولد خليفة إلا هذه الليلة وكان يكنى أبا موسى فتكنى بأبي جعفر.

وكان ذا فصاحة وعلم وبصر بأعباء الخلافة وله نظر جيد في الأدب والفقه، قيل إنه كان يصلي في خلافته في كل يوم مائة ركعة إلى أن مات لا يتركها إلا لعلة ويتصدق من صلب ماله كل يوم بألف درهم.. قال الثعالبي في اللطائف قال الصولي خلَّف الرشيد مائة ألف ألف دينار.

وكان يحب المديح ويجيز الشعراء ويقول الشعر، أسند عن معاوية بن صالح عن أبيه قال أول شعر قاله الرشيد أنه حج سنة ولى الخلافة فدخل دارا فإذا في صدر بيت منها بيت شعر قد كتب على حائط:

ألا أمير المؤمنين أما ترى *** فديتك هجران الحبيب كبيرا

فدعا بدواة وكتب تحته بخطه:

بلى والهدايا المشعرات وما *** مشى بمكة مرفوع الأظل حسيرا.

ولداود بن رزين الواسطى فيه:

بهارون لاح النور في كل بلدة *** وقام به في عدل سيـرته النهـج

إمـام بـذات الله أصبح شغله *** فأكثر ما يعنى بـه الغزو والحـج

تضيق عيون الخلق عن نور وجهه *** إذا ما بدا للناس منظره البلج

تفسحت الآمال في جود كفه *** فأعطى الذي يرجوه فوق الذي يرجو

وكان يقتفي آثار جده إلا في الحرص.

وقال محمد بن على الخرساني الرشيد أول خليفة لعب بالصوالجة والكرة ورمى النشاب في البرجاس و أول خليفة لعب بالشطرنج من بنى العباس.

قال الجاحظ اجتمع للرشيد ما لم يجتمع لغيره وزراؤه البرامكة وقاضيه القاضي أبو يوسف وشاعره مروان بن أبي حفصة ونديمه العباس بن محمد عم والده وحاجبه الفضل بن الربيع أتيه الناس ومغنيه إبراهيم الموصلي وزوجته زبيدة.

حبه للعلماء

وكان الرشيد يحب العلماء ويعظم حرمات الدين ويبغض الجدال والكلام، وقال القاضي الفاضل في بعض رسائله ما أعلم أن لملك رحلة قط في طلب العلم إلا للرشيد فإنه رحل بولديه الأمين والمأمون لسماع الموطأ على مالك رحمه الله.

ولما بلغه موت عبد الله ابن المبارك حزن عليه وجلس للعزاء فعزاه الأكابر.

قال أبو معاوية الضرير ما ذكرت النبي صلى الله عليه وسلم بين يدي الرشيد إلا قال صلى الله على سيدي ورويت له حديثه "وددت أني أقاتل في سبيل الله فأقتل ثم أحيى ثم أقتل فبكى حتى انتحب"

وعن خرزاذ العابد قال حدث أبو معاوية الرشيد بحديث احتج آدم وموسى فقال رجل شريف فأين لقيه فغضب الرشيد وقال النطع والسيف زنديق يطعن في الحديث فما زال أبو معاوية يسكنه ويقول بادرة منه يا أمير المؤمنين حتى سكن.

وعن أبي معاوية الضرير قال صب على يدي بعد الأكل شخص لا أعرفه فقال الرشيد تدري من يصب عليك قلت: لا. قال: أنا إجلالا للعلم.

وكان العلماء يبادلونه التقدير، روي عن الفضيل بن عياض أنه قال: ما من نفس تموت أشد علي موتا من أمير المؤمنين هارون ولوددت أن الله زاد من عمري في عمره، قال فكبر ذلك علينا فلما مات هارون وظهرت الفتن وكان من المأمون ما حمل الناس على القول بخلق القرآن قلنا الشيخ كان أعلم بما تكلم.


بكاؤه عند سماع الموعظة

قال منصور بن عمار: ما رأيت أغزر دمعا عند الذكر من ثلاثة الفضيل بن عياض والرشيد وآخر.

وقال عبيد الله القواريرى لما لقي الرشيد الفضيل قال له يا حسن الوجه أنت المسئول عن هذه الأمة. وتقطعت بهم الأسباب قال: الوصلة التي كانت بينهم في الدنيا فجعل هارون يبكى ويشهق.

روى أن ابن السماك دخل على الرشيد يوما فاستسقى فأتى بكوز فلما أخذه قال على رسلك يا أمير المؤمنين لو منعت هذه الشربة بكم كنت تشتريها قال بنصف ملكي قال اشرب هنأك الله تعالى فلما شربها قال أسألك لو منعت خروجها من بدنك بماذا كنت تشترى خروجها قال بجميع ملكي قال إن ملكا قيمته شربة ماء وبوله لجدير أن لا ينافس فيه فبكى هارون الرشيد بكاء شديدا.

وقال ابن الجوزي قال الرشيد لشيبان عظني قال لأن تصحب من يخوفك حتى يدركك الأمن خير لك من أن تصحب من يؤمنك حتى يدركك الخوف فقال الرشيد فسر لي هذا قال من يقول لك أنت مسئول عن الرعية فاتق الله أنصح لك ممن يقول أنتم أهل بيت مغفور لكم وأنتم قرابة نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم فبكى الرشيد حتى رحمه من حوله.


مواقف لا تنسى

في سنة سبع وثمانين ومائة جاء للرشيد كتاب من ملك الروم نقفور بنقض الهدنة التي كانت عقدت بين المسلمين وبين الملكة ريني ملكة الروم وصورة الكتاب [من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب أما بعد فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ وأقامت نفسها مقام البيذق فحملت إليك من أموالها أحمالا وذلك لضعف النساء وحمقهن فإذا قرأت كتابي فأردد ما حصل قبلك من أموالها وإلا فالسيف بيننا وبينك]

فلما قرأ الرشيد الكتاب استشاط غضبا حتى ما تمكن أحد أن ينظر إلى وجهه فضلاً أن يخاطبه وتفرق جلساؤه من الخوف واستعجم الرأي على الوزير فدعا الرشيد بدواة وكتب على ظهر كتابه بسم الله الرحمن الرحيم من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة والجواب ما تراه لا ما تسمعه ثم سار ليومه فلم يزل حتى نزل مدينة هرقل وكانت غزوة مشهورة وفتحا مبينا فطلب نقفور الموادعة والتزم بخراج يحمله كل سنة.

وأسند الصولى عن يعقوب بن جعفر قال خرج الرشيد في السنة التي ولى الخلافة فيها حتى غزا أطراف الروم وانصرف في شعبان فحج بالناس آخر السنة وفرق بالحرمين مالا كثيرا وكان رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في النوم فقال له إن هذا الأمر صائر إليك في هذا الشهر فاغز وحج ووسع على أهل الحرمين ففعل هذا كله.

وأخرج ابن عساكر عن ابن علية قال أخذ هارون الرشيد زنديقا فأمر بضرب عنقه فقال له الزنديق: لم تضرب عنقي قال له أريح العباد منك. قال فأين أنت من ألف حديث وضعتها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلها ما فيها حرف نطق به قال فأين أنت يا عدو الله من أبى إسحاق الفزارى وعبد الله بن المبارك ينخلانها فيخرجانها حرفا حرفا.

من أعماله في الخلافة

حج غير مرة وله فتوحات ومواقف مشهودة ومنها فتح مدينة هرقلة،قال المسعودي في "مروج الذهب": رام الرشيد أن يوصل ما بين بحر الروم وبحر القلزم مما يلي الفرما فقال له يحيى البرمكي كان يختطف الروم الناس من الحرم وتدخل مراكبهم إلى الحجاز.

وزر له يحيى بن خالد مدة وأحسن إلى العلوية وحج سنة 173 وعزل عن خراسان جعفر بن أشعث بولده العباس بن جعفر وحج أيضا في العام الآتي وعقد بولاية العهد لولده الأمين صغيرا فكان أقبح وهن تم في الإسلام وأرضى الأمراء بأموال عظيمة وتحرك عليه بأرض الديلم يحيى بن عبد الله بن حسن الحسيني وعظم أمره وبادر إليه الرافضة فتنكد عيش الرشيد واغتم وجهز له الفضل بن وزيره في خمسين ألفا فخارت قوى يحيى وطلب الأمان فأجابه ولاطفه ثم ظفر به وحبسه ثم تعلل ومات ويقال ناله من الرشيد أربعمائة ألف دينار.

وفي سنة 175هـ ولى خراسان الغطريف بن عطاء وولى مصر جعفرا البرمكي واشتدت الحرب بين القيسية واليمانية بالشام ونشأت بينهم أحقاد وإحن.

وغزا الفضل بن يحي البرمكي بجيش عظيم ما وراء النهر ومهد الممالك وكان بطلا شجاعا جوادا ربما وصل الواحد بألف ألف وولي بعده خراسان منصور الحميري وعظم الخطب بابن طريف ثم سار لحربه يزيد بن مزيد الشيباني وتحيل عليه حتى بيته وقتله ومزق جموعه.

وفي سنة 179هـ اعتمر الرشيد في رمضان واستمر على إحرامه إلى أن حج ماشيا من بطن مكة.وغزا الرشيد وتوغل في أرض الروم فافتتح الصفصاف وبلغ جيشه أنقرة. ثم حج سنة ست وثمانين الرشيد بولديه الأمين والمأمون وأغنى أهل الحرمين.

ثم حدثت نكبة البرامكة إذ قتل الرشيد جعفر بن يحيى البرمكي وسجن أباه وأقاربه بعد أن كانوا قد بلغوا رتبة لا مزيد عليها.

وفي العام نفسه انتقض الصلح مع الروم وملكوا عليهم نقفور فيقال إنه من ذرية جفنة الغساني وبعث يتهدد الرشيد فاستشاط غضبا وسار في جيوشه حتى نازله هرقلة وذلت الروم وكانت غزوة مشهودة، ثم كانت الملحمة العظمى وقتل من الروم عدد كثير وجرح النقفور ثلاث جراحات وتم الفداء حتى لم يبق في أيدي الروم أسير.وبعث إليه نقفور بالجزية ثلاثمائة ألف دينار.

وفي سنة ست وسبعين ومائة فتحت مدينة دبسة على يد الأمير عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح العباسى

وفي سنة تسع وسبعين ومائة اعتمر الرشيد في رمضان ودام على إحرامه إلى أن حج ومشى من مكة إلى عرفات وفي سنة ثمانين كانت الزلزلة العظمى وسقط منها رأس منارة الإسكندرية وفي سنة إحدى وثمانين فتح حصن الصفصاف عنوة وهو الفاتح له وفي سنة ثلاث وثمانين خرج الخزر على أرمينية فأوقعوا بأهل الإسلام وسفكوا وسبوا أزيد من مائة ألف نسمة وجرى على الإسلام أمر عظيم لم يسمع قبله مثله.

وفاة الرشيد

مات الرشيد في الغزو بطوس من خراسان ودفن بها في ثالث من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة وله خمس وأربعون سنة وصلى عليه ابنه الصالح قال الصولى خلف الرشيد مائة ألف ألف دينار ومن الأثاث والجواهر والورق والدواب ما قيمته ألف ألف دينار وخمسة وعشرون ألف دينار.



وقيل إن الرشيد رأى مناما أنه يموت بطوس فبكى وقال احفروا لي قبرا فحفر له ثم حمل في قبة على جمل وسيق به حتى نظر إلى القبر فقال يا ابن آدم تصير إلى هذا وأمر قوما فنزلوا فختموا فيه ختما وهو في محفة على شفير القبر ولما مات بويع لوالده الأمين في العسكر وهو حينئذ ببغداد فأتاه الخبر فصلى الناس الجمعة وخطب ونعى الرشيد إلى الناس وبايعوه.


ولأبى الشيص يرثى الرشيد:

غربت في الشرق شمس فلها عيني تدمع

مـا رأينا قط شمسا غربت من حيث تطلع

وقال أبو النواس:

جـامـع بيـن العـزاء والهناء جترت جـوار بالسعـد والنحـس

فنحن في مأتم وفي عرس القلب ضاحكة فنحن في وحشة وفي أنس

يضـحكنـا القـائـم الأميـن ويبــكينـا وفـاة الإمـام بالأمـس

بدران بدر أضحى ببغداد في الخــلد وبدر بطـوس فـي الرمـس

ــــــــــــــ

المصادر:

(1) وفيات الأعيان لابن خلكان.

(2) البداية والنهاية لابن كثير.

(3) تاريخ الخلفاء للسيوطي.


يتبع قريباا باذن الله ....

العفو عند المقدرة
07-12-2007, 21:30
(بسم الل)

صلاح الدين الأيوبي

--------------------------------------------------------------------------------

فارس نبيل وبطل شجاع

عرف في كتب التاريخ في الشرق والغرب بأنه فارس نبيل وبطل شجاع وقائد من أفضل من عرفتهم البشرية وشهد بأخلاقه أعداؤه من الصليبيين قبل أصدقائه وكاتبوا سيرته، إنه نموذج فذ لشخصية عملاقة من صنع الإسلام، إنه البطل صلاح الدين الأيوبي محرر القدس من الصليبيين وبطل معركة حطين.

فإلى سيرته ومواقف من حياته كما يرويها صاحب وفيات الأعيان أحمد بن خلكان، والقاضي بهاء الدين بن شداد صاحب كتاب "سيرة صلاح الدين" وبن الأثير في كتابه "الكامل".


نسبه ونشأته

هو أبو المظفر يوسف بن أيوب بن شاذي الملقب بالملك الناصر صلاح الدين.

اتفق أهل التاريخ على أن أباه وأهله من (دوين) وهي بلدة في آخر أذربيجان وأنهم أكراد روادية، والروادية بطن من الهذبانية، وهي قبيلة كبيرة من الأكراد.

يقول أحمد بن خلكان: قال لي رجل فقيه عارف بما يقول وهو من أهل دوين إن على باب دوين قرية يقال لها (أجدانقان) وجميع أهلها أكراد روادية وكان شاذي ـ جد صلاح الدين ـ قد أخذ ولديه أسد الدين شيركوه ونجم الدين أيوب وخرج بهما إلى بغداد ومن هناك نزلوا تكريت ومات شاذي بها وعلى قبره قبة داخل البلد.

ولد صلاح الدين سنة 532هـ بقلعة تكريت لما كان أبوه وعمه بها والظاهر أنهم ما أقاموا بها بعد ولادة صلاح الدين إلا مدة يسيرة، ولكنهم خرجوا من تكريت في بقية سنة 532هـ التي ولد فيها صلاح الدين أو في سنة ثلاث وثلاثين لأنهما أقاما عند عماد الدين زنكي بالموصل ثم لما حاصر دمشق وبعدها بعلبك وأخذها رتب فيها نجم الدين أيوب وذلك في أوائل سنة أربع وثلاثين.

يقول بن خلكان: أخبرني بعض أهل بيتهم وقد سألته هل تعرف متى خرجوا من تكريت فقال سمعت جماعة من أهلنا يقولون إنهم أخرجوا منها في الليلة التي ولد فيها صلاح الدين فتشاءموا به وتطيروا منه فقال بعضهم لعل فيه الخيرة وما تعلمون فكان كما قال والله أعلم.

ولم يزل صلاح الدين تحت كنف أبيه حتى ترعرع ولما ملك نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي دمشق لازم نجم الدين أيوب خدمته وكذلك ولده صلاح الدين وكانت مخايل السعادة عليه لائحة والنجابة تقدمه من حالة إلى حالة ونور الدين يرى له ويؤثره ومنه تعلم صلاح الدين طرائق الخير وفعل المعروف والاجتهاد في أمور الجهاد.

صلاح الدين في مصر

هرب الوزير الفاطمي شاور من مصر من الوزير ضرغام بن عامر بن سوار الملقب فارس المسلمين اللخمي المنذري لما استولى على الدولة المصرية وقهره وأخذ مكانه في الوزارة كعادتهم في ذلك وقتل ولده الأكبر طي بن شاور فتوجه شاور إلى الشام مستغيثا بالملك العادل نور الدين بن زنكي وذلك في شهر رمضان 558هـ ودخل دمشق في الثالث والعشرين من ذي القعدة من السنة نفسها فوجه نور الدين معه الأمير أسد الدين شيركوه بن شاذي في جماعة من عسكره كان صلاح الدين في جملتهم في خدمة عمه وهو كاره للسفر معهم وكان لنور الدين في إرسال هذا الجيش هدفان:

أحدهما: قضاء حق شاور لكونه قصده ودخل عليه مستصرخا.

والثاني: أنه أراد استعلام أحوال مصر فإنه كان يبلغه أنها ضعيفة من جهة الجند وأحوالها في غاية الاختلال فقصد الكشف عن حقيقة ذلك.

وكان كثير الاعتماد على شيركوه لشجاعته ومعرفته وأمانته فانتدبه لذلك وجعل أسد الدين شيركوه ابن أخيه صلاح الدين مقدم عسكره وشاور معهم فخرجوا من دمشق في جمادى الأولى سنة 559هـ فدخلوا مصر واستولوا على الأمر في رجب من السنة نفسها.

ولما وصل أسد الدين وشاور إلى الديار المصرية واستولوا عليها وقتلوا الضرغام وحصل لشاور مقصودة وعاد إلى منصبه وتمهدت قواعده واستمرت أموره غدر بأسد الدين شيركوه واستنجد بالإفرنج عليه فحاصروه في بلبيس، وكان أسد الدين قد شاهد البلاد وعرف أحوالها وأنها مملكة بغير رجال تمشي الأمور فيها بمجرد الإيهام والمحال فطمع فيها وعاد إلى الشام، وأقام أسد الدين بالشام مدة مفكرا في تدبير عودته إلى مصر محدثا نفسه بالملك لها مقررا قواعد ذلك مع نور الدين إلى سنة 562هـ

وبلغ نور الدين وأسد الدين مكاتبة الوزير الخائن شاور للفرنج وما تقرر بينهم فخافا على مصر أن يملكوها ويملكوا بطريقها جميع البلاد فتجهز أسد الدين وأنفذ معه نور الدين العساكر وصلاح الدين في خدمة عمه أسد الدين، وكان وصول أسد الدين إلى البلاد مقارنا لوصول الإفرنج إليها واتفق شاور والمصريون بأسرهم والإفرنج على أسد الدين وجرت حروب كثيرة.

وتوجه صلاح الدين إلى الإسكندرية فاحتمى بها وحاصره الوزير شاور في جمادى الآخرة من سنة 562هـ ثم عاد أسد الدين من جهة الصعيد إلى بلبيس وتم الصلح بينه وبين المصريين وسيروا له صلاح الدين فساروا إلى الشام.

ثم إن أسد الدين عاد إلى مصر مرة ثالثة وكان سبب ذلك أن الإفرنج جمعوا فارسهم وراجلهم وخرجوا يريدون مصر ناكثين العهود مع المصريين وأسد الدين طمعا في البلاد فلما بلغ ذلك أسد الدين ونور الدين لم يسعهما الصبر فسارعا إلى مصر أما نور الدين فبالمال والرجال ولم يمكنه المسير بنفسه خوفا على البلاد من الإفرنج، وأما أسد الدين فبنفسه وماله وإخوته وأهله ورجاله

يقول بن شداد: لقد قال لي السلطان صلاح الدين قدس الله روحه كنت أكره الناس للخروج في هذه الدفعة وما خرجت مع عمي باختياري وهذا معنى قوله تعالى {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم} (البقرة:216)

وكان شاور لما أحس بخروج الإفرنج إلى مصر سير إلى أسد الدين يستصرخه ويستنجده فخرج مسرعا وكان وصوله إلى مصر في شهر ربيع الأول سنة 564هـ ولما علم الإفرنج بوصول أسد الدين إلى مصر على اتفاق بينه وبين أهلها رحلوا راجعين على أعقابهم ناكصين وأقام أسد الدين بها يتردد إليه شاور في الأحيان وكان وعدهم بمال في مقابل ما خسروه من النفقة فلم يوصل إليهم شيئا وعلم أسد الدين أن شاور يلعب به تارة وبالإفرنج أخرى،وتحقق أنه لا سبيل إلى الاستيلاء على البلاد مع بقاء شاور فأجمع رأيه على القبض عليه إذا خرج إليه، فقتله وأصبح أسد الدين وزيرا وذلك في سابع عشر ربيع الأول سنة 564هـ ودام آمرا وناهيا و صلاح الدين يباشر الأمور مقرراً لها لمكان كفايته ودرايته وحسن رأيه وسياسته إلى الثاني والعشرين من جمادى الآخرة من السنة نفسها فمات أسد الدين.

وذكر المؤرخون أن أسد الدين لما مات استقرت الأمور بعده للسلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب فبذل الأموال وملك قلوب الرجال وهانت عنده الدنيا فملكها وشكر نعمة الله تعالى عليه، وأعرض عن أسباب اللهو وتقمص بقميص الجد والاجتهاد، استعدادا لمواجهات مستمرة مع الصليبيين من جهة ومع خزعبلات الدولة الفاطمية من جهة أخرى.


هجوم الإفرنج على مصر

ولما علم الإفرنج استقرار الأمر بمصر لصلاح الدين علموا أنه يملك بلادهم ويخرب ديارهم ويقلع آثارهم لما حدث له من القوة والملك واجتمع الإفرنج والروم جميعا وقصدوا الديار المصرية فقصدوا دمياط ومعهم آلات الحصار وما يحتاجون إليه من العدد، ولما رأى نور الدين ظهور الإفرنج ونزولهم على دمياط قصد شغلهم عنها فنزل على الكرك محاصرا لها، فقصده فرنج الساحل فرحل عنها وقصد لقاءهم فلم يقفوا له.

ولما بلغ صلاح الدين قصد الإفرنج دمياط استعد لهم بتجهيز الرجال وجمع الآلات إليها ووعدهم بالإمداد بالرجال إن نزلوا عليهم وبالغ في العطايا والهبات وكان وزيرا متحكما لا يرد أمره في شيء ثم نزل الإفرنج عليها واشتد زحفهم وقتالهم عليها وهو يشن عليهم الغارات من خارج والعسكر يقاتلهم من داخل ونصر الله تعالى المسلمين به وبحسن تدبيره فرحلوا عنها خائبين فأحرقت مناجيقهم ونهبت آلاتهم وقتل من رجالهم عدد كبير.

تأسيس الدولة الأيوبية

واستقرت الأمور لصلاح الدين ونقل أسرته ووالده نجم الدين أيوب إليها ليتم له السرور وتكون قصته مشابهة لقصة يوسف الصديق عليه السلام، ولم يزل صلاح الدين وزيرا حتى مات العاضد آخر الخلفاء الفاطميين 565هـ وبذلك انتهت الدولة الفاطمية وبدأت دولة بني أيوب (الدولة الأيوبية).

ولقب صلاح الدين بالملك الناصر وعاد إلى دار أسد الدين فأقام بها، وثبت قدم صلاح الدين ورسخ ملكه.

وأرسل صلاح الدين يطلب من نور الدين أن يرسل إليه إخوته فلم يجبه إلى ذلك وقال أخاف أن يخالف أحد منهم عليك فتفسد البلاد، ثم إن الإفرنج اجتمعوا ليسيروا إلى مصر فسير نور الدين العساكر وفيهم إخوة صلاح الدين منهم شمس الدولة توران شاه بن أيوب، وهو أكبر من صلاح الدين.

و ذكر ابن الأثير ما حدث من الوحشة بين نور الدين وصلاح الدين باطنا فقال: وفي سنة 567هـ حدث ما أوجب نفرة نور الدين عن صلاح الدين وكان الحادث أن نور الدين أرسل إلى صلاح الدين يأمره بجمع العساكر المصرية والمسير بها إلى بلد الإفرنج والنزول على الكرك ومحاصرته ليجمع هو أيضا عساكره ويسير إليه ويجتمعا هناك على حرب الإفرنج والاستيلاء على بلادهم فبرز صلاح الدين من القاهرة في العشرين من المحرم وكتب إلى نور الدين يعرفه أن رحيله لا يتأخر وكان نور الدين قد جمع عساكره وتجهز وأقام ينتظر ورود الخبر من صلاح الدين برحيله ليرحل هو فلما أتاه الخبر بذلك رحل من دمشق عازما على قصد الكرك فوصل إليه وأقام ينتظر وصول صلاح الدين إليه فأرسل كتابه يعتذر فيه عن الوصول باختلال البلاد المصرية لأمور بلغته عن بعض شيعة العلويين وأنهم عازمون على الوثوب بها وأنه يخاف عليها مع البعد عنها فعاد إليها فلم يقبل نور الدين عذره، وكان سبب تقاعده أن أصحابه وخواصه خوفوه من الاجتماع بنور الدين فحيث لم يمتثل أمر نور الدين شق ذلك عليه وعظم عنده وعزم على الدخول إلى مصر وإخراج صلاح الدين عنها.

ووصل الخبر إلى صلاح الدين فجمع أهله وفيهم والده نجم الدين أيوب وخاله شهاب الدين الحارمي ومعهم سائر الأمراء وأعلمهم ما بلغه عن عزم نور الدين على قصده وأخذ مصر منه واستشارهم فلم يجبه أحد منهم بشيء فقام تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين وقال إذا جاء قاتلناه وصددناه عن البلاد ووافقه غيره من أهله فشتمهم نجم الدين أيوب وأنكر ذلك واستعظمه وكان ذا رأي ومكر وعقل وقال لتقي الدين اقعد وسبه وقال لصلاح الدين أنا أبوك وهذا شهاب الدين خالك أتظن أن في هؤلاء كلهم من يحبك ويريد لك الخير مثلنا فقال لا فقال والله لو رأيت أنا وهذا خالك شهاب الدين نور الدين لم يمكنا إلا أن نترجل له ونقبل الأرض بين يديه ولو أمرنا أن نضرب عنقك بالسيف لفعلنا فإذا كنا نحن هكذا كيف يكون غيرنا وكل من تراه من الأمراء والعساكر لو رأى نور الدين وحده لم يتجاسر على الثبات على سرجه ولا وسعه إلا النزول وتقبيل الأرض بين يديه وهذه البلاد له وقد أقامك فيها وإن أراد عزلك فأي حاجة له إلى المجيء يأمرك بكتاب مع نجاب حتى تقصد خدمته ويولي بلاده من يريد وقال للجماعة كلهم قوموا عنا ونحن مماليك نور الدين وعبيده يفعل بنا ما يريد فتفرقوا على هذا وكتب أكثرهم إلى نور الدين بالخبر.

ولما خلا أيوب بابنه صلاح الدين قال له أنت جاهل قليل المعرفة تجمع هذا الجمع الكثير وتطلعهم على ما في نفسك فإذا سمع نور الدين أنك عازم على منعه عن البلاد جعلك أهم الأمور إليه وأولاها بالقصد ولو قصدك لم تر معك أحدا من هذا العسكر وكانوا أسلموك إليه وأما الآن بعد هذا المجلس فسيكتبون إليه ويعرفونه قولي وتكتب أنت إليه وترسل في المعنى وتقول أي حاجة إلى قصدي يجبي نجاب يأخذني بحبل يضعه في عنقي فهو إذا سمع هذا عدل عن قصدك واستعمل ما هو أهم عنده والأيام تندرج والله في كل وقت في شأن والله لو أراد نور الدين قصبة من قصب سكرنا لقاتلته أنا عليها حتى أمنعه أو أقتل ففعل صلاح الدين ما أشار به والده فلما رأى نور الدين الأمر هكذا عدل عن قصده وكان الأمر كما قال نجم الدين أيوب وتوفي نور الدين ولم يقصده وهذا كان من أحسن الآراء وأجودها.


توسع الدولة الأيوبية

قال ابن شداد: لم يزل صلاح الدين على قدم بسط العدل ونشر الإحسان وإفاضة الإنعام على الناس إلى سنة 568هـ فعند ذلك خرج بالعسكر يريد بلاد الكرك والشوبك وإنما بدأ بها لأنها كانت أقرب إليه وكانت في الطريق تمنع من يقصد الديار المصرية وكان لا يمكن أن تعبر قافلة حتى يخرج هو بنفسه يعبرها فأراد توسيع الطريق وتسهيلها فحاصرها في هذه السنة وجرى بينه وبين الإفرنج وقعات وعاد ولم يظفر منها بشيء ولما عاد بلغه خبر وفاة والده نجم الدين أيوب قبل وصوله إليه.

ولما كانت سنة 569هـ رأى قوة عسكره وكثرة عدده وكان بلغه أن باليمن إنسانا استولى عليها وملك حصونها يسمى عبد النبي بن مهدي فسير أخاه توران شاه فقتله وأخذ البلاد منه وبلغ صلاح الدين أن إنسانا يقال له الكنز جمع بأسوان خلقا عظيما من السودان وزعم أنه يعيد الدولة المصرية وكان أهل مصر يؤثرون عودهم فانضافوا إلى الكنز، فجهز صلاح الدين إليه جيشا كثيفا وجعل مقدمه أخاه الملك العادل وساروا فالتقوا وهزموهم وذلك في السابع من صفر سنة 570هـ.

وكان نور الدين رحمه الله قد خلف ولده الملك الصالح إسماعيل وكان بدمشق عند وفاة أبيه ثم إن صلاح الدين بعد وفاة نور الدين علم أن ولده الملك الصالح صبي لا يستقل بالأمر ولا ينهض بأعباء الملك واختلفت الأحوال بالشام وكاتب شمس الدين ابن المقدم صلاح الدين فتجهز من مصر في جيش كثيف وترك بها من يحفظها وقصد دمشق مظهرا أنه يتولى مصالح الملك الصالح فدخلها في سنة 570هـ وتسلم قلعتها وكان أول دخوله دار أبيه، وهي الدار المعروفة بالشريف العقيقي، واجتمع الناس إليه وفرحوا به وأنفق في ذلك اليوم مالا جليلا وأظهر السرور بالدمشقيين وصعد القلعة وسار إلى حلب فنازل حمص وأخذ مدينتها في جمادى الأولى من السنة نفسها ولم يشتغل بقلعتها وتوجه إلى حلب ونازلها في يوم الجمعة آخر جمادى الأولى من السنة وهي المعركة الأولى.

ولما أحس سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي صاحب الموصل بما جرى علم أن صلاح الدين قد استفحل أمره وعظم شأنه وخاف إن غفل عنه استحوذ على البلاد واستقرت قدمه في الملك وتعدى الأمر إليه فأنفذ عسكرا وافرا وجيشا عظيما وقدم عليه أخاه عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود وساروا يريدون لقاءه ليردوه عن البلاد فلما بلغ صلاح الدين ذلك رحل عن حلب في مستهل رجب من السنة عائدا إلى حماة ورجع إلى حمص فأخذ قلعتها ووصل عز الدين مسعود إلى حلب وأخذ معه عسكر ابن عمه الملك الصالح بن نور الدين صاحب حلب يومئذ وخرجوا في جمع عظيم فلما عرف صلاح الدين بمسيرهم سار حتى وافاهم على قرون حماة وراسلهم وراسلوه واجتهد أن يصالحوه فما صالحوه ورأوا أن ضرب المصاف معه ربما نالوا به غرضهم والقضاء يجر إلى أمور وهم بها لا يشعرون فتلاقوا فقضى الله تعالى أن هزموا بين يديه وأسر جماعة منهم فمن عليهم وذلك في تاسع شهر رمضان من سنة570 هـ عند قرون حماة ثم سار عقيب هزيمتهم ونزل على حلب وهي الدفعة الثانية فصالحوه على أخذ المعرة وكفر طاب وبارين ولما جرت هذه المعركة كان سيف الدين غازي يحاصر أخاه عماد الدين زنكي صاحب سنجار وعزم على أخذها منه لأنه كان قد انتمى إلى صلاح الدين وكان قد قارب أخذها فلما بلغه الخبر وأن عسكره انكسر خاف أن يبلغ أخاه عماد الدين الخبر فيشتد أمره ويقوى جأشه فراسله وصالحه ثم سار من وقته إلى نصيبين واهتم بجمع العساكر والإنفاق فيها وسار إلى البيرة وعبر الفرات وخيم على الجانب الشامي وراسل ابن عمه الصالح بن نور الدين صاحب حلب حتى تستقر له قاعدة يصل عليها ثم إنه وصل إلى حلب وخرج الملك الصالح إلى لقائه أقام على حلب مدة.

المواجهة مع الإفرنجة

في سنة 572هـ اسقرت الأمور بمصر والشام للدولة الأيوبية، وكان أخو صلاح الدين شمس الدولة توران شاه قد وصل إليه من اليمن فاستخلفه بدمشق ثم تأهب للغزاة من الإفرنجة، فخرج يطلب الساحل حتى وافى الإفرنج على الرملة وذلك في أوائل جمادى الأولى سنة 573هـ وكانت الهزيمة على المسلمين في ذلك اليوم، فلما انهزموا لم يكن لهم حصن قريب يأوون إليه فطلبوا جهة الديار المصرية وضلوا في الطريق وتبددوا وأسر منهم جماعة منهم الفقيه عيسى الهكاري وكان ذلك وهنا عظيما جبره الله تعالى بمعركة حطين المشهورة.

أقام صلاح الدين بمصر حتى لم شعثه وشعث أصحابه من أثر هزيمة الرملة ثم بلغه تخبط الشام فعزم على العود إليه واهتم بالغزاة فوصله رسول "قليج أرسلان" صاحب الروم يلتمس الصلح ويتضرر من الأرمن فعزم على قصد بلاد ابن لاون ـ وهي بلاد سيس الفاصلة بين حلب والروم من جهة الساحل ـ لينصر قليج أرسلان عليه فتوجه إليه واستدعى عسكر حلب لأنه كان في الصلح أنه متى استدعاه حضر إليه ودخل بلد ابن لاون وأخذ في طريقه حصنا و أخربه ورغبوا إليه في الصلح فصالحهم ورجع عنهم ثم سأله قليج أرسلان في صلح الشرقيين بأسرهم فأجاب إلى ذلك وحلف صلاح الدين في عاشر جمادى الأولى سنة ست وسبعين وخمسمائة ودخل في الصلح قليج أرسلان والمواصلة وعاد بعد تمام الصلح إلى دمشق ثم منها إلى مصر.

معركة حطين

كانت معركة حطين المباركة على المسلمين في يوم السبت 14 ربيع الآخر سنة 583هـ في وسط نهار الجمعة وكان صلاح الدين كثيرا ما يقصد لقاء العدو في يوم الجمعة عند الصلاة تبركا بدعاء المسلمين والخطباء على المنابر فسار في ذلك الوقت بمن اجتمع له من العساكر الإسلامية وكانت تجاوز العد والحصر على تعبئة حسنة وهيئة جميلة وكان قد بلغه عن العدو أنه اجتمع في عدة كثيرة بمرج صفورية بعكا عندما بلغهم اجتماع الجيوش الإسلامية فسار ونزل على بحيرة طبرية ثم رحل ونزل على طبرية على سطح الجبل ينتظر هجوم الصليبيين عليه إذا بلغهم نزوله بالموضع المذكور فلم يتحركوا ولا خرجوا من منزلهم وكان نزولهم يوم الأربعاء 21ربيع الآخر فلما رآهم لا يتحركون نزل على طبرية وهاجمها وأخذها في ساعة واحدة وبقيت القلعة محتمية بمن فيها ولما بلغ العدو ما جرى على طبرية قلقوا لذلك ورحلوا نحوها فبلغ السلطان ذلك فترك على طبرية من يحاصر قلعتها ولحق بالعسكر فالتقى بالعدو على سطح جبل طبرية الغربي منها وذلك في يوم الخميس 22 ربيع الآخر وحال الليل بين المعسكرين قياما على مصاف إلى بكرة يوم الجمعة فركب الجيشان وتصادما والتحم القتال واشتد الأمر وذلك بأرض قرية تعرف بلوبيا وضاق الخناق بالعدو وهم سائرون كأنهم يساقون إلى الموت وهم ينظرون وقد أيقنوا بالويل والثبور وأحست نفوسهم أنهم في غد يومهم ذلك من زوار القبور ولم تزل الحرب تضطرم والفارس مع قرنه يصطدم ولم يبق إلا الظفر ووقع الوبال على من كفر فحال بينهم الليل بظلامه وبات كل واحد من الفريقين في سلاحه إلى صبيحة يوم السبت فطلب كل من الفريقين مقامه وتحقق المسلمون أن من ورائهم الأردن ومن بين أيديهم بلاد العدو وأنهم لا ينجيهم إلا الاجتهاد في الجهاد فحملت جيوش المسلمين من جميع الجوانب وحمل القلب وصاحوا صيحة رجل واحد فألقى الله الرعب في قلوب الكافرين وكان حقا عليه نصر المؤمنين ولما أحس القوم بالخذلان هرب منهم في أوائل الأمر وقصد جهة صور وتبعه جماعة من المسلمين فنجا منهم وكفى الله شره وأحاط المسلمون بالصليبيين من كل جانب وأطلقوا عليهم السهام وحكموا فيهم السيوف وسقوهم كأس الحمام وانهزمت طائفة منهم فتبعها أبطال المسلمين فلم ينج منها أحد واعتصمت طائفة منهم بتل يقال له تل حطين وهي قرية عندها قبر النبي شعيب عليه السلام فضايقهم المسلمون وأشعلوا حولهم النيران واشتد بهم العطش وضاق بهم الأمر حتى كانوا يستسلمون للأمر خوفا من القتل لما مر بهم فأسر مقدموهم وقتل الباقون.

وكان ممن سلم من مقدميهم الملك جفري وأخوه والبرنس أرناط صاحب الكرك والشوبك وابن الهنفري وابن صاحبة طبرية ومقدم الديوية وصاحب جبيل ومقدم الأسبتار.

قال ابن شداد: ولقد حكي لي من أثق به أنه رأى بحوران شخصا واحدا معه نيف وثلاثون أسيرا قد ربطهم بوتد خيمة لما وقع عليهم من الخذلان.

وأما أرناط فان صلاح الدين كان قد نذر أنه إن ظفر به قتله وذلك لأنه كان قد عبر به عند الشوبك قوم من مصر في حال الصلح فغدر بهم وقتلهم فناشدوه الصلح الذي بينه وبين المسلمين فقال ما يتضمن الاستخفاف بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وبلغ السلطان فحملته حميته ودينه على أن يهدر دمه.


من مواقف صلاح الدين

لما فتح الله تعالى عليه بنصره في حطين جلس صلاح الدين في دهليز الخيمة لأنها لم تكن نصبت بعد وعرضت عليه الأسارى وسار الناس يتقربون إليه بمن في أيديهم منهم وهو فرح بما فتح الله تعالى على يده للمسلمين ونصبت له الخيمة فجلس فيها شاكرا لله تعالى على ما أنعم به عليه واستحضر الملك جفري وأخاه و أرناط وناول السلطان جفري شربة من جلاب وثلج فشرب منها وكان على أشد حال من العطش ثم ناولها لأرناط وقال السلطان للترجمان قل للملك أنت الذي سقيته وإلا أنا فما سقيته وكان من جميل عادة العرب وكريم أخلاقهم أن الأسير إذا أكل أو شرب من مال من أسره أمن فقصد السلطان بقوله ذلك ثم أمر بمسيرهم إلى موضع عينه لهم فمضوا بهم إليه فأكلوا شيئا ثم عادوا بهم ولم يبق عنده سوى بعض الخدم فاستحضرهم وأقعد الملك في دهليز الخيمة.

وأحضر صلاح الدين أرناط وأوقفه بين يديه وقال له: ها أنا أنتصر لمحمد منك ثم عرض عليه الإسلام فلم يفعل فسل سيفه فضربه بها فحل كتفه وتمم قتله من حضر وأخرجت جثته ورميت على باب الخيمة،فلما رآه الملك على تلك الحال لم يشك في أنه يلحقه به فاستحضره وطيب قلبه وقال له لم تجر عادة الملوك أن يقتلوا الملوك وأما هذا فإنه تجاوز الحد وتجرأ على الأنبياء صلوات الله عليهم وبات الناس في تلك الليلة على أتم سرور ترتفع أصواتهم بحمد الله وشكره وتهليله وتكبيره حتى طلع الفجر ثم نزل السلطان على طبرية يوم الأحد الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر وتسلم قلعتها في ذلك النهار وأقام عليها إلى يوم الثلاثاء.


تحرير عكا وما حولها

ورحل صلاح الدين طالبا عكا فكان نزوله عليها يوم الأربعاء وقاتل الصليبيين بها بكرة يوم الخميس مستهل جمادى الأولى سنة 583هـ فأخذها واستنقذ من كان بها من أسارى المسلمين وكانوا أكثر من أربعة آلاف نفس واستولى على ما فيها من الأموال والذخائر والبضائع لأنها كانت مظنة التجار وتفرقت العساكر في بلاد الساحل يأخذون الحصون والقلاع والأماكن المنيعة فأخذوا نابلس وحيفا وقيسارية وصفورية والناصرة وكان ذلك لخلوها من الرجال لأن القتل والأسر أفنى كثيرا منهم ولما استقرت قواعد عكا وقسم أموالها وأساراها سار يطلب تبنين فنزل عليها يوم الأحد حادي عشر جمادى الأولى وهي قلعة منيعة فنصب عليها المناجيق وضيق بالزحف خناق من فيها، فقاتلوا قتالا شديدا ونصره الله سبحانه عليهم فتسلمها منهم يوم الأحد ثامن عشرة عنوة وأسر من بقي فيها بعد القتل ثم رحل عنها إلى صيدا فنزل عليها وتسلمها في غد يوم نزوله عليها وهو يوم الأربعاء العشرون من جمادى الأولى وأقام عليها ريثما قرر قواعدها وسار حتى أتى بيروت فنازلها ليلة الخميس الثاني والعشرين من جمادى الأولى وركب عليها المجانيق وداوم الزحف والقتال حتى أخذها في يوم الخميس التاسع والعشرين من الشهر المذكور وتسلم أصحابه جبيل وهو على بيروت، ولما فرغ من هذا الجانب رأى أن قصده عسقلان أولى لأنها أيسر من صور فأتى عسقلان ونزل عليها يوم الأحد السادس عشر من جمادى الآخرة من السنة وتسلم في طريقه إليها مواضع كثيرة كالرملة والداروم وأقام في عسقلان المناجيق وقاتلها قتالا شديدا وتسلمها في يوم السبت نهاية جمادى الآخرة من السنة وأقام عليها إلى أن تسلم أصحابه غزة وبيت جبريل والنطرون بغير قتال وكان بين فتح عسقلان وأخذ الإفرنج لها من المسلمين خمس وثلاثون سنة فإنهم كانوا أخذوها من المسلمين في السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة 548هـ.

العفو عند المقدرة
07-12-2007, 21:31
(بسم الل)



تابع صلاح الدين

--------------------------------------------------------------------------------

تحرير القدس

قال ابن شداد: لما تسلم صلاح الدين عسقلان والأماكن المحيطة بالقدس شمر عن ساق الجد والاجتهاد في قصد القدس المبارك واجتمعت إليه العساكر التي كانت متفرقة في الساحل فسار نحوه معتمدا على الله تعالى مفوضا أمره إليه منتهزا الفرصة في فتح باب الخير الذي حث على انتهازه بقوله من فتح له باب خير فلينتهزه فإنه لا يعلم متى يغلق دونه وكان نزوله عليه في يوم الأحد الخامس عشر من رجب سنة 583هـ وكان نزوله بالجانب الغربي وكان معه من كان مشحونا بالمقاتلة من الخيالة والرجالة وحزر أهل الخبرة ممن كان معه من كان فيه من المقاتلة فكانوا يزيدون على ستين ألفا خارجا عن النساء والصبيان ثم انتقل لمصلحة رآها إلى الجانب الشمالي في يوم الجمعة العشرين من رجب ونصب المناجيق وضايق البلد بالزحف والقتال حتى أخذ النقب في السور مما يلي وادي جهنم ولما رأى أعداء الله الصليبيون ما نزل بهم من الأمر الذي لا مدفع له عنهم وظهرت لهم إمارات فتح المدينة وظهور المسلمين عليهم وكان قد اشتد روعهم لما جرى على أبطالهم وحماتهم من القتل والأسر وعلى حصونهم من التخريب والهدم وتحققوا أنهم صائرون إلى ما صار أولئك إليه فاستكانوا وأخلدوا إلى طلب الأمان واستقرت الأمور بالمراسلة من الطائفتين وكان تسلمه في يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب وليلته كانت ليلة المعراج المنصوص عليها في القرآن الكريم فانظر إلى هذا الاتفاق العجيب كيف يسر الله تعالى عوده إلى المسلمين في مثل زمان الإسراء بنبيهم وهذه علامة قبول هذه الطاعة من الله تعالى وكان فتحه عظيما شهده من أهل العلم خلق ومن أرباب الخرق والزهد عالم وذلك أن الناس لما بلغهم ما يسره الله تعالى على يده من فتوح الساحل وقصده القدس قصده العلماء من مصر والشام بحيث لم يتخلف أحد منهم وارتفعت الأصوات بالضجيج بالدعاء والتهليل والتكبير وصليت فيه الجمعة يوم فتحه وخطب القاضي محيي الدين محمد بن علي المعروف بابن الزكي.

وقد كتب عماد الدين الأصبهاني رسالة في فتح القدس،وجمع كتابا سماه الفتح القسي في الفتح القدسي وهو في مجلدين ذكر فيه جميع ما جرى في هذه الواقعة.

وكان قد حضر الرشيد أبو محمد عبد الرحمن بن بدر بن الحسن بن مفرج النابلسي الشاعر المشهور هذا الفتح فأنشد السلطان صلاح الدين قصيدته التي أولها:

هذا الذي كانت الآمال تنتظر*****فليوف لله أقوام بما نذروا

وهي طويلة تزيد على مائة بيت يمدحه ويهنيه بالفتح.

يقول بهاء الدين بن شداد في السيرة الصلاحية: نكس الصليب الذي كان على قبة الصخرة وكان شكلا عظيما ونصر الله الإسلام على يده نصرا عزيزا ، وكان الإفرنج قد استولوا على القدس سنة 492هـ ولم يزل بأيديهم حتى استنقذه منهم صلاح الدين، وكانت قاعدة الصلح أنهم قطعوا على أنفسهم عن كل رجل عشرين دينارا وعن كل امرأة خمسة دنانير صورية وعن كل صغير ذكر أو أنثى دينارا واحدا فمن أحضر قطيعته نجا بنفسه وإلا أخذ أسيرا وأفرج عمن كان بالقدس من أسرى المسلمين وكانوا خلقا عظيما وأقام به يجمع الأموال ويفرقها على الأمراء والرجال ويحبو بها الفقهاء والعلماء والزهاد والوافدين عليه وتقدم بإيصال من قام بقطيعته إلى مأمنه وهي مدينة صور ولم يرحل عنه ومعه من المال الذي جبي له شيء وكان يقارب مائتي ألف دينار وعشرين ألفا وكان رحيله عنه يوم الجمعة الخامس والعشرين من شعبان من سنة 583هـ

حصار صور

يقول بن شداد: لما فتح صلاح الدين القدس حسن عنده قصد صور وعلم أنه إن أخر أمرها ربما عسر عليه فسار نحوها حتى أتى عكا فنزل عليها ونظر في أمورها ثم رحل عنها متوجها إلى صور في يوم الجمعة خامس شهر رمضان من السنة(583) فنزل قريبا منها وسير لإحضار آلات القتال ولما تكاملت عنده نزل عليها في ثاني عشر الشهر المذكور وقاتلها وضايقها قتالا عظيما واستدعى أسطول مصر فكان يقاتلها في البر والبحر ثم سير من حاصر هونين فسلمت في الثالث والعشرين من شوال من السنة، ثم خرج أسطول صور في الليل فهاجم أسطول المسلمين وأخذوا المقدم والريس وخمس قطع للمسلمين وقتلوا خلقا كثيرا من رجال المسلمين وذلك في السابع والعشرين من الشهر المذكور وعظم ذلك على السلطان وضاق صدره وكان الشتاء قد هجم وتراكمت الأمطار وامتنع الناس من القتال لكثرة الأمطار فجمع الأمراء واستشارهم فيما يفعل فأشاروا عليه بالرحيل لتستريح الرجال ويجتمعوا للقتال فرحل عنها وحملوا من آلات الحصار ما أمكن وأحرقوا الباقي الذي عجزوا عن حمله لكثرة الوحل والمطر وكان رحيله يوم الأحد ثاني ذي القعدة من السنة وتفرقت العساكر وأعطى كل طائفة منها دستورا وسار كل قوم إلى بلادهم وأقام هو مع جماعة من خواصه بمدينة عكا إلى أن دخلت سنة 584هـ

ثم نزل على كوكب في أوائل المحرم من السنة ولم يبق معه من العسكر إلا القليل وكان حصنا حصينا وفيه الرجال والأقوات فعلم أنه لا يؤخذ إلا بقتال شديد فرجع إلى دمشق، وأقام بدمشق خمسة أيام. ثم بلغه أن الإفرنج قصدوا جبيل واغتالوها فخرج مسرعا وكان قد سير يستدعي العساكر من جميع المواضع وسار يطلب جبيل فلما عرف الإفرنج بخروجه كفوا عن ذلك.

بقية فتوح الشام

قال ابن شداد في السيرة: لما كان يوم الجمعة رابع جمادى الأولى من سنة 584هـ دخل السلطان بلاد العدو على تعبية حسنة ورتب الأطلاب وسارت الميمنة أولا ومقدمها عماد الدين زنكي والقلب في الوسط والميسرة في الأخير ومقدمها مظفر الدين ابن زين الدين فوصل إلى انطرسوس ضاحي نهار الأحد سادس جمادى الأولى فوقف قبالتها ينظر إليها لأن قصده كان جبلة فاستهان بأمرها وعزم على قتالها فسير من رد الميمنة وأمرها بالنزول على جانب البحر والميسرة على الجانب الآخر ونزل هو موضعه والعساكر محدقة بها من البحر إلى البحر وهي مدينة راكبة على البحر ولها برجان كالقلعتين فركبوا وقاربوا البلد وزحفوا واشتد القتال وباغتوها فما استتم نصب الخيام حتى صعد المسلمون سورها وأخذوها بالسيف وغنم المسلمون جميع من بها وما بها وأحرق البلد و أقام عليها إلى رابع عشر جمادى الأولى وسلم أحد البرجين إلى مظفر الدين فما زال يحاربه حتى أخربه واجتمع به ولده الملك الظاهر لأنه كان قد طلبه فجاءه في عسكر عظيم، ثم سار يريد جبلة وكان وصوله إليها في ثاني عشر جمادى الأولى وما استتم نزول العسكر عليها حتى أخذ البلد وكان فيه مسلمون مقيمون وقاض يحكم بينهم وقوتلت القلعة قتالا شديدا ثم سلمت بالأمان في يوم السبت تاسع عشر جمادى الأولى من السنة وأقام عليها إلى الثالث والعشرين منه، ثم سار عنها إلى اللاذقية وكان نزوله عليها يوم الخميس الرابع والعشرين من جمادى الأولى وهو بلد مليح خفيف على القلب غير مسور وله ميناء مشهور وله قلعتان متصلتان على تل يشرف على البلد واشتد القتال إلى آخر النهار فأخذ البلد دون القلعتين وغنم الناس منه غنيمة عظيمة لأنه كان بلد التجار وجدوا في أمر القلعتين بالقتال والنقوب حتى بلغ طول النقب ستين ذراعا وعرضه أربعة أذرع فلما رأى أهل القلعتين الغلبة لاذوا بطلب الأمان وذلك في عشية يوم الجمعة الخامس والعشرين من الشهر والتمسوا الصلح على سلامة نفوسهم وزراريهم ونسائهم وأموالهم ما خلا الذخائر والسلاح وآلات الحرب فأجابهم إلى ذلك ورفع العلم الإسلامي عليها يوم السبت وأقام عليها إلى يوم الأحد السابع والعشرين من جمادى الأولى فرحل عنها إلى صهيون فنزل عليها يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من الشهر واجتهد في القتال فأخذ البلد يوم الجمعة ثاني جمادى الآخرة ثم تقدموا إلى القلعة وصدقوا القتال فلما عاينوا الهلاك طلبوا الأمان فأجابهم إليه بحيث يؤخذ من الرجل عشرة دنانير ومن المرأة خمسة دنانير ومن كل صغير ديناران الذكر والأنثى سواء و أقام السلطان بهذه الجهة حتى أخذ عدة قلاع منها بلاطنس وغيرها من الحصون المنيعة المتعلقة بصهيون، ثم رحل عنها وأتى بكاس وهي قلعة حصينة على العاصي ولها نهر يخرج من تحتها وكان النزول عليها يوم الثلاثاء سادس جمادى الآخرة وقاتلوها قتالا شديدا إلى يوم الجمعة تاسع الشهر ثم يسر الله فتحها عنوة فقتل أكثر من بها وأسر الباقون وغنم المسلمون جميع ما كان فيها ولها قليعة تسمى الشغر وهي في غاية المنعة يعبر إليها منها بجسر وليس عليها طريق فسلطت المناجيق عليها من جميع الجوانب ورأوا أنهم لا ناصر لهم فطلبوا الأمان وذلك يوم الثلاثاء ثالث عشر الشهر ثم سألوا المهلة ثلاثة أيام فأمهلوا وكان تمام فتحها وصعود العلم السلطاني على قلعتها يوم الجمعة سادس عشر الشهر.

ثم سار إلى برزية وهي من الحصون المنيعة في غاية القوة يضرب بها المثل في بلاد الإفرنج تحيط بها أودية من جميع جوانبها وعلوها خمسمائة ونيف وسبعون ذراعا وكان نزوله عليها يوم السبت الرابع والعشرين من الشهر ثم أخذها عنوة يوم الثلاثاء السابع والعشرين منه.

ثم سار إلى دربساك فنزل عليها يوم الجمعة ثامن رجب وهي قلعة منيعة وقاتلها قتالا شديدا ورقي العلم الإسلامي عليها يوم الجمعة الثاني والعشرين من رجب وأعطاها الأمير علم الدين سليمان بن جندر وسار عنها بكرة يوم السبت الثالث والعشرين من الشهر.

ونزل على بغراس وهي قلعة حصينة بالقرب من إنطاكية وقاتلها مقاتلة شديدة وصعد العلم الإسلامي عليها في ثاني شعبان وراسله أهل إنطاكية في طلب الصلح فصالحهم لشدة ضجر العسكر من البيكار وكان الصلح معهم لا غير على أن يطلقوا كل أسير عندهم والصلح إلى سبعة أشهر فإن جاءهم من ينصرهم و سلموا البلد.

ثم رحل السلطان فسأله ولده الملك الظاهر صاحب حلب أن يجتاز به فأجابه إلى ذلك فوصل حلب في حادي عشر شعبان أقام بالقلعة ثلاثة أيام وولده يقوم بالضيافة حق القيام، وسار من حلب فاعترضه تقي الدين عمر ابن أخيه وأصعده إلى قلعة حماة وصنع له طعاما وأحضر له سماعا من جنس ما تعمل الصوفية وبات فيها ليلة واحدة وأعطاه جبلة واللاذقية، وسار على طريق بعلبك ودخل دمشق قبل شهر رمضان بأيام يسيرة، ثم سار في أوائل شهر رمضان يريد صفد فنزل عليها ولم يزل القتال حتى تسلمها بالأمان في رابع عشر شوال.

ثم سار إلى كوكب وضايقوها وقاتلوها مقاتلة شديدة والأمطار متواترة والوحول متضاعفة والرياح عاصفة والعدو متسلط بعلو مكانه فلما تيقنوا أنهم مأخوذون طلبوا الأمان فأجابهم إليه وتسلمها منهم في منتصف ذي القعدة من السنة.


الصليبيون في عكا

بلغ صلاح الدين أن الإفرنج قصدوا عكا ونزلوا عليها يوم الاثنين ثالث عشر رجب سنة 585هـ فأتى عكا ودخلها بغتة لتقوى قلوب من بها و استدعى العساكر من كل ناحية فجاءته وكان العدو بمقدار ألفي فارس وثلاثين ألف راجل ثم تكاثر الإفرنج واستفحل أمرهم وأحاطوا بعكا ومنعوا من يدخل إليها ويخرج وذلك يوم الخميس فضاق صدر السلطان لذلك ثم اجتهد في فتح الطريق إليها لتستمر السابلة بالميرة والنجدة وشاور الأمراء فاتفقوا على مضايقة العدو لينفتح الطريق ففعلوا ذلك وانفتح الطريق وسلكه المسلمون ودخل السلطان عكا فأشرف على أمورها ثم جرى بين الفريقين مناوشات في عدة أيام وتأخر الناس إلى تل العياضية وهو مشرف على عكا وفي هذه المنزلة توفي الأمير حسام الدين طمان وذلك ليلة نصف شعبان من سنة خمس وثمانين وخمسمائة وكان من الشجعان.

قال ابن شداد سمعت السلطان ينشد وقد قيل له إن الوخم قد عظم بمرج عكا وإن الموت قد فشا في الطائفتين :

اقتلاني ومالكا*****واقتلا مالكا معي

يريد بذلك أنه قد رضي أن يتلف إذا أتلف الله أعداءه، وهذا البيت له سبب يحتاج إلى شرح وذلك أن مالك بن الحارث المعروف بالأشتر النخعي كان من الشجعان والأبطال المشهورين وهو من خواص أصحاب علي بن أبي طالب رضي الله عنه تماسك في يوم معركة الجمل المشهورة هو وعبد الله بن الزبير بن العوام وكان أيضا من الأبطال وابن الزبير يومئذ مع خالته عائشة أم المؤمنين وطلحة والزبير رضي الله عنهم أجمعين وكانوا يحاربون عليا رضي الله عنه فلما تماسكا صار كل واحد منهما إذا قوي على صاحبه جعله تحته وركب صدره وفعلا ذلك مرارا وابن الزبير ينشد :

اقتلاني ومالكا*****واقتلا مالكا معي

يريد الأشتر النخعي.

قال ابن شداد ثم إن الإفرنج جاءهم الإمداد من داخل البحر واستظهروا على الجيوش الإسلامية بعكا وكان فيهم الأمير سيف الدين علي بن أحمد المعروف بالمشطوب الهكاري والأمير بهاء الدين قراقوش الخادم الصلاحي وضايقوهم أشد مضايقة إلى أن غلبوا عن حفظ البلد فلما كان يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة من سنة 587هـ خرج من عكا رجل عوام ومعه كتب من المسلمين يذكرون حالهم وما هم فيه وأنهم قد تيقنوا الهلاك ومتى أخذوا البلد عنوة ضربت رقابهم وأنهم صالحوا على أن يسلموا البلد وجميع ما فيه من الآلات والعدة والأسلحة والمراكب ومائتي ألف دينار وخمسمائة أسير مجاهيل ومائة أسير معينين من جهتهم وصليب الصلبوت على أن يخرجوا بأنفسهم سالمين وما معهم من الأموال والأقمشة المختصة بهم وزراريهم ونسائهم وضمنوا للمركيس لأنه كان الواسطة في هذا الأمر أربعة آلاف دينار ولما وقف السلطان على الكتب المشار إليها أنكر ذلك إنكارا عظيما وعظم عليه هذا الأمر وجمع أهل الرأي من أكابر دولته وشاورهم فيما يصنع واضطربت آراؤه وتقسم فكره وتشوش حاله وعزم على أن يكتب في تلك الليلة مع العوام وينكر عليهم المصالحة على هذا الوجه وهو يتردد في هذا فلم يشعر إلا وقد ارتفعت أعلام العدو وصلبانه وناره وشعاره على سور البلد وذلك في ظهيرة يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة من السنة وصاح الإفرنج صيحة عظيمة واحدة وعظمت المصيبة على المسلمين واشتد حزنهم ووقع فيهم الصياح والعويل والبكاء والنحيب.

ثم ذكر ابن شداد بعد هذا أن الإفرنج خرجوا من عكا قاصدين عسقلان ليأخذوها وساروا على الساحل والسلطان وعساكره في قبالتهم إلى أن وصلوا إلى أرسوف فكان بينهما قتال عظيم ونال المسلمين منه وهن شديد ثم ساروا على تلك الهيئة تتمة عشر منازل من مسيرهم من عكا فأتى السلطان الرملة وأتاه من أخبره بأن القوم على عزم عمارة يافا وتقويتها بالرجال والعدد والآلات فأحضر السلطان أرباب مشورته وشاورهم في أمر عسقلان وهل الصواب خرابها أم بقاؤها فاتفقت آراؤهم أن يبقى الملك العادل في قبالة العدو ويتوجه هو بنفسه ويخربها خوفا من أن يصل العدو إليها ويستولي عليها وهي عامرة ويأخذ بها القدس وتنقطع بها طريق مصر وامتنع العسكر من الدخول وخافوا مما جرى على المسلمين بعكا ورأوا أن حفظ القدس أولى فتعين خرابها من عدة جهات وكان هذا الاجتماع يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان سنة سبع وثمانين وخمسمائة فسار إليها فجر الأربعاء ثامن عشر الشهر قال ابن شداد وتحدث معي في معنى خرابها بعد أن تحدث مع ولده الملك الأفضل في أمرها أيضا ثم قال لأن أفقد ولدي جميعهم أحب إلي من أن أهدم منها حجرا ولكن إذا قضى الله تعالى ذلك وكان فيه مصلحة للمسلمين فما الحيلة في ذلك قال ولما اتفق الرأي على خرابها أوقع الله تعالى في نفسه ذلك وأن المصلحة فيه لعجز المسلمين عن حفظها وشرع في خرابها فجر يوم الخميس التاسع عشر من شعبان من السنة وقسم السور على الناس وجعل لكل أمير وطائفة من العسكر بدنة معلومة وبرجا معينا يخربونه ودخل الناس البلد ووقع فيهم الضجيج والبكاء وكان بلدا خفيفا على القلب محكم الأسوار عظيم البناء مرغوبا في سكنه فلحق الناس على خرابه حزن عظيم وعظم عويل أهل البلد عليه لفراق أوطانهم وشرعوا في بيع ما لا يقدرون على حمله فباعوا ما يساوي عشرة دراهم بدرهم واحد وباعوا اثني عشر طير دجاج بدرهم واحد واختبط البلد وخرج الناس بأهلهم وأولادهم إلى المخيم وتشتتوا فذهب قوم منهم إلى مصر وقوم إلى الشام وجرت عليهم أمور عظيمة واجتهد السلطان وأولاده في خراب البلد كي لا يسمع العدو فيسرع إليه ولا يمكن من خرابه وبات الناس على أصعب حال وأشد تعب مما قاسوه في خرابها وفي تلك الليلة وصل من جانب الملك العادل من أخبر أن الإفرنج تحدثوا معه في الصلح وطلبوا جميع البلاد الساحلية فرأى السلطان أن ذلك مصلحة لما علم من نفس الناس من الضجر من القتال وكثرة ما عليهم من الديون وكتب إليه يأذن له في ذلك وفوض الأمر إلى رأيه وأصبح يوم الجمعة العشرين من شعبان وهو مصر على الخراب واستعمل الناس عليه وحثهم على العجلة فيه وأباحهم ما في الهري الذي كان مدخرا للميرة خوفا من هجوم الإفرنج والعجز عن نقله وأمر بإحراق البلد فأضرمت النيران في بيوته وكان سورها عظيما ولم يزل الخراب يعمل في البلد إلى نهاية شعبان من السنة وأصبح يوم الإثنين مستهل شهر رمضان أمر ولده الملك الأفضل أن يباشر ذلك بنفسه وخواصه ولقد رأيته يحمل الخشب بنفسه لأجل الإحراق، وفي يوم الأربعاء ثالث شهر رمضان أتى الرملة ثم خرج إلى "اللد" وأشرف عليها وأمر بخرابها وخراب قلعة الرملة ففعل ذلك وفي يوم السبت ثالث عشر شهر رمضان تأخر السلطان بالعسكر إلى جهة الجبل ليتمكن الناس من تسيير دوابهم لإحضار ما يحتاجون إليه ودار السلطان حول النطرون وهي قلعة منيعة فأمر بتخريبها وشرع الناس في ذلك.

الصلح مع الصليبيين

ثم ذكر ابن شداد بعد هذا أن الانكتار وهو من أكابر ملوك الإفرنج سير رسوله إلى الملك العادل يطلب الاجتماع به فأجابه إلى ذلك واجتمعا يوم الجمعة ثامن عشر شوال من السنة وتحادثا معظم ذلك النهار وانفصلا عن مودة أكيدة والتمس الانكتار من العادل أن يسأل السلطان أن يجتمع به فذكر العادل ذلك للسلطان فاستشار أكابر دولته في ذلك ووقع الاتفاق على أنه إذا جرى الصلح بيننا يكون الاجتماع بعد ذلك ثم وصل رسول الانكتار وقال إن الملك يقول إني أحب صداقتك ومودتك وأنت تذكر أنك أعطيت هذه البلاد الساحلية لأخيك فأريد أن تكون حكما بيني وبينه وتقسم البلاد بيني وبينه ولا بد أن يكون لنا علقة بالقدس وأطال الحديث في ذلك فأجابه السلطان بوعد جميل وأذن له في العود في الحال وتأثر لذلك تأثرا عظيما قال ابن شداد وبعد انفصال الرسول قال لي السلطان متى صالحناهم لم تؤمن غائلتهم ولو حدث بي حادث الموت ما كانت تجتمع هذه العساكر وتقوى الإفرنج والمصلحة أن لا نزول عن الجهاد حتى نخرجهم من الساحل أو يأتينا الموت هذا كان رأيه وإنما غلب على الصلح.

قال ابن شداد ثم ترددت الرسل بينهم في الصلح و تم الصلح بينهم يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شعبان سنة 588هـ ونادى المنادي بانتظام الصلح وأن البلاد الإسلامية والنصرانية واحدة في الأمن والمسالمة فمن شاء من كل طائفة يتردد إلى بلاد الطائفة الأخرى من غير خوف ولا محذور وكان يوما مشهودا نال الطائفتين فيه من المسرة ما لا يعلمه إلا الله تعالى وقد علم الله تعالى أن الصلح لم يكن عن مرضاته وإيثاره ولكنه رأى المصلحة في الصلح لسآمة العسكر ومظاهرتهم بالمخالفة وكان مصلحة في علم الله تعالى فإنه اتفقت وفاته بعد الصلح فلو اتفق ذلك في أثناء وقعاته كان الإسلام على خطر.

ثم أعطى للعساكر الواردة عليه من البلاد البعيدة برسم النجدة دستورا فساروا عنه وعزم على الحج لما فرغ باله من هذه الجهة وتردد المسلمون إلى بلادهم وجاءوا هم إلى بلاد المسلمين وحملت البضائع والمتاجر إلى البلاد وحضر منهم خلق كثير لزيارة القدس.

أواخر أيامه

بعد الصلح سنة 588هـ توجه السلطان إلى القدس ليتفقد أحوالها وتوجه أخوه الملك العادل إلى الكرك وابنه الملك الظاهر إلى حلب وابنه الأفضل إلى دمشق وأقام السلطان بالقدس يقطع الناس ويعطيهم دستورا ويتأهب للمسير إلى الديار المصرية وانقطع شوقه عن الحج ولم يزل كذلك إلى أن صح عنده مسير مركب الانكتار متوجها إلى بلاده في مستهل شوال فعند ذلك قوي عزمه أن يدخل الساحل جريدة يتفقد القلاع البحرية إلى بانياس ويدخل دمشق ويقيم بها أياما قلائل ويعود إلى القدس ومنه إلى الديار المصرية.

قال ابن شداد: وأمرني صلاح الدين بالمقام في القدس إلى حين عوده لعمارة مارستان أنشأه به وتكميل المدرسة التي أنشأها فيه وسار منه ضاحي نهار الخميس السادس من شوال سنة ثمان وثمانين وخمسمائة ولما فرغ من افتقاد أحوال القلاع وإزاحة خللها دخل دمشق بكرة الأربعاء سادس عشر شوال وفيها أولاده الملك الأفضل والملك الظاهر والملك الظافر مظفر الدين الخضر المعروف بالمشعر وأولاده الصغار وكان يحب البلد ويؤثر الإقامة فيه على سائر البلاد وجلس للناس في بكرة يوم الخميس السابع والعشرين منه وحضروا عندهم وبلوا شوقهم منه وأنشده الشعراء ولم يتخلف أحد عنه من الخواص والعوام وأقام ينشر جناح عدله ويهطل سحاب إنعامه وفضله ويكشف مظالم الرعايا فلما كان يوم الاثنين مستهل ذي القعدة عمل الملك الأفضل دعوة للملك الظاهر لأنه لما وصل إلى دمشق وبلغه حركة السلطان أقام بها ليتملى بالنظر إليه ثانيا وكأن نفسه كانت قد أحست بدنو أجله فودعه في تلك الدفعة مرارا متعددة ولما عمل الملك الأفضل الدعوة أظهر فيها من الهمم العالية ما يليق بهمته وكأنه أراد بذلك مجازاته ما خدمه به حين وصل إلى بلده وحضر الدعوة المذكورة أرباب الدنيا والآخرة وسأل السلطان الحضور فحضر جبرا لقلبه وكان يوما مشهودا على ما بلغني.

ولما تصفح الملك العادل أحوال الكرك وأصلح ما قصد إصلاحه فيه سار قاصدا إلى البلاد الفراتية فوصل إلى دمشق في يوم الأربعاء سابع عشر ذي القعدة وخرج السلطان إلى لقائه وأقام يتصيد حوالي غباغب إلى الكسوة حتى لقيه وسارا جميعا يتصيدان وكان دخولهما إلى دمشق آخر نهار يوم الأحد حادي عشر ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وأقام السلطان بدمشق يتصيد هو وأخوه وأولاده ويتفرجون في أراضي دمشق ومواطن الصبا وكأنه وجد راحة مما كان به من ملازمة التعب والنصب وسهر الليل وكان ذلك كالوداع لأولاده ومراتع نزهه ونسي عزمه إلى مصر وعرضت له أمور أخر وعزمات غير ما تقدم.



--------------------------------------------------------------------------------

وفاة صلاح الدين

قال ابن شداد: وصلني كتاب صلاح الدين إلى القدس يستدعيني لخدمته وكان شتاء شديدا ووحلا عظيما فخرجت من القدس في يوم الجمعة الثالث والعشرين من المحرم سنة 589هـ وكان الوصول إلى دمشق في يوم الثلاثاء ثاني عشر صفر من السنة وركب السلطان لملتقى الحاج يوم الجمعة خامس عشر صفر وكان ذلك آخر ركوبه، ولما كان ليلة السبت وجد كسلا عظيما وما تنصف الليل حتى غشيته حمى صفراوية وكانت في باطنه أكثر منها في ظاهره وأصبح يوم السبت متكاسلا عليه أثر الحمى ولم يظهر ذلك للناس لكن حضرت عنده أنا والقاضي الفاضل ودخل ولده الملك الأفضل وطال جلوسنا عنده وأخذ يشكو قلقه في الليل وطاب له الحديث إلى قريب الظهر ثم انصرفنا وقلوبنا عنده فتقدم إلينا بالحضور على الطعام في خدمة ولده الملك الأفضل ولم تكن للقاضي الفاضل في ذلك عادة فانصرف ودخلت إلى الإيوان القبلي وقد مد السماط وابنه الملك الأفضل قد جلس في موضعه فانصرفت وما كانت لي قوة في الجلوس استيحاشا له وبكى في ذلك اليوم جماعة تفاؤلا لجلوس ولده في موضعه ثم أخذ المرض يتزيد من حينئذ ونحن نلازم التردد طرفي النهار وندخل إليه أنا والقاضي الفاضل في النهار مرارا وكان مرضه في رأسه وكان من إمارات انتهاء العمر غيبة طبيبه الذي كان قد عرف مزاجه سفرا وحضرا ورأى الأطباء فصده ففصدوه فاشتد مرضه وقلت رطوبات بدنه وكان يغلب عليه اليبس ولم يزل المرض يتزايد حتى انتهى إلى غاية الضعف واشتد مرضه في السادس والسابع والثامن ولم يزل يتزايد ويغيب ذهنه ولما كان التاسع حدثت له غشية وامتنع من تناول المشروب واشتد الخوف في البلد وخاف الناس ونقلوا أقمشتهم من الأسواق وعلا الناس من الكآبة والحزن ما لا تمكن حكايته ولما كان العاشر من مرضه حقن دفعتين وحصل من الحقن بعض الراحة وفرح الناس بذلك ثم اشتد مرضه وأيس منه الأطباء ثم شرع الملك الأفضل في تحليف الناس، ثم إنه توفي بعد صلاة الصبح من يوم الأربعاء السابع والعشرين من صفر سنة 589هـ وكان يوم موته يوما لم يصب الإسلام والمسلمون بمثله منذ فقد الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم وغشي القلعة والملك والدنيا وحشة لا يعلمها إلا الله تعالى وبالله لقد كنت أسمع من الناس أنهم يتمنون فداء من يعز عليهم بنفوسهم وكنت أتوهم أن هذا الحديث على ضرب من التجوز والترخص إلى ذلك اليوم فإني علمت من نفسي ومن غيري أنه لو قبل الفداء لفدي بالأنفس.

ثم جلس ولده الملك الأفضل للعزاء وغسله، وأخرج بعد صلاة الظهر رحمه الله في تابوت مسجى بثوب فوط فارتفعت الأصوات عند مشاهدته وعظم الضجيج وأخذ الناس في البكاء والعويل وصلوا عليه أرسالا ثم أعيد إلى الدار التي في البستان وهي التي كان متمارضا بها ودفن في الصفة الغربية منها وكان نزوله في حفرته قريبا من صلاة العصر.

وأنشد بن شداد في آخر السيرة بيت أبى تمام الطائي وهو:

ثم انقضت تلك السنون*****وأهلها فكأنها وكأنهم أحلام

رحمه الله تعالى وقدس روحه فلقد كان من محاسن الدنيا وغرائبها، وذكر ابن شداد : أنه مات ولم يخلف في خزانته من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعين درهما ناصرية وجرما واحدا ذهبا صوريا ولم يخلف ملكا لا دارا ولا عقارا ولا بستانا ولا قرية ولا مزرعة.

وفي ساعة موته كتب القاضي الفاضل إلى ولده الملك الظاهر صاحب حلب بطاقة مضمونها {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} {إن زلزلة الساعة شيء عظيم} كتبت إلى مولانا السلطان الملك الظاهر أحسن الله عزاءه وجبر مصابه وجعل فيه الخلف في الساعة المذكورة وقد زلزل المسلمون زلزالا شديدا وقد حفرت الدموع المحاجر وبلغت القلوب الحناجر وقد ودعت أباك ومخدومي وداعا لا تلاقي بعده وقد قبلت وجهه عني وعنك وأسلمته إلى الله تعالى مغلوب الحيلة ضعيف القوة راضيا عن الله ولا حول ولا قوة إلا بالله وبالباب من الجنود المجندة والأسلحة المعدة ما لم يدفع البلاء ولا ملك يرد القضاء وتدمع العين ويخشع القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب وإنا عليك لمحزونون يا يوسف وأما الوصايا فما تحتاج إليها والآراء فقد شغلني المصاب عنها وأما لائح الأمر فإنه إن وقع اتفاق فما عدمتم إلا شخصه الكريم وإن كان غيره فالمصائب المستقبلة أهونها موته وهو الهول العظيم والسلام

العفو عند المقدرة
07-12-2007, 21:33
(بسم الل)


عبد الملك بن عمر

--------------------------------------------------------------------------------

نموذج وقدوة للشباب
عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز ابن شابه أباه في زهده وعفته وورعه، وكان خير ناصح لوالده في كثير من المواقف، وكما كان عبد الملك قدوة لأبناء جيله من الشباب فهو أيضا قدوة لكل شاب يريد أن ينشأ في عبادة ربه ليكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

قال عنه الحافظ أبو نعيم في الحلية: "كان للحق نافذا وللباطل واقذا"

وقال ميمون بن مهران: ما رأيت ثلاثة في بيت أخير من عمر بن عبد العزيز وابنه عبد الملك ومولاه مزاحم.

لم تذكر لنا كتب التاريخ والتراجم مولده ونشأته بقدر ما ذكرت مواقف من حياته في الزهد والعفة والنصيحة فإلى بعضها من خلال هذه السطور.




نصيحته لعمر

لم يستغل عبد الملك منصب أبيه ومكانة أسرته؛ ليعيش حياة كلها ترف وتنعم دون إحساس بأية مسئولية تجاه ما يحدث حوله من أحداث، بل على العكس من ذلك عرف عبد الملك زهدا أكثر من زهد أبيه، وكان نعم الناصح لأبيه، خوفا عليه من عظم المسئولية الملقاة على عاتقه.

روي عن عبد الله بن يونس الثقفي عن سيار أبي الحكم قال: قال ابن لعمر بن عبد العزيز يقال له عبد الملك ـ وكان يفضل على عمر ـ يا أبت أقم الحق ولو ساعة من نهار.

وعن يحيى بن يعلى المحاربي عن بعض مشيخة أهل الشام قال كنا نرى أن عمر بن عبد العزيز إنما أدخله في العبادة ما رأى من ابنه عبد الملك.

وروي عن ميمون بن مهران أن عبد الملك بن عمر قال له يا أبت ما منعك أن تمضي لما تريد من العدل والله ما كنت أبالي لو غلت بي وبك القدور في ذلك قال يا بني إنما أنا أروض الناس رياضة الصعب إني لأريد أن أحيي الأمر من العدل فأؤخر ذلك حتى أخرج معه طمعا من طمع الدنيا فينفروا من هذه ويسكنوا لهذه .

وعن خالد ابن يزيد عن جعونة قال: دخل عبد الملك على أبيه عمر فقال يا أمير المؤمنين ماذا تقول لربك إذا أتيته وقد تركت حقا لم تحيه وباطلا لم تمته قال اقعد يا بني ان آباءك وأجدادك خدعوا الناس عن الحق فانتهت الأمور إلي وقد أقبل شرها وأدبر خيرها ولكن أليس حسبي جميلا أن لا تطلع الشمس علي في يوم إلا أحييت فيه حقا وأمت فيه باطلا حتى يأتيني الموت وأنا على ذلك.

وعن إسماعيل بن أبي حكيم وكان كاتب عمر بن عبد العزيز قال دخل عبد الملك على أبيه عمر فقال أين وقع لك رأيك فيما ذكر لك مزاحم من رد المظالم. قال: على إنفاذه فرفع عمر يديه ثم قال الحمد لله الذي جعل لي من ذريتي من يعينني على أمر ديني.




مواقف من حياته

عن هشام بن حسان قال: قال عمر بن عبد العزيز لمولاه مزاحم كم ترانا أصبنا من أموال المؤمنين قال قلت يا أمير المؤمنين أتدري ما عيالك قال نعم الله لهم فخرجت من عنده فلقيت ابنه عبد الملك فقلت له هل تدري ما قال أمير المؤمنين قال وما قال قلت قال هل تدري ما أصبنا من أموال المؤمنين قال فما قلت له قال قلت له هل تدري ما عيالك قال نعم الله لهم قال عبد الملك بئس الوزير أنت يا مزاحم ثم جاء يستأذن على أبيه فقال للآذن استأذن لي عليه فقال له الآذن إنما لأبيك من الليل والنهار هذه الساعة قال لا بد من لقائه فسمع عمر مقالتهما قال من هذا قال الآذن عبد الملك قال ائذن له قال فدخل فقال ما جاء بك هذه الساعة قال شيء ذكره لي مزاحم قال نعم فما رأيك قال رأيي أن تمضيه قال فإني أروح إلى الصلاة فأصعد المنبر فأرده على روؤس الناس قال ومن لك أن تعيش إلى الصلاة قال فمه قال الساعة قال فخرج فنودي في الناس الصلاة جامعة فصعد المنبر فرده على رؤس الناس.

وعن إسماعيل بن أبي حكيم قال كنا عند عمر بن عبد العزيز فلما تفرقنا نادى مناديه الصلاة جامعة قال فجئت المسجد فإذا عمر على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن هؤلاء أعطونا عطايا ما كان ينبغي لنا أن نأخذها وما كان ينبغي لهم أن يعطونها وإني قد رأيت ذلك ليس على فيه دون الله محاسب وإني قد بدأت بنفسي وأهل بيتي أقرأ يا مزاحم فجعل مزاحم يقرأ كتابا كتابا ثم يأخذه عمر فيقطعه حتى نودي بالظهر.

***

و عن ميمون ابن مهران قال بعث إلي عمر بن عبد العزيز وإلي مكحول والى أبي قلابة فقال ما ترون في هذه الأموال التي أخذت من الناس ظلما فقال مكحول يومئذ قولا ضعيفا كرهه فقال أرى أن تستأنف فنظر إلي عمر كالمستغيث بي قلت يا أمير المؤمنين ابعث إلى عبد الملك فأحضره فإنه ليس بدون من رأيت قال يا حارث ادع لي عبد الملك فلما دخل عليه عبد الملك قال يا عبد الملك ما ترى في هذه الأموال التي قد أخذت من الناس ظلما قد حضروا يطلبونها وقد عرفنا مواضعها قال أرى أن تردها فإن لم تفعل كنت شريكا لمن أخذها.

***

وقال إسماعيل بن أبي حكيم قال غضب عمر بن عبد العزيز يوما فاشتد غضبه و كان فيه حدة وعبد الملك بن عمر بن عبد العزيز حاضر فلما سكن غضبه قال يا أمير المؤمنين أنت في قدر نعمة الله عليك وموضعك الذي وضعك الله به وما ولاك من أمر عباده يبلغ بك الغضب ما أرى قال كيف قلت قال فأعاد عليه كلامه فقال أما تغضب يا عبد الملك فقال ما تغني سعة جوفي إن لم أردد فيها الغضب حتى لا يظهر منه شيء أكرهه قال وكان له بطين.

***

عن ابن أبي عبلة قال جلس عمر يوما للناس فلما انتصف النهار ضجر وكل ومل فقال للناس مكانكم حتى أنصرف إليكم فدخل ليستريح ساعة فجاء ابنه عبد الملك فسأل عنه فقالوا دخل فاستأذن عليه فأذن له فلما دخل قال يا أمير المؤمنين ما أدخلك قال أردت أن أستريح ساعة قال أو أمنت الموت أن يأتيك ورعيتك على بابك ينتظرونك وأنت محتجب عنهم فقام عمر من ساعته وخرج إلى الناس .





وفاته

توفي عبد الملك وهو في ريعان الشباب وحزن عليه عمر حزنا شديدا، وروي أبو نعيم أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز أصابه الطاعون في خلافة أبيه فمات قال والله ما من أحد أعز علي من عمر ولأن أكون سمعت بموته أحب إلي من أن أكون كما رأيته.

وقد رزقه الله بصيرة نافذة حتى أنه شعر بدنو أجله، فلما جاءت امرأته إليه وقد ترجلت ولبست إزارا ورداءا ونعلين فلما رآها قال اعتدى اعتدى.

وروي عن زياد بن أبي حسان أنه شهد عمر بن عبد العزيز حيث دفن ابنه عبد الملك قال لما دفنه وسوى عليه قبره بالأرض وضعوا عنده خشبيتين من زيتون إحداهما عند رأسه والأخرى عند رجليه ثم جعل قبره بينه وبين القبلة واستوى قائما وأحاط به الناس فقال رحمك الله يا بني لقد كنت بارا بأبيك والله ما زلت منذ وهبك الله لي مسرورا بك ولا والله ما كنت قط أشد بك مسرورا ولا أرجي بحظي من الله فيك منذ وضعتك في هذا المنزل الذي صيرك الله إليه فرحمك الله وغفر لك ذنبك وجزاك بأحسن عملك ورحم الله كل شافع يشفع لك بخير من شاهد أو غائب رضينا بقضاء الله وسلمنا لأمر الله والحمد لله رب العالمين ثم انصرف.

وقال علي ابن حصين: شهدت عمر تتابعت عليه مصائب مات أخ له ثم مات مزاحم ثم مات عبد الملك فلما مات عبد الملك تكلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال لقد دفعته إلى النساء في الخرق فما زلت أرى فيه السرور وقرة العين إلى يومي هذا فما رأيته في أمر قط أقر لعيني من أمر رأيته فيه اليوم.

وروي أن عمر كتب في رثاء عبد الملك إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن في شأن ابنه عبد الملك حين توفي أما بعد فإن الله تبارك اسمه وتعالى ذكره كتب على خلقه حين خلقهم الموت وجعل مصيرهم إليه فقال فيما أنزل من كتابه الصادق الذي حفظه بعلمه وأشهد ملائكته على حقه أنه يرث الأرض ومن عليها وإليه يرجعون ثم قال لنبيه عليه السلام {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون} ثم قال منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى فالموت سبيل الناس في الدنيا لم يكتب الله لمحسن ولا لمسيء فيها خلدا ولم يرض ما أعجب أهلها ثوابا لأهل طاعته ولم يرض ببلائها نقمة لأهل معصيته فكل شيء منها أعجب أهلها أو كرهوا منه شيئا متروك. لذلك خلقت حين خلقت وسكنت منذ سكنت ليبلو الله فيها عباده أيهم أحسن عملا، فمن قدم عند خروجه من الدنيا إلى أهل طاعته ورضوانه من أنبيائه وأئمة الهدى الذين أمر الله نبيه أن يقتدي بهداهم خالد في دار المقامة من فضله لا يمسه فيها نصب ولا يمسه فيها لغوب، ومن كانت مفارقته الدنيا إلى غيرهم وغير منازلهم فقد قابل الشر الطويل وأقام على مالا قبل له به، أسأل الله برحمته أن يبقينا ما أبقانا في الدنيا مطيعين لأمره متبعين لكتابه، وجعلنا إذا خرجنا من الدنيا إلى نبينا ومن أمرنا أن نقتدي بهداه من المصطفين الأخيار وأسأله برحمته أن يقينا أعمال السوء في الدنيا والسيئات يوم القيامة ثم إن عبد الملك ابن أمير المؤمنين كان عبدا من عباد الله أحسن الله إليه في نفسه وأحسن إلى أبيه فيه أعاشه الله ما أحب أن يعيشه ثم قبضه اليه حين أحب أن يقبضه وهو فيما علمت بالموت مغتبط يرجو فيه من الله رجاء حسنا فأعوذ بالله أن تكون لي محبة في شيء من الأمور تخالف محبة الله فإن خلاف ذلك لا يصلح في بلائه عندي وإحسانه إلى ونعمته علي وقد قلت فيما كان من سبيله والحمد لله ما رجوت به ثواب الله وموعده الصادق من المغفرة إنا لله و إنا اليه راجعون ثم لم أجد والحمد لله بعده في نفسي إلا خيرا من رضى بقضاء الله واحتساب لما كان من المصيبة فحمدا لله على ما مضى وعلى ما بقي وعلى كل حال من أمر الدنيا والآخرة أحببت أن أكتب إليك بذلك وأعلمك من قضاء الله فلا أعلم ما نيح عليه في شيء من قبلك ولا اجتمع على ذلك أحد من الناس ولا رخصت فيه لقريب من الناس ولا لبعيد واكفني ذلك بكفاية الله ولا ألومك فيه إن شاء الله والسلام عليك.

العفو عند المقدرة
07-12-2007, 21:34
الحسن البصري

--------------------------------------------------------------------------------


الحسن البصري

التابعى الجليل

وصف بأنه من كان من سادات التابعين وكبرائهم، وجمع كل فن من علم وزهد وورع وعبادة ومن القلائل الذين أجرى الله الحكمة على ألسنتهم فكان كلامه حكمة وبلاغة إنه التابعي الجليل الحسن البصري.




نسبه ونشأته

هو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، ولد الحسن في أواخر خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالمدينة، وأبوه مولى زيد بن مثبت الأنصاري رضي الله عنه وأمه خيرة مولاة أم سلمة زوج النبي وكانت أمه ربما غابت في حاجة فيبكي فتعطيه أم سلمة رضي الله عنها ثديها تعلله به إلى أن تجيء أمه فدر عليه ثديها فشربه فيرون أن تلك الحكمة والفصاحة من بركة ذلك.

ونشأ الحسن بوادي القرى وكان من أجمل أهل البصرة حتى سقط عن دابته فحدث بأنفه ما حدث.

وحكى الأصمعي عن أبيه قال ما رأيت أعرض زندا من الحسن كان عرضه شبرا. وقال أبو عمرو بن العلاء ما رأيت أفصح من الحسن البصري ومن الحجاج ابن يوسف الثقفي فقيل له فأيهما كان أفصح قال الحسن.




مواقف من حياته

كان الحسن يقص (يحكى القصص) في الحج فمر به علي بن الحسين فقال له يا شيخ أترضى نفسك للموت قال لا قال فلله في أرضه معاد غير هذا البيت قال لا قال فثم دار للعمل غير هذه الدار قال لا قال فعملك للحساب قال لا قال فلم تشغل الناس عن طواف البيت قال: فما قص الحسن بعدها.

***

وقيل إن رجلا أتى الحسن فقال يا أبا سعيد إني حلفت بالطلاق أن الحجاج في النار فما تقول أقيم مع امرأتي أم أعتزلها فقال له قد كان الحجاج فاجرا فاسقا وما أدري ما أقول لك إن رحمة الله وسعت كل شيء وإن الرجل أتى محمد بن سيرين فأخبره بما حلف فرد عليه شبيها بما قاله الحسن وإنه أتى عمرو بن عبيد فقال له أقم مع زوجتك فإن الله تعالى إن غفر للحجاج لم يضرك الزنا ذكر ذلك.

***

وكان في جنازة وفيها نوائح ومعه رجل فهم الرجل بالرجوع فقال له الحسن يا أخي إن كنت كلما رأيت قبيحا تركت له حسنا أسرع ذلك في دينك

****

وقيل له ألا ترى كثرة الوباء فقال أنفق ممسك وأقلع مذنب واتعظ جاحد.

****

ونظر إلى جنازة قد ازدحم الناس عليها فقال ما لكم تزدحمون ها تلك هي ساريته في المسجد اقعدوا تحتها حتى تكونوا مثله.

***

وحدث الحسن بحديث فقال له رجل يا أبا سعيد عن من فقال وما تصنع بعن من أما أنت فقد نالتك موعظته وقامت عليك حجته.

***

وقال لفرقد بن يعقوب بلغني أنك لا تأكل الفالوذج فقال يا أبا سعيد أخاف ألا أؤدي شكره قال الحسن يا لكع هل تقدر تؤدي شكر الماء البارد الذي تشربه.

***

وقيل للحسن إن فلانا اغتابك فبعث إليه طبق حلوى وقال بلغني أنك أهديت إلي حسناتك فكافأتك بهذا

***

ولما ولي عمر بن هبيرة الفزاري العراق وأضيفت إليه خراسان وذلك في أيام يزيد بن عبد الملك استدعى الحسن البصري ومحمد بن سيرين والشعبي وذلك في سنة ثلاث ومائة فقال لهم إن يزيد خليفة الله استخلفه على عباده وأخذ عليهم الميثاق بطاعته وأخذ عهدنا بالسمع والطاعة وقد ولاني ما ترون فيكتب إلي بالأمر من أمره فأنفذ ذلك الأمر فما ترون؟! فقال ابن سيرين والشعبي قولا فيه تقية فقال ابن هبيرة ما تقول يا حسن فقال يا ابن هبيرة خف الله في يزيد ولا تخف يزيد في الله إن الله يمنعك من يزيد وإن يزيد لا يمنعك من الله وأوشك أن يبعث إليك ملكا فيزيلك عن سريرك، ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك ثم لا ينجيك إلا عملك يا ابن هبيرة إن تعص الله فإنما جعل الله هذا السلطان ناصرا لدين الله وعباده فلا تركبن دين الله وعباده بسلطان الله فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فأجازهم ابن هبيرة وأضعف جائزة الحسن فقال الشعبي لابن سيرين سفسفنا له فسفسف لنا.


من كلماته

ما رأيت يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه إلا الموت.

ورأى الحسن يوما رجلا وسيما حسن الهيئة فسأل عنه فقيل إنه يسخر للملوك ويحبونه فقال لله أبوه ما رأيت أحدا طلب الدنيا بما يشبهها إلا هذا.



وفاته

وتوفي بالبصرة مستهل رجب سنة عشر ومائة رضي الله عنه وكانت جنازته مشهودة قال حميد الطويل توفي الحسن عشية الخميس وأصبحنا يوم الجمعة ففرغنا من أمره وحملناه بعد صلاة الجمعة ودفناه فتبع الناس كلهم جنازته واشتغلوا به فلم تقم صلاة العصر بالجامع ولا أعلم أنها تركت منذ كان الإسلام إلا يومئذ لأنهم تبعوا كلهم الجنازة حتى لم يبق بالمسجد من يصلي العصر وأغمي على الحسن عند موته ثم أفاق فقال لقد نبهتموني من جنات وعيون ومقام كريم.

وقال رجل قبل موت الحسن لابن سيرين رأيت كأن طائرا أخذ أحسن حصاة بالمسجد فقال إن صدقت رؤياك مات الحسن فلم يكن إلا قليلا حتى مات الحسن.

العفو عند المقدرة
07-12-2007, 21:36
(بسم الل)


محمد بن سيرين

--------------------------------------------------------------------------------

إذا رأوه ذكروا الله

اشتهر بتفسير الأحلام وكان في تأويله للرؤى يأمر بتقوى الله ويبشر الناس أن من رأي ربه في المنام دخل الجنة، إنه التابعي الجليل محمد بن سيرين الذي كان مثالا يحتذي في الورع والزهد والعبادة، مما جعل الناس في زمانه إذا رأوه كبروا، ويقول أحد معاصريه كان محمد بن سيرين قد أعطى هديا وسمتا وخشوعا فكان الناس إذا رأوه ذكروا الله.



نسبه

محمد بن سيرين يكنى أبا بكر، وقال ابن عائشة كان سيرين والده من أهل جرجرايا وكان يعمل قدور النحاس فجاء إلى عين التمر يعمل بها فسباه خالد بن الوليد. وكان مولى أنس بن مالك كاتبه أنس، عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس بن مالك قال هذه مكاتبة سيرين عندنا هذا ما كاتب عليه أنس بن مالك فتاه شيرون على كذا وكذا ألفا وعلى غلامين يعملان عليه.

وعن بكار بن محمد قال حدثني أبي أن أم محمد بن سيرين صفية مولاة أبي بكر بن أبي قحافة طيبها ثلاث من أزواج رسول الله ودعوته لها وحضر إملاكها ثمانية عشر بدريا منهم أبي ابن كعب يدعو وهم يؤمنون.




فضله ومناقبه

كان بن سيرين من أعلام التابعين، وإماما من أئمة الزهد والورع، قال ابن عون كان محمد بن سيرين إذا حدث كأنه يتقى شيئا أو يحذر شيئا.

وقال جرير بن حازم سمعت محمد بن سيرين يحدث رجلا فقال ما رأيت الرجل الأسود ثم قال أستغفر الله ما أراني إلا قد اغتبت الرجل.

قال مورق العجلى: ما رأيت رجلا أفقه في ورعه ولا أورع في فقهه من محمد بن سيرين. وقال أبو قلابة اصرفوه حيث شئتم فلتجدنه أشدكم ورعا وأملككم لنفسه، وأينا يطيق ما يطيق محمد بن سيرين يركب مثل حد السنان.

قال أبو عوانة رأيت محمد بن سيرين يمر في السوق فيكبر الناس.

قال ابن سيرين إذا أراد الله عز وجل بعبده خيرا جعل له واعظا من قلبه يأمره وينهاه.

وعن الأشعث قال كان محمد بن سيرين إذا سئل عن شيء من الفقه الحلال والحرام تغير لونه وتبدل حتى كأنه ليس بالذي كان.

وأوصى أنس بن مالك أن يغسله محمد بن سيرين فقيل له في ذلك وكان محبوسا فقال أنا محبوس قالوا قد استأذن الأمير فأذن لك في ذلك قال فإن الأمير لم يحبسني إنما حبسني الذي له الحق فأذن له صاحب الحق فخرج فغسله.

عن رجاء بن أبي سلمة قال سمعت يونس بن عبيد يقول أما ابن سيرين فإنه لم يعرض له أمران في دينه إلا أخذ بأوثقهما.

قالت حفصة بنت سيرين كان محمد إذا دخل على أمه لم يكلمها بلسانه كله تخشعا لها.

وعن ابن عون قال دخل رجل على محمد وهو عند أمه فقال ما شأن محمد يشتكى شيئا فقالوا لا ولكن هكذا يكون إذا كان عند أمه.

قال ابن سيرين ظلم لأخيك أن تذكر منه أسوأ ما تعلم وتكتم خيره.

وعن ابن عون قال أرسل ابن هبيرة إلى ابن سيرين فأتاه فقال له كيف تركت أهل مصرك قال تركتهم والظلم فيهم فاش.

قال ابن عون كان محمد يرى أنها شهادة يسأل عنها فكره أن يكتمها.




تفسيره للرؤى

عرف بن سيرين بتفسير الرؤى والأحلام وله كتاب مشهور في ذلك و كان الرجل إذا سأل ابن سيرين عن الرؤيا قال اتق الله عز وجل في اليقظة ولا يضرك ما رأيت في المنام.

ومن عجائب تفسيره للأحلام:

1-عن يوسف الصباغ عن ابن سيرين قال من رأى ربه تعالى في المنام دخل الجنة.

2-عن خالد بن دينار قال كنت عند ابن سيرين فأتاه رجل فقال يا أبا بكر رأيت في المنام كأني أشرب من بلبلة لها مثقبان فوجدت أحدهما عذبا والآخر ملحا قال ابن سيرين اتق الله لك امرأة وأنت تخالف إلى أختها.

3-عن أبي قلابة أن رجلا قال لابن سيرين رأيت كأني أبول دما قال تأتي امرأتك وهي حائض قال نعم قال اتق الله ولا تعد.

4-عن أبي جعفر عن ابن سيرين أن رجلا رأى في المنام كأن في حجره صبيا يصيح فقص رؤياه على ابن سيرين فقال اتق الله ولا تضرب العود.

5-عن حبيب أن امرأة رأت في المنام أنها تحلب حية فقصت على ابن سيرين فقال ابن سيرين اللبن فطرة والحية عدو وليست من الفطرة في شيء هذه امرأة يدخل عليها أهل الأهواء.

6-رأى الحجاج بن يوسف في منامه رؤيا كأن حوراوين أتتاه فأخذ إحداهما وفاتته الأخرى فكتب بذلك إلى عبد الملك فكتب إليه عبد الملك هنيئا يا أبا محمد فبلغ ذلك ابن سيرين فقال أخطأت هذه فتنتان يدرك إحداهما وتفوته الأخرى قال فأدرك الجماجم وفاتته الأخرى.

7-رأى ابن سيرين كأن الجوزاء تقدمت الثريا فأخذ في وصيته قال يموت الحسن البصري وأموت بعده هو أشرف مني.

8-قال رجل لابن سيرين إني رأيت كأني ألعق عسلا من جام من جوهر فقال اتق الله وعاود القرآن فإنك رجل قرأت القرآن ثم نسيته.

9-وقال رجل لابن سيرين رأيت كأني أحرث أرضا لا تنبت قال أنت رجل تعزل عن امرأتك.

10-قال رجل لابن سيرين رأيت في المنام كأني أغسل ثوبي وهو لا ينقى قال أنت رجل مصارم لأخيك.

11-وقال رجل لابن سيرين رأيت كأني أطير بين السماء والأرض قال أنت رجل تكثر المنى.

12-جاء رجل إلى ابن سيرين فقال إني رأيت كأني على رأسي تاجا من ذهب فقال له ابن سيرين اتق الله فإن أباك في أرض غربة وقد ذهب بصره وهو يريد أن تأتيه قال فما راده الرجل الكلام حتى أدخل يده في حجزته فأخرج كتابا من أبيه يذكر فيه ذهاب بصره وأنه في أرض غربة ويأمر بالإتيان إليه.



مواقف من حياته

عن ابن عون قال كانوا إذا ذكروا عند محمد رجلا بسيئة ذكره محمد بأحسن ما يعلم وقال طوق بن وهب دخلت على محمد بن سيرين وقد اشتكيت فقال كأني أراك شاكيا قلت أجل قال اذهب إلى فلان الطبيب فاستوصفه ثم قال اذهب إلى فلان فإنه أطب منه ثم قال أستغفر الله أراني قد اغتبته.

و كان محمد بن سيرين إذا مشى معه رجل قام وقال ألك حاجة فإن كان له حاجة قضاها فإن عاد يمشى معه قام فقال له ألك حاجة.

عن هشام عن ابن سيرين أنه اشترى بيعا فأشرف فيه على ثمانين ألفا فعرض في قلبه منه شيء فتركه قال هشام والله ما هو بربا، وعن السرى بن يحيى قال لقد ترك ابن سيرين ربح أربعين ألفا في شيء دخله، قال سرى فسمعت سليمان التيمي يقول لقد تركه في شيء ما يختلف فيه أحد من العلماء.

وكان ابن سيرين إذا دعي إلى وليمة أو إلى عرس يدخل منزله فيقول اسقوني شربة سويق فيقال له يا أبا بكر أنت تذهب إلى الوليمة أو العرس تشرب سويقا فيقول إني أكره أن أحمل حد جوعي على طعام الناس.

عن ابن شوذب قال كان ابن سيرين يصوم يوما ويفطر يوما وكان اليوم الذي يفطر فيه يتغذى ولا يتعشى ثم يتسحر ويصبح صائما.

وروي عن موسى بن المغيرة قال رأيت محمد بن سيرين يدخل السوق نصف النهار يكبر ويسبح ويذكر الله عز وجل فقال له رجل يا أبا بكر في هذه الساعة قال إنها ساعة غفلة.

وعن جعفر بن مرزوق قال بعث ابن هبيرة إلى ابن سيرين والحسن والشعبي قال فدخلوا عليه فقال لابن سيرين يا أبا بكر ماذا رأيت منذ قربت من بابنا قال رأيت ظلما فاشيا قال فغمزه ابن أخيه بمنكبه فالتفت إليه ابن سيرين فقال ابن سيرين إنك لست تُسأل إنما أُسأل أنا فأرسل إلى الحسن بأربعة آلاف وإلى ابن سيرين بثلاثة آلاف وإلى الشعبي بألفين فأما ابن سيرين فلم يأخذها

وعن جعفر بن أبي الصلت قال قلت لمحمد بن سيرين ما منعك أن تقبل من ابن هبيرة قال فقال لي يا أبا عبدالله أو يا هذا إنما أعطاني على خير كان يظنه بي ولئن كنت كما ظن بي فما ينبغي لي أن أقبل وإن لم أكن كما ظن فبالحري أن لا يجوز لي أن أقبل.



عبادته

عن عبيد الله بن السري قال: قال ابن سيرين إني لأعرف الذنب الذي حمل به على الدين ما هو قلت لرجل منذ أربعين سنة يا مفلس فحدثت به أبا سليمان الداراني فقال قلت ذنوبهم فعرفوا من أين يؤتون وكثرت ذنوبي وذنوبك فليس ندرى من أين نؤتى.

عن عاصم الأحول قال كان عامة كلام ابن سيرين سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم عن هشام بن حسان قال ربما سمعت بكاء محمد بن سيرين في جوف الليل وهو يصلى.

عن أنس بن سيرين قال كان لمحمد بن سيرين سبعة أوراد يقرؤها بالليل فإذا فاته منها شيء قرأه من النهار.

وعن هشام قال كان ابن سيرين يحيى الليل في رمضان.

عن دهير قال كان ابن سيرين إذا ذكر الموت مات كل عضو منه على حدته.

قال مهدى كنا نجلس إلى محمد فيحدثنا ونحدثه ويكثر إلينا ونكثر إليه فإذا ذكر الموت تغير لونه واصفر وأنكرناه وكأنه ليس بالذي كان.




وفاته

وتوفى في سنة عشر ومائة بعد الحسن بمائة يوم وهو ابن نيف وثمانين سنة

المصدر: سير أعلام النبلاء، وصفة الصفوة، ووفيات الأعيان.

العفو عند المقدرة
07-12-2007, 21:37
(بسم الل)


الشيخ ناصر الألباني

--------------------------------------------------------------------------------

العلامة الشيخ

العلامة الشيخ ناصر الألباني أحد أبرز العلماء المسلمين في العصر الحديث، ويعتبر الشيخ الألباني من علماء الحديث البارزين المتفردين في علم الجرح والتعديل، والشيخ الألباني حجة في مصطلح الحديث وقال عنه العلماء المحدثون إنه أعاد عصر ابن حجر العسقلاني والحافظ بن كثير وغيرهم من علماء الجرح والتعديل.



مولده ونشأته

ولد شيخ الإسلام الألباني في مدينة أشقدورة، عاصمة ألبانيا، عام 1914، في أسرة فقيرة متدينة، فقد تخرج أبوه نوح نجاتي من المعاهد الشرعية في استنبول، وبعد أن تولى الملك أحمد زوغو الحكم هاجر أبوه إلى دمشق، بدأ شيخ الإسلام المهاجر دراسته في مدرسة الإسعاف الخيرية الابتدائية بدمشق، استمر على ذلك حتى أشرف على نهاية المرحلة الابتدائية، وفي هذه الأثناء هبت أعاصير الثورة السورية بالفرنسيين الغزاة، وأصاب المدرسة حريق أتي عليها، ونظرا لسوء رأي والده في الدراسة النظامية أخرجه من المدرسة ووضع له برنامجا علميا مركزا فقام بتعليمه القرآن والتجويد والصرف والفقه الحنفي، كما أنه تلقى بعض العلوم الدينية والعربية على بعض الشيوخ من أصدقاء والده مثل الشيخ سعيد البرهاني إذ قرأ عليه كتاب (مراقي الفلاح) وبعض الكتب الحديثة في علوم البلاغة.



تعلمه الحديث

أخذ الشيخ إجازة في الحديث من الشيخ راغب الطباخ، علامة حلب في زمانه، وذلك إثر مقابلة له بواسطة الأستاذ محمد المبارك الذي ذكر للشيخ الطباخ ما يعرفه من إقبال الفتى على علوم الحديث وتفوقه فيها، فلما استوثق من ذلك خصه بإجازته.

وكان قد توجه للحديث وهو في العشرين من عمره متأثرا بالأبحاث التي كان يكتبها محمد رشيد رضا في مجلة المنار. يقول شيخ الإسلام الألباني: (أول ما ولعت بمطالعته من الكتب القصص العربية كالظاهر وعنترة والملك سيف وما إليها. ثم القصص البوليسية المترجمة كأرسين لوبين وغيرها، وذات يوم لاحظت بين الكتب المعروضة لدى أحد الباعة جزءا من مجلة المنار فاطلعت عليه ووقعت فيه على بحث بقلم السيد رشيد رضا يصف فيه كتاب الإحياء للغزالي، ويشير إلى محاسنة ومآخذه.. ولأول مرة أواجه مثل هذا النقد العلمي فاجتذبني ذلك إلى مطالعة الجزء كله ثم أمضي لأتابع موضوع تخريج الحافظ العراقي على الإحياء ورأيتني أسعى لاستئجاره لأني لا أملك ثمنه. ومن ثم أقبلت على قراءة الكتب، فاستهواني ذلك التخريج الدقيق حتى صممت على نسخه) أخذ الشيخ عن والده صناعة إصلاح الساعات حتى صار من أهل الشهرة فيها، وأخذ يكسب رزقه منها، ثم ترك يومين فقط لهذا العمل أما باقي الأيام فكان في المكتبة الظاهرية يدرس وينهمك في المطالعة طوال اليوم،
لقد كان لحديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الأثر الكبير في توجيه الألباني علما وعملا، فتوجه نحو المنهج الصحيح، وهو التلقي عن الله ورسوله فقط، مستعينا بفهم الأئمة الأعلام من السلف الصالح دون تعصب لأحد منهم أو عليه. وإنما كان رائده الحق حيث كان، ولذلك بدأ يخالف مذهبه الحنفي الذي نشأ عليه، وكان والده رحمه الله يعارضه في مسائل كثيرة في المذهب، فبين له الشيخ أنه لا يجوز لمسلم أن يترك العمل بحديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بعد ما ثبت عنه وعمل به بعض الأئمة لقول أحد من الناس، كائنا من كان، ويذكر له أن هذا هو منهج أبي حنيفة وغيره من الأئمة الكرام رحمهم الله.



مؤلفاته

وقد أثرى المكتبة الإسلامية بعدد كبير من المؤلفات على رأسها سلسلة الأحاديث الصحيحة وسلسلة الأحاديث الضعيفة وكتاب "صفة صلاة النبي" والذي لقي رواجا كبيرا بين شباب الصحوة الإسلامية.

نشره للعلم

وحين تمكن الإمام من العلم بدأ يتصل بالناس ينشر الدعوة، فقد رفع الإمام راية التوحيد والسنة وزار الكثيرين من المشايخ في دمشق، وجرت بينه وبينهم مناقشات في مسائل التوحيد والتعصب للمذاهب والبدع، وتابع الحساد وجهلة المتنطعين والجواسيس والوشاة والمعارضين لمنهجه، حتى ألقي به في السجن عام 1967 لمدة شهر وفي وقت لاحق لمدة ست شهور، وحين تم تأسيس الجامعة الإسلامية في المدينة وقع اختيار سماحة الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ-رئيس هيئة كبار العلماء ورئيس الجامعة آنذاك-على شيخ الإسلام ليتولى تدريس الحديث وعلومه.

ومن آثار الإمام الألباني رحمه الله على الجامعة أنه وضع القاعدة لمادة الإسناد، وسبق كل الجامعات الموجودة بذلك، إلا لإخلاصه أثارت عليه الحاقدين من بعض أساتذة الجامعة فكادوا له ووشوا به عند المسؤولين ولفقوا عليه الدسائس والافتراءات حتى أجبرت الجامعة على الاستغناء عنه.



رحلاته

هاجر شيخ الإسلام حفظه الله من دمشق إلى عمان في رمضان عام 1400هـ، ثم اضطر للخروج منها عائدا إلى دمشق ومن هناك إلى بيروت، ثم هاجر إلى الإمارات حيث استقبله محبيه من أهل السنة والجماعة وحل ضيفا على جمعية دار البر، فكانت أيامهم معه أيام علم ونصح وإرشاد وإنهاك في العلم، وإبان إقامة الشيخ في الإمارات تمكن من السفر إلى الدول الخليجية المجاورة والتقى في قطر الشيخ محمد الغزالي والشيخ يوسف القرضاوي، ثم عاد إلى دمشق، وكانت آخر زيارة له لدولة الإمارات في عام 1989، وحين نزل ضيفا على جمعية دار البر ألقى الدروس في مزرعة رئيس الجمعية، وسمي المسجد التابع للمزرعة مسجد الإمام الألباني، تخليدا لذكرى زيارته، وفي رمضان عام 1419هـ فرح المسلمون بإعطاء شيخ الإسلام جائزة الملك فيصل وهذا تقدير وعرفان من المملكة العربية السعودية لما قام به الشيخ من خدمة للإسلام والمسلمين.



مناقبه وفضائله

كان الشيخ رحمه الله متبعا لمنهج السلف متخلقاً بأخلاقهم وجعل نصب عينيه قول الله ورسوله في كل شيء، فكان لا يستحي من الحق، يعلنها في كتبه ومحاضراته، وهذه خصلة حميدة طيبة، كقول أبي حنيفة رحمه الله: (نحن قوم نقول القول اليوم ونرجع فيه غدا، ونقوله غدا ونرجع فيه بعد غد كلنا خطاء إلا صاحب هذا القبر). وهذا مما جعل لشيخ الإسلام الألباني محبين في كل مكان من عالمنا الإسلامي الكبير، وحسده كثير من جانب آخر.

ثناء العلماء عليه

قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: (ما رأيت تحت أديم السماء عالما بالحديث في العصر الحديث مثل العلامة محمد ناصر الدين الألباني)

وقال الفقيه العلامة الإمام محمد صالح العثيمين: (إنه حريص جدا على العمل بالسنة ومحاربة البدعة سواء كانت في العقيدة أم في العمل. ومن متابعتك لمؤلفاته تعرف عنه ذلك وأنه ذو علم جم في الحديث والرواية والدراية وأن الله تعالى قد نفع بما كتبه كثيرا من الناس من حيث العلم ومن حيث المنهاج والاتجاه إلى علم الحديث وهذه ثمرة كبيرة للمسلمين ولله الحمد)

وقال الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق: (عالم من علماء المسلمين، وعلم من أعلام الدعوة إلى الله، وشيخ المحدثين وإمامهم في العصر الراهن، ألا وهو أستاذي محمد ناصر الدين الألباني - حفظه الله وبارك فيه)

و قال الشيخ محمد إبراهيم شقرة رئيس المسجد الأقصى: (لو أن شهادات أهل العصر من شيوخ السنة وأعلام الحديث والأثر اجتمعت، فصيغ منها شهادة واحدة، ثم وضعت على منضدة تاريخ العلماء فإني أحب أن تكون شهادة صادقة في عالم الحديث الأوحد، أستاذ العلماء، وشيخ الفقهاء، ورأس المجتهدين في هذا الزمان، الشيخ محمد ناصر الدين الألباني أكرمه الله في الدارين)

وقال الشيخ مقبل الوادعي: (والذي أعتقده وأدين الله به أن الشيخ محمد ناصر الدين الألباني حفظه الله من المجددين الذين يصدق عليهم قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) [إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها]

ومن الشعر الذي قيل فيه:

إن الذي ينصـر شريعة ربـنا
ينصر كـما قـالـه الوحيـان

ولقد رأينا من محقق عصـرنا
أعني المحـدث نـاصر الألباني

ذاك الذي تسـعى حثيثا ضده
ياظالما فارجع عـن العصـيان

قام الألى يتعصـبون لمـذهب
وطريقة وعـقيـدة الـكهـان

قـام الألى يتعصبون لمـذهب
ووظيفة فيها الحطـام الفـاني

قـام الجميع وأعلنوها ثـورة
بالسب والتشنيـع في البلـدان

قـامت قيامتهم وقام جميعهم
والشيـخ ناصر ثـابت الأركان

نشر العلوم بعصرنا يا حبذا
مـن ناشـر لشريعة الـرحمــن

تـرك التعصب للمذاهب كلها
مدح الأئمة شـيعة الـرحمـن

نفـع الإله بعلمه رغـم الذي
قد قاله ذو الحقـد والأضغــان

قــالوا قريض الشعر قلت أحـبه
لا سيمـا في ناصر الألباني

علــم الزمان فلست أزري حقه
شيخ المشايخ ذو النهي الرباني

فهو المجـدد للزمان وقـد أتى
خبر صحيـح ينتهي للــداني

في كـل آونـة يقـوم معلـم
يدعو لشرعة ربنا الـرحمن

فهو الإمام إّذا الأئمـة عـددوا
لا شك عندي والذي سوانـي

وهو الذي أضحى فريد زمانه
بالفقه والتحـديث والقـرآن

كم ذب عن سـنن النبي محمد
المصـطفى المختار من عدنان

كـم حارب البدع التي شوهت
وجه الشريعة بالأذى الفتان

يدعو إلى التوحيد والتقوى وكم
قال اتبـع نبينــا العدنـان

فرض وحتم لازم لا نهتدي
في غـيره إن صح في الميزان

العفو عند المقدرة
07-12-2007, 21:38
الإمام عبد العزيز بن باز

--------------------------------------------------------------------------------

الداعية الفقيه

الإمام الداعية الفقيه عبد العزيز بن عبد الله بن باز أشهر علماء وفقهاء الجزيرة العربية الذي تلقى الناس فتاواه ورسائله بالقبول وتتلمذ على يديه المئات وهو كما وصفه أحد تلامذته صاحب كتاب "الإنجاز في ترجمة الإمام عبد العزيز بن باز" يقول: هو الإمام الصالح الورع الزاهد أحد الثلة المتقدمين بالعلم الشرعي، ومرجع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، في الفتوى والعلم، وبقية السلف الصالح في لزوم الحق والهدي المستقيم، واتباع السنة الغراء.




نسبه ونشأته

هو عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله آل باز، وآل باز أسرة عريقة في العلم والتجارة والزراعة معروفة بالفضل والأخلاق أصلهم من المدينة النبوية، ولد في الرياض عاصمة نجد يوم الثاني عشر من شهر ذي الحجة سنة 1330هـ، وترعرع فيها وشب وكبر، ولم يخرج منها إلا ناويا للحج والعمرة.

نشأ سماحة الشيخ عبد العزيز في بيئة عطرة بأنفاس العلم والهدى والصلاح، بعيدة كل البعد عن مظاهر الدنيا ومفاتنها، وحضاراتها المزيفة، إذ الرياض كانت في ذلك الوقت بلدة علم وهدى فيها كبار العلماء، وأئمة الدين، من أئمة هذه الدعوة المباركة التي قامت على كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهي دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وفي بيئة غلب عليها الأمن والاستقرار وراحة البال، بعد أن استعاد الملك عبد العزيز - رحمه الله - الرياض ووطد فيها الحكم العادل المبني على الشريعة الإسلامية السمحة بعد أن كانت الرياض تعيش في فوضى لا نهاية لها، واضطراب بين حكامها ومحكوميها.

فهكذا نشأ سماحته في بيئة علمية ولا ريب أن القرآن العظيم كان ولا يزال - ولله الحمد والمنة - هو النور الذي يضيء حياته، وهو عنوان الفوز والفلاح فبالقرآن الكريم بدأ الشيخ دراسته - كما هي عادة علماء السلف - رحمهم الله - إذ يجعلون القرآن الكريم أول المصادر العلمية - فيحفظونه ويتدبرونه أشد التدبر، ويعون أحكامه وتفاسيره، ومن ثمَّ ينطلقون إلى العلوم الشرعية الأخرى، فحفظ الشيخ القرآن الكريم عن ظهر قلب قبل أن يبدأ مرحلة البلوغ، فوعاه وأتقن سوره وآياته أشد الإتقان، ثم بعد رحمه لكتاب الله، ابتدأ سماحته في طلب العلم على يد العلماء بجد وجلد وطول نفس وصبر.

ولقد ذكر سماحته في محاضرته النافعة رحلتي مع الكتاب: أن لوالدته - رحمها الله - أثرا بالغا، ودورا بارزا في اتجاهه للعلم الشرعي وطلبه والمثابرة عليه، فكانت تحثه وتشد من أزره، وتحضه على الاستمرار في طلب العلم والسعي وراءه بكل جد واجتهاد.


فقده لبصره

كان سماحة الشيخ عبد العزيز - رحمه الله - مبصرا في أول حياته، وشاء الله لحكمة بالغة أرادها أن يضعف بصره في عام 1346 هـ إثر مرض أصيب به في عينيه ثم ذهب جميع بصره في عام 1350 هـ، وعمره قريب من العشرين عاما؛ ولكن ذلك لم يثنه عن طلب العلم، أو يقلل من همته وعزيمته بل استمر في طلب العلم ملازما لصفوة فاضلة من العلماء الربانيين والفقهاء الصالحين، فاستفاد منهم أشد الاستفادة، وأثّروا عليه في بداية حياته العلمية، بالرأي السديد، والعلم النافع، والحرص على معالي الأمور، والنشأة الفاضلة، والأخلاق الكريمة، والتربية الحميدة، مما كان له أعظم الأثر، وأكبر النفع في استمراره.

ومما ينبغي أن يعلم أن سماحة الشيخ عبد العزيز - رحمه الله- قد استفاد من فقده لبصره فوائد عدة نذكر على سبيل المثال منها أربعة أمور:

الأمر الأول: حسن الثواب، وعظيم الأجر من الله سبحانه وتعالى، فقد روى الإمام البخاري في صحيحه في حديث قدسي أن الله تعالى يقول: إذا ابتليت عبدي بفقد حبيبتيه عوضتهما الجنة (البخاري).

الأمر الثاني: قوة الذاكرة، والذكاء المفرط: فالشيخ - رحمه الله - حافظ العصر في علم الحديث فإذا سألته عن حديث من الكتب الستة، أو غيرها كمسند الإمام أحمد والكتب الأخرى تجده في غالب أمره مستحضرا للحديث سندا ومتنا، ومن تكلم فيه، ورجاله وشرحه.

الأمر الثالث: إغفال مباهج الحياة، وفتنة الدنيا وزينتها، فالشيخ - رحمه الله - كان متزهدا فيها أشد الزهد، وتورع عنها، ووجه قلبه إلى الدار الآخرة، وإلى التواضع والتذلل لله سبحانه وتعالى.

الأمر الرابع: استفاد من مركب النقص بالعينين، إذ ألح على نفسه وحطمها بالجد والمثابرة حتى أصبح من العلماء الكبار، المشار إليهم بسعة العلم، وإدراك الفهم، وقوة الاستدلال وقد أبدله الله عن نور عينيه نورا في القلب، وحبا للعلم، وسلوكا للسنة، وسيرا على المحجة، وذكاءً في الفؤاد.


المكانة العلمية لأسرته

وأسرة آل باز معروفة بالعلم والفضل، والزهد والورع ويغلب على بعض أفرادها العناية بالتجارة، وعلى بعضها العناية بالزراعة، ولعل من أبرز علماء هذه الأسرة الشيخ عبد المحسن بن أحمد بن عبد الله بن باز - رحمه الله - المتوفى سنة 1342 هـ، كانت له دراية تامة في الفقه، واطلاع واسع على العلوم الشرعية، ومحبة لطلبة العلم والاعتناء بهم، مع حسن الأخلاق، وكريم الشمائل، وطيب التعليم والتدريس.

ومن العلماء البارزين من تلك الأسرة، الشيخ مبارك بن عبد المحسن بن باز المكنى " بأبي حسين " وهو من كبار حملة العلم المعروفين بالعلم والفضل وحسن السيرة، وكان والده الشيخ / عبد المحسن - رحمه الله - هو قاضي بلدة الحلوة فقرأ عليه في بعض العلوم الشرعية في أول طلبه للعلم، ثم لما توفي والده، تولى القضاء بعده، ثم نقل بعد ذلك إلى قضاء عدة بلدان منها بيشة والأرطاوية ورنية.

ولما تولى الملك عبد العزيز - رحمه الله - على الحجاز عينه قاضيا في الطائف، والشيخ مبارك - رحمه الله - يعتبر أحد العلماء الذين بعثهم الملك عبد العزيز - رحمه الله - إلى مكة لكي يناظروا علمائها ويناقشوهم في مسائل تتعلق بالتوحيد والعقيدة الصحيحة، وقد أبلى الشيخ مبارك - رحمه الله - في ذلك بلاء حسنا وكانت له اليد الطولى في تبيين بعض المسائل وإيضاحها، وظهر الحق إلى جانب علماء الدعوة.

وخلاصة القول أن الطابع الغالب على هذه الأسرة، هو طابع الجد في ممارسة الخير، سعيا في نشدان الكسب الحلال، والمذاكرة الحيّة في مسائل الدين، مع الالتزام بالفضائل والأخلاق الحميدة - رحم الله أمواتهم وبارك في أحيائهم، وجعل منهم العلماء الصالحين.


من أخلاق بن باز

كانت للشيخ هيبة فيها عزة العلماء مع عظيم مكانتهم وكبير منزلتهم، وهذه الهيبة قذفها الله في قلوب الناس، وهي تنم عن محبة وإجلال وتقدير له، لا من خوف وهلع وجبن معه، بل إن الشيخ - رحمه الله - قد فرض احترامه على الناس، بجميل شمائله وكريم أخلاقه، مما جعلهم يهابونه حياء منه، ويقدرونه في أنفسهم أشد التقدير.

ومما زاد هيبته أنه ابتعد عن ساقط القول، ومرذول اللفظ، وما يخدش الحياء أشد الابتعاد، فلا تكاد تجد في مجلسه شيئا من الضحك إلا نادرا ولماما، بل كنت تجد مجالسه عامرة بذكر الله، والتفكر والتأمل في الدار الآخرة.

ومع هذه المكانة العظيمة، والمنزلة السامية، والهيبة، فإنه آية في التواضع، وحسن المعاشرة، وعلو الهمة، وصدق العزيمة، مع عزة في النفس، وإباء في الطبع، بعيد كل البعد عن الصلف والتكلف المذموم كأنه وضع بين نصب عينيه قوله تعالى: {وما أنا من المتكلفين}.

لعل من أبرز ما تميز به شيخنا - رحمه الله - الزهد في هذه الدنيا، مع توفر أسبابها، وحصول مقاصدها له، فقد انصرف عنها بالكلية، وقدم عليها دار البقاء، لأنه علم أنها دار الفناء، متأسيا بزهد السلف الصالح - رحمهم الله - الذين كانوا من أبعد الناس عن الدنيا ومباهجها وزينتها الفانية، مع قربها منهم، فالشيخ - رحمه الله -كان مثالا يحتذي به، وعلما يقتدى به، وقدوة في الزهد والورع وإنكار الذات، والهروب من المدائح والثناءات العاطرة، وكم من مرة سمعته في بعض محاضراته، حين يطنب بعض المقدمين في ذكر مناقبه وخصاله الحميدة، وخلاله الرشيدة، يقول: "لقد قصمت ظهر أخيك، وإياكم والتمادح فإنه الذبح، اللهم اجعلني خيرا مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون" بمثل هذه الكلمات النيرة، والتوجيهات الرشيدة نراه يكره المدح والثناء كرها شديدا، وهذا يدل على زهد في القلب وعفة في الروح، وطهارة في الجوارح، وخشية للمولى جل وعلا.


فصاحته وخطابته

يعد الشيخ بن باز ـ رحمه الله ـ من أرباب الفصاحة، وأساطين اللغة وخاصة في علم النحو، وفي علوم اللغة العربية كافة.

وفصاحته تبرز في كتاباته ومحادثاته، وخطبه ومحاضراته وكلماته، فهو ذو بيان مشرق، ونبرات مؤثرة حزينة، وأداء لغوي جميل، ويميل دائما إلى الأسلوب النافع الذي كان عليه أكثر أهل العلم وهو الأسلوب المسمى "السهل الممتنع" فتجده - رحمه الله - من أكثر الناس بعدا عن التعقيد والتنطع في الكلام والتشدق في اللفظ والمعنى، والتكلف والتمتمة، بل هو سهل العبارة، عذب الأسلوب، تتسم عباراته وكتاباته بالإيجاز والإحكام والبيان.

ومن نوافل الأمور أن يقدر القارئ الكريم ثقافة الشيخ - رحمه الله - في اللغة والأدب وحسن البيان، لأن معرفة ذلك وإتقانه من الأسس الرئيسية في فهم آيات الكتاب ونصوص السنة النبوية، ومعرفة مدلولات العلماء، ولهذا كان الشيخ - رعاه الله - متمكنا مجيدا للخطابة والكتابة.

والشيخ – رحمه الله ـ خطيب مصقع، وواعظ بليغ سواء في محاضراته الكثيرة النافعة أو تعقيباته على محاضرات غيره، ومن مميزاته وخصائصه الخطابية قدرته على ترتيب أفكاره حتى لا تتشتت، وضبطه لعواطفه حتى لا تغلب عقله، ثم سلامة أسلوبه، الذي لا يكاد يعتريه اللحن في صغير من القول أو كبير، وأخيرا تحرره من كل أثر للتكلف والتنطع.

وكان الشيخ عبد العزيز – رحمه الله - صاحب بصيرة نافذة، وفراسة حادة، يعرف ذلك جيدا من عاشره وخالطه، وأخذ العلم على يديه. ومما يؤكد على فراسته أنه يعرف الرجال وينزلهم منازلهم، فيعرف الجادّ منهم في هدفه ومقصده من الدعاة وطلبة العلم فيكرمهم أشد الإكرام، ويقدمهم على من سواهم، ويخصهم بمزيد من التقدير ويسأل عنهم وعن أحوالهم دائما، وله فراسة في معرفة رؤساء القبائل والتفريق بين صالحهم وطالحهم، وله فراسة أيضا في ما يعرض عليه من المسائل العويصة، والمشكلات العلمية؛ فتجده فيها متأملا متمعنا لها، تقرأ عليه عدة مرات، حتى يفك عقدتها، ويحل مشكلها، وله فراسة أيضا في ما يتعلق بالإجابة عن أسئلة المستفتين، فهو دائما يرى الإيجاز ووضوح العبارة ووصول المقصد إن كان المستفتي عاميا من أهل البادية، وإن كان المستفتي طالب علم حريص على الترجيح في المسألة، أطال النفس في جوابه مع التعليلات وذكر أقوال أهل العلم، وتقديم الأرجح منها، وبيان الصواب بعبارات جامعة مانعة.


قوة حافظته

ومما تميّز به سماحته - رحمه الله - قوة الحافظة، وسرعة البديهة، واستحضار مسائل العلم بفهم واسع، ووفرة في العلم، وشدة في الذكاء، وغزارة في المادة العلمية، فهو - رعاه الله - صاحب ألمعية نادرة، ونجابة ظاهرة.

وإن نعمة الحفظ، وقوة الذاكرة، هما من الأسباب القوية - بعد توفيق الله عز وجل - على تمكنه من طلبه للعلم، وازدياد ثروته العلمية، المبنية على محفوظاته التي وعتها ذاكرته في مراحل التعلم والتعليم، وقد حباه الله من الذكاء وقوة الحفظ وسرعة الفهم، مما مكنه من إدراك محفوظاته العلمية عن فهم وبصيرة.

ومما يؤكد على ذلك أنه ربما سُئِلَ عن أحاديث منتقدة في الكتب الستة وغيرها من كتب السنة فيجيب عليها مع تخريجها والتكلم على أسانيدها ورجالها، وذكر أقوال أهل العلم فيها، وهو ممَّن منَّ الله عليه بحفظ الصحيحين واستحضارهما، ولا يكاد يفوته من متونهما شيء.

ومما يؤكد ويبرهن على قوة حافظته وحضور بديهته، أنه في كلماته ومحاضراته ومواعظه تجده كثير الاستدلال بالنصوص القرآنية، والأحاديث النبوية، وأقوال أهل العلم الشرعية، يأتي عليها بسياقها ولفظها وتمامها، وهكذا في اجتماعات هيئة كبار العلماء، تجده يذكر المسألة وأقوال أهل العلم فيها مبينا الجزء والصفحة والكتاب المنقول عنه القول.

وثم أمر آخر يؤكد قوة حافظته أنه يميز بين أصوات محبيه الذين يقدمون للسلام عليه، مع كثرتهم عددهم، وقد حدَّثني بعض من عاصر الشيخ قديما وحديثا أنني قدمت للسلام عليه بعد مدة من الزمن طويلة، فبادرته بالسلام، فعرفني من أول وهلة، ورد عليَّ السلام مناديا باسمي، وهذا دأبه في أغلب من يقدمون عليه للسلام.

وأيضا مما يؤكد قوة ذاكرته أنك تجده يورد القصص القديمة التي حصلت قبل ستين سنة أو أكثر كأنه مطلع عليها، ينظر إليها ويتأمل في أمرها، وهذا أمر معلوم عند من خالط الشيخ وعرفه تمام المعرفة.



مؤلفاته وآثاره العلمية

لقد أثرى الشيخ - رحمه الله - المكتبة الإسلامية بمؤلفات عديدة تنوعت بين كتب في العقيدة الإسلامية بأنواعها وأقسامها المختلفة، ونبه إلى البدع والمنكرات، وألف في الفقه وأصوله وقواعده، وفي العبادات والمعاملات والبيوع المحرمة، وكتب في الحديث وأصوله ومصطلحاته، وفي الأذكار وفوائدها.

وفي التراجم، وعن المرأة المسلمة ودورها في بناء المجتمع، وإنقاذها من براثن الكفر والشبه الضالة، وفي التشريع والجهاد في سبيل الله، وفي فضل الدعوة إلى الله، ومسئولية الشباب المسلم، وفي الحض على الزواج المبكر، كما أنه كتب كتبا تدفع المطاعن والشبهات في الدين، وكتب في الغزو الفكري، والقومية العربية، والحداثة الشعرية. فهذه الكتب المتنوعة يجمعها صدق النصيحة، مع صدق العبارة، مع الأسلوب الواضح المفهوم لخاصة الناس وعامتهم، فنفع الله بهذه المؤلفات نفعا عظيما، حتى أن كثيرا منها قد ترجم لعدة لغات ؛ لكي يستفاد منه، حتى أنني رأيت بعض كتب سماحته - في أدغال أفريقيا - وقد وصلت إلى كل بقعة من العالم الإسلامي ويحكي لي بعض الأساتذة المصريين: أنه رأى في معرض الكتاب الدولي في القاهرة صفا طويلا فاستغرب لهذا المنظر الغريب، والأمر العجيب، فأخذه حب الاستطلاع إلى الوقوف مع الناس، فإذا به يفاجأ بأن الصف من أجل أنه يوزع كتاب "التحذير من البدع" لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - يقول: فكبرت بأعلى صوتي وقلت: "جاء الحق وزهق الباطل".

وهكذا - يهيئ الله لمن أخلص نيته، وأحسن قصده، القبول في جميع الأرض، وعند جميع طبقات العالم الإسلامي.

وإليك بعضاً من مؤلفاته رحمه الله:

أولاً: الرسائل الكبيرة والمتوسطة.

1- الأدلة الكاشفة لأخطاء بعض الكتاب.

2-الأدلة النقلية والحسية على إمكان الصعود إلى الكواكب وعلى جريان الشمس وسكون الأرض.

3- إقامة البراهين على حكم من استغاث بغير الله أو صدق الكهنة والعرافين.

4- الإمام محمد بن عبد الوهاب: دعوته وسيرته.

5- بيان معنى كلمة لا إله إلا الله.

6-التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة على ضوء الكتاب والسنة.

7-- تنبيهات هامة على ما كتبه محمد علي الصابوني في صفات الله عز وجل.

8- العقيدة الصحيحة وما يضادها.

9- الدعوة إلى الله.

10-تنبيه هام على كذب الوصية المنسوبة إلى الشيخ أحمد.

11-وجوب العمل بالسنة وكفر من أنكرها.

12-الدعوة إلى الله سبحانه وأخلاق الدعاة.

13-الرسائل والفتاوى النسائية: اعتنى بجمعها ونشرها أحمد بن عثمان الشمري.

14-الفتاوى.

15-فتاوى إسلامية - ابن باز - ابن عثيمين - ابن جبرين.

16-فتاوى تتعلق بأحكام الحج والعمرة والزيارة.

17-فتاوى المرأة لابن باز واللجنة الدائمة جمع وترتيب محمد المسند.

18-فتاوى مهمة تتعلق بالحج والعمرة.

19-فتاوى وتنبيهات ونصائح.

20-الفوائد الجلية في المباحث الفرضية.

21-مجموع فتاوى ومقالات متنوعة أشرف على تجميعه وطبعه د. محمد بن سعد الشويعر. من ا - 12 طبعة دار الإفتاء.

22-مجموعة رسائل في الطهارة والصلاة والوضوء.

23-مجموعة الفتاوى والرسائل النسائية.

24-نقد القومية العربية على ضوء الإسلام والواقع.

25-وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

26-وجوب العمل بالسنة وكفر من أنكرها.

27- شرح الأصول الثلاثة.



ثناء العلماء عليه

يقول سماحة الشيخ العلامة عبد الله بن سليمان بن منيع - رعاه الله - قاضي التمييز بمكة المكرمة وعضو هيئة كبار العلماء.

إن الحديث عن سماحة شيخنا الجليل تنشرح له الصدور، وتتفتح له النفوس، ويحلو بذكره اللسان فقد كان لي مع سماحته أكثر من علاقة أهمها وأحلاها علاقتي به شيخا كريما لقد درست على يد سماحته في المراحل الدراسية الثلاث: الثانوية والجامعية والدراسات العليا في المعهد العالي للقضاء، فاستفدت من علمه الغزير، وفقهه الواسع، وأدبه الجم في التعليم والتعلم، الشيء الذي أعتز بتحصيله من سماحته، وكان ولا يزال - رحمه الله - نعم الشيخ معلما وموجها وناصحا وحريصا على الاهتمام والعناية بطلابه، فلقد أخذنا عنه - رحمه الله - العناية بالدقة في إصدار القرار الحكيم أو الفتوى أو الرأي، وأخذنا عنه المرونة في النقاش، وتبادل الآراء والوقوف عند الحقيقة والبعد عن التعصب للرأي، حيث كان - رحمه الله - يقرر " رجوعه إلى رأي الأكثرية من زملائه وإخوانه وأبنائه في بحث أمر يكون له فيه رأي مخالف فيرجع ويقول: "اللهم اهدنا فيمن هديت" وذلك حينما يظهر له رجحان الرأي المخالف له.

وقد ضرب - رحمه الله - رقما قياسيا في كرم النفس وكرم المال لم يجاره في ذلك أحد من العلماء المعاصرين فيما علمنا.

ويقول سماحة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن آل بسام عضو هيئة كبار العلماء:

شيخنا سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز - رحمه الله تعالى - هو المستحق الآن للقب - شيخ الإسلام والمسلمين - لما يبذله من مساع في خدمة الإسلام والمسلمين، فهو الداعية الكبير وهو المفتي الأول في الداخل والخارج، وهو الموجه إلى فعل كل خير، وهو رئيس المجلس التأسيسي في رابطة العالم الإسلامي، ورئيس مجمع الفقه الإسلامي، ورئيس مجلس هيئة كبار العلماء، وهو المرجع في كل شأن من شئون الإسلام؛ لما حباه الله تعالى من إخلاص لدينه وأمته؛ ولما امتاز به من سعة علم وبعد نظر، وقبول لدى المسلمين، فقد وزع وقته على خدمة الإسلام ومصالح المسلمين.

ويقول فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن عبد الرحمن الأطرم - رعاه الله - عضو الإفتاء، وعضو هيئة كبار العلماء، والأستاذ بكلية الشريعة بالرياض:

إن صفات سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز واضحة لا تخفى على معاصريه من عالم ومتعلم، فهو ذو علم جم وخلق فاضل ونظر ثاقب، وحسن خلق، وحسن معاملة مع الصغير والكبير، والعالم والمتعلم، والعامي والغريب والمعروف، والقريب والبعيد، يفيد المتعلم ويرشد الجاهل.

ونرى سماحته يزداد علوا في العلم والمعرفة وبذل العطاء من المعلومات، وقد انتشر علمه في جميع الأقطار وتزداد علاقته بالكتب من شتى الفنون من توحيد وفقه وحديث وتفسير ولغة وأصول فقه في القراءة والكتابة والإفتاء ابتداء وجوابا عليها.

وكثيرا ما يحضر لدرسه تحضيرا علميا دقيقا بأن يراجع أمهات الكتب، وكتب الشروح، وقد يقرأ عليه وهو يتناول الطعام حرصا على إفادة الطلاب؛ كما هو دأب العلماء السابقين.

وكل مواقف شيخنا - رحمه الله - طيبة ومؤثرة، تأثرت بعلمه وأخلاقه وبقبول توجيهه، وبتواضعه وانشراح صدره وتأثيره على العامة والخاصة ، فهو محل ثقة في المعتقدات وفي علم الحلال والحرام والوعظ والإرشاد والترغيب والترهيب؛ فلا يكاد يقف موقفا ويعدم التأثير.

ويقول الدكتور عبد الله عبد المحسن التركي وزير الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد (سابقا):

قد وهب الله عز وجل سماحة والدنا وشيخنا العلامة الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله بن باز، من الصفات الحسنة، والخلال الحميدة، والشمائل الكريمة ؛ الشيء الكثير، فهو في مقدمة علماء الشريعة في المملكة العربية السعودية، بل وعلى مستوى العالم، وهو إلى جانب ما وهبه الله من العلم الواسع تجتمع فيه خلال قلّ أن تجتمع في غيره، فقد عرفته كما عرفه غيري عالما فاضلا، ضرب من نفسه المثل والقدوة في التواضع والسماحة والكرم والإيثار، والزهد والورع والتقوى، والسعي في حاجات المسلمين أفرادا وهيئات، والاهتمام بهم حيث كانوا.

وقد سبق أن منح سماحته - رحمه الله - جائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام تقديرا لعلمه وجهوده في هذا المجال المهم. جزى الله سماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز كل خير عنا وعن الإسلام والمسلمين على ما قدم من جهود وخدمات، وعلى نصحه وإخلاصه، وضاعف له الثواب..

ويقول فضيلة الشيخ: عبد الله بن إبراهيم الفنتوخ مدير عام الدعوة بالداخل والجزيرة العربية سابقا.

منذ عرفته في عام 1363 هـ، وحتى الآن وسمعته ومكانته الحسنة، تتمدد تمدد أشعة النور النافذ، ترتفع مع النجاد، وتنزل إلى الوهاد، لا تغلق دونها الأبواب، وليس لها حجاب، ولا يحرم منها هياب، ولا يمحوها ضباب، كأنها شمس لا تغيب، يستضيء بها البعيد والقريب.

تحلى سماحته بصفة الأمانة في الدين، وجمع إليها صفات نادرة، فحاز من المكارم ما لم يحزه ذو سلطان، ولا ذو فصاحة وبيان، ولا ذو نسب ومال وكيان؛ بل جمع الله له محاسن الأخلاق شيماً ومروءة وشمما يندر أن تجتمع لأحد، فسبحان من يختص بفضله من يشاء.

وأما تعامله مع الناس فسماحته يتعامل معهم تعامل الأخ مع إخوانه، ويتبادل معهم البساطة ونوادر المرح الرفيع بما لا يضيع الوقت عن الأهم. وأود أن أشير هنا إلى أنه ليس للمناصب أي أثر على حياته العلمية لأن صفات الأمانة الإسلامية التي فيه لم تبنها المناصب، وإنما بناها الله بما حباه الله من علم شرعي وأعمال صالحة وأخلاق نبيلة وهكذا علاقته مع الناس، وأثر المناصب يتجلى في توفير الإمكانيات والنفوذ.

و يقول معالي الشيخ د. صالح بن عبد الله بن حميد إمام وخطيب المسجد الحرام، وعضو مجلس الشورى: لقد عاش الشيخ حياة علمية دعوية متوازنة يتوافق فيها الفكر مع العمل، ويقترن فيها العلم بالسلوك، حياة تجلي في توازنها الفكر الثاقب، والعطاء النير، والإسهام العميق، والمدد الغزير في ميادين الحياة كافة، امتداد في العلم والدعوة والتربية والتوجيه، شمل أصقاعا عريضة من العالم الفسيح من خلال أثره الفكري المقروء والمسموع ومشاركاته الميدانية في المؤتمرات والمجامع والحلقات والمنابر والمجالس واللجان، رئاسة وأستاذية وعضوية، إنه رجل شاء الله أن يقع على كاهله، أعباء جسام في الدعوة والإرشاد والبحث العلمي والإفتاء، وخدمة قضايا المسلمين كافة.

إن العطاء والتوازن والتثبت في حياة الشيخ وسيرته - علما وتعليما ودعوة - جلي بارز من خلال الرصد للقنوات التي صبغت عطاء الشيخ وأطرت أثره في إطار متميز، ولعل ذلك يتبين من هذه القنوات الثلاث الكبرى:

الأولى: الإيمان العميق، والعقيدة الراسخة في الله ورسوله وكتابه ودين الإسلام، وأثر ذلك في سيرته ومسيرته، سلوكا حسنا، وورعا وزهدا، وصدقا في اللهجة، وحبا للناس، وثقة متبادلة وعطفا ورقة، وكرما وبذلا.

الثانية: التأصيل العلمي المبني على أصلي الدين: الكتاب والسنة فالشيخ يحفظ القرآن كله ويتدبره، ويحفظ الكثير من السنة ويفقهها، فهو دائم التلاوة للقرآن بتدبر، قدير في الاستحضار للسنة بتفهم، سريع الاستشهاد بها، ملتزم للاسترشاد بنورهما، مع دعوته الظاهرة في كل مجلس وناد للأخذ بهما والرجوع إليهما والحث على مداومة قراءتهما ومطالعتهما، وحفظ المتيسر منهما.

الثالثة: روح الاجتهاد والاستنباط المنبثقة من الفقه المتين والدارسة الواعية والفهم العميق والفكر المستنير مع الإحاطة البينة بمقاصد الشريعة وأصولها وقواعدها وضوابطها. ومن يسبر ذلك ويرصده في حياة هذا الإمام يدرك وضوح الطريق عنده، وانسجامه مع نفسه، ومن حوله في توافق سوي وسيرة معتدلة ونهج قويم. هذا هو الشيخ الذي يزكو شكره، ويعلو عند أهل العصر ذكره، ويعني الأمة أمره.

مواقف من حياته

وفي حياة سماحته مواقف كثيرة منها ما يناسب ذكره، ومنها ما أحتفظ به وهو كثير. ومما يناسب ذكره أن ضيفا من تلاميذه الأفاضل، أفريقي متجنس، بات عنده، فقام سماحة الشيخ آخر الليل للتهجد، وكانت غرفة الضيف بعيدة عن مقر الماء، وفي هذه الساعة يندر من يكون مستيقظا، وهو يكره الإزعاج، فذهب - سماحته - بنفسه إلى مقر الماء بالإبريق، رغم أنه كريم العينين، وملأ الإبريق وجاء به إلى مقر باب غرفة الضيف ثم أيقظه برفق لعلمه بالرغبة في ذلك.

ثم ذهب عن الباب، حتى لا يحرج الضيف، فخرج الضيف مسرعا، فرأى الشيخ - رحمه الله - قد ولى وترك الإبريق عند الباب من خارجه، والضيف من أهل العلم، وهو من تلاميذ الشيخ.

ـــــــــــــ

(1) ملخص بتصرف عن كتاب "الإنجاز في ترجمة الإمام عبد العزيز بن باز "

العفو عند المقدرة
07-12-2007, 21:39
الشيخ الشعراوي

--------------------------------------------------------------------------------

الشيخ الشعراوي
عرف بأسلوبه العذب البسيط في تفسير القرآن، وكان تركيزه على النقاط الإيمانية في تفسيره جعله يقترب من قلوب الناس، وبخاصة وأن أسلوبه يناسب جميع المستويات والثقافات.

إنه الشيخ محمد متولي الشعراوي أشهر من فسر القرآن في عصرنا.

مولده وتعليمه

ولد فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي في 5 أبريل عام 1911 م بقرية دقادوس مركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية وحفظ القرآن الكريم في الحادية عشرة من عمره.

في عام 1926 م التحق الشيخ الشعراوي بمعهد الزقازيق الابتدائي الأزهري، وأظهر نبوغاً منذ الصغر في حفظه للشعر والمأثور من القول والحكم، ثم حصل على الشهادة الابتدائية الأزهرية سنة 1923م، ودخل المعهد الثانوي، وزاد اهتمامه بالشعر والأدب، و حظى بمكانة خاصة بين زملائه، فاختاروه رئيسًا لاتحاد الطلبة، ورئيسًا لجمعية الأدباء بالزقازيق، وكان معه في ذلك الوقت الدكتور محمد عبد المنعم خفاجى، والشاعر طاهر أبو فاشا، والأستاذ خالد محمد خالد والدكتور أحمد هيكل والدكتور حسن جاد، وكانوا يعرضون عليه ما يكتبون.

وكانت نقطة تحول في حياة الشيخ الشعراوي، عندما أراد له والده إلحاقه بالأزهر الشريف بالقاهرة، وكان الشيخ الشعراوي يود أن يبقى مع إخوته لزراعة الأرض، ولكن إصرار الوالد دفعه لاصطحابه إلى القاهرة، ودفع المصروفات وتجهيز المكان للسكن.

فما كان من الشيخ إلا أن اشترط على والده أن يشتري له كميات من أمهات الكتب في التراث واللغة وعلوم القرآن والتفاسير وكتب الحديث النبوي الشريف، كنوع من التعجيز حتى يرضى والده بعودته إلى القرية.

لكن والده فطن إلى تلك الحيلة، واشترى له كل ما طلب قائلاً له: أنا أعلم يا بني أن جميع هذه الكتب ليست مقررة عليك، ولكني آثرت شراءها لتزويدك بها كي تنهل من العلم.

فما كان أمام الشيخ إلا أن يطيع والده، ويتحدى رغبته في العودة إلى القرية، فأخذ يغترف من العلم، ويلتهم منه كل ما تقع عليه عيناه.

والتحق الشعراوي بكلية اللغة العربية سنة 1937م، وانشغل بالحركة الوطنية والحركة الأزهرية، فثورة سنة 1919م اندلعت من الأزهر الشريف، ومن الأزهر خرجت المنشورات التي تعبر عن سخط المصريين ضد الإنجليز المحتلين. ولم يكن معهد الزقازيق بعيدًا عن قلعة الأزهر الشامخة في القاهرة، فكان الشيخ يزحف هو وزملائه إلى ساحات الأزهر وأروقته، ويلقى بالخطب مما عرضه للاعتقال أكثر من مرة، وكان وقتها رئيسًا لاتحاد الطلبة سنة 1934م.

التدرج الوظيفي

تخرج الشيخ عام 1940 م، وحصل على العالمية مع إجازة التدريس عام 1943م.

بعد تخرجه عين الشعراوي في المعهد الديني بطنطا، ثم انتقل بعد ذلك إلى المعهد الديني بالزقازيق ثم المعهد الديني بالإسكندرية وبعد فترة خبرة طويلة انتقل الشيخ الشعراوي إلى العمل في السعودية عام 1950 ليعمل أستاذًا للشريعة بجامعة أم القرى.

ولقد اضطر الشيخ الشعراوي أن يدرِّس مادة العقائد رغم تخصصه أصلاً في اللغة وهذا في حد ذاته يشكل صعوبة كبيرة إلا أن الشيخ الشعراوي استطاع أن يثبت تفوقه في تدريس هذه المادة لدرجة كبيرة لاقت استحسان وتقدير الجميع. وفي عام 1963 حدث الخلاف بين الرئيس جمال عبد الناصر وبين الملك سعود. وعلى أثر ذلك منع الرئيس عبد الناصر الشيخ الشعراوي من العودة ثانية إلى السعودية وعين في القاهرة مديرًا لمكتب شيخ الأزهر الشريف الشيخ حسن مأمون. ثم سافر بعد ذلك الشيخ الشعراوي إلى الجزائر رئيسًا لبعثة الأزهر هناك ومكث بالجزائر حوالي سبع سنوات قضاها في التدريس وأثناء وجوده في الجزائر حدثت نكسة يونيو 1967، وقد تألم الشيخ الشعراوي كثيرًا لأقسى الهزائم العسكرية التي منيت بها مصر والأمة العربية وحين عاد الشيخ الشعراوي إلى القاهرة وعين مديرًا لأوقاف محافظة الغربية فترة، ثم وكيلا للدعوة والفكر، ثم وكيلاً للأزهر ثم عاد ثانية إلى المملكة العربية السعودية، حيث قام بالتدريس في جامعة الملك عبد العزيز.

وفي نوفمبر 1976م اختار السيد ممدوح سالم رئيس الوزراء آنذاك أعضاء وزارته، وأسند إلى الشيخ الشعراوي وزارة الأوقاف وشئون الأزهر. فظل الشعراوي في الوزارة حتى أكتوبر عام 1978م.

وبعد أن ترك بصمة طيبة على جبين الحياة الاقتصادية في مصر، فهو أول من أصدر قرارًا وزاريًا بإنشاء أول بنك إسلامي في مصر وهو (بنك فيصل) حيث إن هذا من اختصاصات وزير الاقتصاد أو المالية (د. حامد السايح في هذه الفترة)، الذي فوضه، ووافقه مجلس الشعب على ذلك.

وقال في ذلك: إنني راعيت وجه الله فيه ولم أجعل في بالي أحدًا لأنني علمت بحكم تجاربي في الحياة أن أي موضوع يفشل فيه الإنسان أو تفشل فيه الجماعة هو الموضوع الذي يدخل هوى الشخص أو أهواء الجماعات فيه. أما إذا كانوا جميعًا صادرين عن هوى الحق وعن مراده، فلا يمكن أبدًا أن يهزموا، وحين تدخل أهواء الناس أو الأشخاص، على غير مراد الله، تتخلى يد الله.

وفي سنة 1987م اختير فضيلته عضواً بمجمع اللغة العربية (مجمع الخالدين). وقرَّظه زملاؤه بما يليق به من كلمات، وجاء انضمامه بعد حصوله على أغلبية الأصوات (40عضوًا). وقال يومها: ما أسعدني بهذا اللقاء، الذي فرحت به فرحًا على حلقات: فرحت به ترشيحًا لي، وفرحت به ترجيحًا لي، وفرحت به استقبالاً لي، لأنه تكريم نشأ عن إلحاق لا عن لحوق، والإلحاق استدعاء، أدعو الله بدعاء نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أستعيذك من كل عمل أردت به وجهك مخالطاً فيه غيرك. فحين رشحت من هذا المجمع آمنت بعد ذلك أننا في خير دائم، وأننا لن نخلو من الخير ما دام فينا كتاب الله، سألني البعض: هل قبلت الانضمام إلى مجمع الخالدين، وهل كتب الخلود لأحد؟ وكان ردي: إن الخلود نسبي، وهذا المجمع مكلف بالعربية، واللغة العربية للقرآن، فالمجمع للقرآن، وسيخلد المجمع بخلود القرآن.


أسرة الشعراوي

تزوج الشيخ الشعراوي وهو في الابتدائية بناء على رغبة والده الذي اختار له زوجته، ووافق الشيخ على اختياره، وكان اختيارًا طيبًا لم يتعبه في حياته، وأنجب الشعراوي ثلاثة أولاد وبنتين، الأولاد: سامي وعبد الرحيم وأحمد، والبنتان فاطمة وصالحة. وكان الشيخ يرى أن أول عوامل نجاح الزواج هو الاختيار والقبول من الطرفين. وعن تربية أولاده يقول: أهم شيء في التربية هو القدوة، فإن وجدت القدوة الصالحة سيأخذها الطفل تقليدًا، وأي حركة عن سلوك سيئ يمكن أن تهدم الكثير.

فالطفل يجب أن يرى جيدًا، وهناك فرق بين أن يتعلم الطفل وأن تربي فيه مقومات الحياة، فالطفل إذا ما تحركت ملكاته وتهيأت للاستقبال والوعي بما حوله، أي إذا ما تهيأت أذنه للسمع، وعيناه للرؤية، وأنفه للشم، وأنامله للمس، فيجب أن نراعي كل ملكاته بسلوكنا المؤدب معه وأمامه، فنصون أذنه عن كل لفظ قبيح، ونصون عينه عن كل مشهد قبيح.

وإذا أردنا أن نربي أولادنا تربية إسلامية، فإن علينا أن نطبق تعاليم الإسلام في أداء الواجبات، وإتقان العمل، وأن نذهب للصلاة في مواقيتها، وحين نبدأ الأكل نبدأ باسم الله، وحين ننتهي منه نقول: الحمد لله.. فإذا رآنا الطفل ونحن نفعل ذلك فسوف يفعله هو الآخر حتى وإن لم نتحدث إليه في هذه الأمور، فالفعل أهم من الكلام.


الجوائز التي حصل عليها
منح الإمام الشعراوي وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى لمناسبة بلوغه سن التقاعد في 15/4/1976 م قبل تعيينه وزيرًا للأوقاف وشئون الأزهر.

ومنح وسام الجمهورية من الطبقة الأولى عام 1983م وعام 1988م، ووسام في يوم الدعاة.

حصل على الدكتوراه الفخرية في الآداب من جامعتي المنصورة والمنوفية.

اختارته رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة عضوًا بالهيئة التأسيسية لمؤتمر الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية، الذي تنظمه الرابطة، وعهدت إليه بترشيح من يراهم من المحكمين في مختلف التخصصات الشرعية والعلمية، لتقويم الأبحاث الواردة إلى المؤتمر.

أعدت حوله عدة رسائل جامعية منها رسالة ماجستير عنه بجامعة المنيا ـ كلية التربية ـ قسم أصول التربية، وقد تناولت الرسالة الاستفادة من الآراء التربوية لفضيلة الشيخ الشعراوي في تطوير أساليب التربية المعاصرة في مصر.

جعلته محافظة الدقهلية شخصية المهرجان الثقافي لعام 1989م والذي تعقده كل عام لتكريم أحد أبنائها البارزين، وأعلنت المحافظة عن مسابقة لنيل جوائز تقديرية وتشجيعية، عن حياته وأعماله ودوره في الدعوة الإسلامية محليًا، ودوليًا، ورصدت لها جوائز مالية ضخمة.


مؤلفات الشيخ الشعراوي
للشيخ الشعراوي عدد من المؤلفات، قام عدد من محبيه بجمعها وإعدادها للنشر، وأشهر هذه المؤلفات وأعظمها تفسير الشعراوي للقرآن الكريم، ومن هذه المؤلفات:

الإسراء والمعراج.

أسرار بسم الله الرحمن الرحيم.

الإسلام والفكر المعاصر.

الإسلام والمرأة، عقيدة ومنهج.

الشورى والتشريع في الإسلام.

الصلاة وأركان الإسلام.

الطريق إلى الله.

الفتاوى.

لبيك اللهم لبيك.

100 سؤال وجواب في الفقه الإسلامي.

المرأة كما أرادها الله.

معجزة القرآن.

من فيض القرآن.

نظرات في القرآن.

على مائدة الفكر الإسلامي.

القضاء والقدر.

هذا هو الإسلام.

المنتخب في تفسير القرآن الكريم.


الشاعر

عشق الشيخ الشعراوي ـ رحمه الله ـ اللغة العربية، وعرف ببلاغة كلماته مع بساطة في الأسلوب، وجمال في التعبير، ولقد كان للشيخ باع طويل مع الشعر، فكان شاعرا يجيد التعبير بالشعر في المواقف المختلفة، وخاصة في التعبير عن آمال الأمة أيام شبابه، عندما كان يشارك في العمل الوطني بالكلمات القوية المعبرة، وكان الشيخ يستخدم الشعر أيضاً في تفسير القرآن الكريم، وتوضيح معاني الآيات، وعندما يتذكر الشيخ الشعر كان يقول "عرفوني شاعراً"

وعن منهجه في الشعر يقول: حرصت على أن أتجه في قصائدي إلى المعنى المباشر من أقصر طريق.. بغير أن أحوم حوله طويلا.. لأن هذا يكون الأقرب في الوصول إلى أعماق القلوب. خاصة إذا ما عبرت الكلمات بسيطة وواضحة في غير نقص. وربما هذا مع مخاطبتي للعقل هو ما يغلب على أحاديثي الآن للناس.

يقول في قصيدة بعنوان "موكب النور":

أريحي السمــاح والإيثـار*****لك إرث يا طيبة الأنـوار

وجلال الجمال فيـك عريق*****لا حرمنا ما فيه من أسـرار

تجتلي عندك البصائر معنى*****فوق طوق العيون والأبصار


الشعر ومعاني الآيات
ويتحدث إمام الدعاة فضيلة الشيخ الشعراوي في مذكراته التي نشرتها صحيفة الأهرام عن تسابق أعضاء جمعية الأدباء في تحويل معاني الآيات القرآنية إلى قصائد شعر. كان من بينها ما أعجب بها رفقاء الشيخ الشعراوي أشد الإعجاب إلى حد طبعها على نفقتهم وتوزيعها. يقول إمام الدعاة ومن أبيات الشعر التي اعتز بها، ما قلته في تلك الآونة في معنى الرزق ورؤية الناس له. فقد قلت:

تحرى إلى الرزق أسبابه

فإنـك تجـهل عنـوانه

ورزقـك يعرف عنوانك

وعندما سمع سيدنا الشيخ الذي كان يدرس لنا التفسير هذه الأبيات قال لي: يا ولد هذه لها قصة عندنا في الأدب. فسألته: ما هي القصة: فقال: قصة شخص اسمه عروة بن أذينة.. وكان شاعرا بالمدينة وضاقت به الحال، فتذكر صداقته مع هشام بن عبد الملك.. أيام أن كان أمير المدينة قبل أن يصبح الخليفة. فذهب إلى الشام ليعرض تأزم حالته عليه لعله يجد فرجا لكربه. ولما وصل إليه استأذن على هشام ودخل. فسأله هشام كيف حالك يا عروة؟. فرد: والله إن الحال قد ضاقت بي.. فقال لي هشام: ألست أنت القائل:

لقد علمت وما الإشراق من خلقي***إن الذي هـو رزقي سوف يأتيني

واستطرد هشام متسائلا: فما الذي جعلك تأتي إلى الشام وتطلب مني.. فأحرج عروة الذي قال لهشام: جزاك الله عني خيرا يا أمير المؤمنين.. لقد ذكرت مني ناسيا، ونبهت مني غافلا.. ثم خرج..

وبعدها غضب هشام من نفسه لأنه رد عروة مكسور الخاطر.. وطلب القائم على خزائن بيت المال وأعد لعروة هدية كبيرة وحملوها على الجمال.. وقام بها حراس ليلحقوا بعروة في الطريق.. وكلما وصلوا إلى مرحلة يقال لهم: كان هنا ومضى. وتكرر ذلك مع كل المراحل إلى أن وصل الحراس إلى المدينة.. فطرق قائد الركب الباب وفتح له عروة.. وقال له: أنا رسول أمير المؤمنين هشام.. فرد عروة: وماذا أفعل لرسول أمير المؤمنين وقد ردني وفعل بي ما قد عرفتم ؟..

فقال قائد الحراس: تمهل يا أخي.. إن أمير المؤمنين أراد أن يتحفك بهدايا ثمينة وخاف أن تخرج وحدك بها.. فتطاردك اللصوص، فتركك تعود إلى المدينة وأرسل إليك الهدايا معنا.. ورد عروة: سوف أقبلها ولكن قل لأمير المؤمنين لقد قلت بيتا ونسيت الآخر.. فسأله قائد الحراس:

ما هو ؟.. فقال عروة:

أسعى له فيعييني تطلبه*** ولو قعدت أتاني يعينني
وهذا يدلك ـ فيما يضيفه إمام الدعاة ـ على حرص أساتذتنا على أن ينمو في كل إنسان موهبته، ويمدوه بوقود التفوق.

مواقف وطنية

ويروي إمام الدعاة الشيخ الشعراوي في مذكراته وقائع متفرقة الرابط بينها أبيات من الشعر طلبت منه وقالها في مناسبات متنوعة.. وخرج من كل مناسبة كما هي عادته بدرس مستفاد ومنها مواقف وطنية.

يقول الشيخ: و أتذكر حكاية كوبري عباس الذي فتح على الطلاب من عنصري الأمة وألقوا بأنفسهم في مياه النيل شاهد الوطنية الخالد لأبناء مصر. فقد حدث أن أرادت الجامعة إقامة حفل تأبين لشهداء الحادث ولكن الحكومة رفضت.. فاتفق إبراهيم نور الدين رئيس لجنة الوفد بالزقازيق مع محمود ثابت رئيس الجامعة المصرية على أن تقام حفلة التأبين في أية مدينة بالأقاليم. ولا يهم أن تقام بالقاهرة.. ولكن لأن الحكومة كان واضحا إصرارها على الرفض لأي حفل تأبين فكان لابد من التحايل على الموقف.. وكان بطل هذا التحايل عضو لجنة الوفد بالزقازيق حمدي المرغاوي الذي ادعى وفاة جدته وأخذت النساء تبكي وتصرخ.. وفي المساء أقام سرادقا للعزاء وتجمع فيه المئات وظنت الحكومة لأول وهلة أنه حقا عزاء.. ولكن بعد توافد الأعداد الكبيرة بعد ذلك فطنت لحقيقة الأمر.. بعد أن أفلت زمام الموقف وكان أي تصد للجماهير يعني الاصطدام بها.. فتركت الحكومة اللعبة تمر على ضيق منها.. ولكنها تدخلت في عدد الكلمات التي تلقى لكيلا تزيد للشخص الواحد على خمس دقائق.. وفي كلمتي بصفتي رئيس اتحاد الطلبة قلت: شباب مات لتحيا أمته وقبر لتنشر رايته وقدم روحه للحتف والمكان قربانا لحريته ونهر الاستقلال.. ولأول مرة يصفق الجمهور في حفل تأبين. وتنازل لي أصحاب الكلمة من بعدي عن المدد المخصصة لهم.. لكي ألقى قصيدتي التي أعددتها لتأبين الشهداء البررة والتي قلت في مطلعها:

نــداء يابني وطني نــداء*****دم الشهداء يذكره الشبــاب

وهل نسلوا الضحايا والضحايا*****بهم قد عز في مصر المصاب

شبـــاب برَّ لم يفْرِق.. وأدى*****رسالته، وها هي ذي تجاب

فلـم يجبن ولم يبخل وأرغى*****وأزبد لا تزعزعـــه الحراب

وقــــدم روحه للحق مهرًا*****ومن دمه المراق بدا الخضاب

وآثر أن يمــــوت شهيد مصر*****لتحيا مصر مركزها مهاب


مع الشعراء

وللشيخ الشعراوي ذكريات مع الشعراء والأدباء، شهدت معارك أدبية ساخنة، وكان للشيخ فيها مواقف لا تنسى.

يقول الشيخ: حدث أيام الجماعة الأدبية التي كنت أرأسها حوالي عام 1928.. والتي كانت تضم معي أصدقاء العمر الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي ـ أطال الله عمره ـ والمرحوم محمد فهمي عبد اللطيف وكامل أبو العينين وعبد الرحمن عثمان رحمه الله.. حدث أن كانوا على صلة صداقة مع شاعر مشهور وقتها بطول اللسان والافتراء على أي إنسان اسمه عبد الحميد الديب، صاحب قصيدة "دع الشكوى وهات الكأس واسكر".. والذي لم يسلم أحد من لسانه.. والذي كان يعيش على هجاء خلق الله إلى أن يمنحوه مالا.. وجاءت ذات ليلة سيرتي أمامه.. وقال له الأصدقاء أعضاء الجماعة الأدبية عن كل ما أقرضته من قصائد شعرية.. فرد وقال: الشيخ الشعراوي شاعر كويس.. ولكن لا يصح أن يوصف بأنه شاعر.. ولما سألوه: لماذا؟.. قال: إن المفترض في شعر الشاعر أن يكون مجودا في كل غرض.. وهو لم يقل شعرا في غرضين بالذات ولما حكوا لي عن هذا الذي قاله الشاعر محجوب عبد الحميد الديب.. قلت لهم: أما أنني لم أقل شعرا في الغزل.. فأرجو أن تبلغوه بأنني أقرضت الشعر في الغزل أيضا.. لكنه غزل متورع.. وانقلوا إليه الأبيات عني.. والتي قلت فيها:

مــن لم يحركه الجمال فناقـص تكوينه*****وسوى خلق الله من يهوي ويسمح دينه

سبحان من خلق الجمال والانهزام لسطوته*****ولهذا يأمرنا بغض الطرف عنه لرحمته

مـن شاء يطلبه فلا إلا بطــهر شريعته*****وبذا يدوم لنـا التمتــع ها هنا وبجنته

وأما عن الهجاء فقلت لأصدقائي: إنني لا أجد موضوعا أتناوله إلا أن أهجو عبد الحميد الديب نفسه.. ولن أشهر به.. ولكن فليأت إلينا.. ويجلس معنا.. وأقول له أنني سوف أهجوك بكذا وكذا.. ثم أخيره بعد ذلك أن يعلن هجائي له أو لا يعلنه.. وقد تحداني وقدم إلى منزلي بباب الخلق وسألني: ما الذي سوف تقوله في عبد الحميد الديب يا ابن الشعراوي؟ فقلت له: والله لن أقول شعري في هجائك لأحد إلى أن تقوله أنت وأنا أقطع بأنك لن تكرر على مسامع الناس هجائي لك.. وبالفعل ما سمعه عبد الحميد الديب مني في هجائه لم يستطع ـ كما توقعت ـ أن يكرره على مسامع أحد.. ولذلك كنت الوحيد من شلة الأدباء الذي سلم من لسانه بعدها. لأنه خاف مني وعلم قوتي في شعر الهجاء أيضا.. ومن هنا ترسخ يقيني بأن التصدي للبطش والقوة لا يكون إلا بامتلاك نفس السلاح.. سلاح القوة ولكن بغير بطش..


أشعار ومناسبات

ويقول الشيخ عن أشعاره في المناسبات المختلفة: كنا في كل مناسبة نعقد ندوات ونلقي بالأشعار، وكان هذا مبعث نهضة أدبية واسعة في زماننا.. كانت معينا لا ينضب لغذاء القلب والعقل والروح لا يفرغ أبدا.. وأذكر من هذه الأيام أن كنا نحيي في قريتنا ذكرى الوفاء الأولى لرحيل حبيب الشعب سعد زغلول. وطلب مني خالي أن أقرض أبياتا في تأبين الزعيم.. فقلت على ما أذكر:

عام مضى وكأنه أعوام*****يا ليته ما كان هذا العام

ويومها قال لي خالي ومن سمعوني: يا آمين.. قلت وأوجزت.. وعبرت.. عما يجيش في صدور الخلق.


قالوا عن الشيخ الشعراوي
فقد العلماء بالموت خسارة إنسانية كبرى، إن الناس يحسون عندئذ أن ضوءا مشعا قد خبا، وأن نورا يهديهم قد احتجب، ولقد كان هذا شيئا قريبا من إحساسنا بموت الشيخ محمد متولي الشعراوي يرحمه الله تبارك وتعالى.

كان أول ظهور له على المستوى العام "في التليفزيون" هو ظهوره في برنامج "نور على نور" للأستاذ أحمد فراج.

وكانت الحلقة الأولى التي قدمها عن حلية رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

كانت الحلقة تتحدث عن أخلاق الرسول وشمائله، ورغم أن هذا الموضوع قديم كتب فيه الكاتبون، وتحدث فيه المتحدثون، إلا أن الناس أحسوا أنهما أمام فكر جديد وعرض جديد ومذاق جديد.. لقد أحسوا أنهم يسمعون هذا الكلام لأول مرة.

ولعل هذه كانت أول مزية للشيخ الشعراوي، إن القديم كان يبدو جديدا على لسانه، أيضا أشاعت هذه الحلقة إحساسا في الناس بأن الله يفتح على الشيخ الشعراوي وهو يتحدث، ويلهمه معاني جديدة وأفكارا جديدة.

بعد هذا القبول العام انخرط الشيخ الشعراوي في محاولة لتفسير القرآن وأوقف حياته على هذه المهمة؛ ولأنه أستاذ للغة أساسا كان اقترابه اللغوي من التفسير آية من آيات الله، وبدا هذا التفسير للناس جديدا كل الجدة، رغم قدمه ورغم أن تفسير القرآن قضية تعرض لها آلاف العلماء على امتداد القرون والدهور، إلا أن تفسير الشيخ الشعراوي بدا جديدا ومعاصرا رغم قدمه، وكانت موهبته في الشرح وبيان المعاني قادرة على نقل أعمق الأفكار بأبسط الكلمات.. وكانت هذه موهبته الثانية.

وهكذا تجمعت القلوب حول الرجل وأحاطته بسياج منيع من الحب والتقدير.. وزاد عطاؤه وزاد إعجاب الناس به، ومثل أي شمعة تحترق من طرفيها لتضيء مضي الشيخ الشعراوي في مهمته حتى اختاره الله إلى جواره.. عزاء لنا وللأمة الإسلامية.

"أحمد بهجت"

إن الشيخ الشعراوي عليه رحمة الله كان واحدًا من أعظم الدعاة إلى الإسلام في العصر الذي نعيش فيه. والملكة غير العادية التي جعلته يطلع جمهوره على أسرار جديدة وكثيرة في القرآن الكريم.

وكان ثمرة لثقافته البلاغية التي جعلته يدرك من أسرار الإعجاز البياني للقرآن الكريم ما لم يدركه الكثيرون وكان له حضور في أسلوب الدعوة يشرك معه جمهوره ويوقظ فيه ملكات التلقي. ولقد وصف هو هذا العطاء عندما قال: "إنه فضل جود لا بذل جهد". رحمه الله وعوض أمتنا فيه خيرًا.

د."محمد عمارة"

إن الشيخ الشعراوي قد قدم لدينه ولأمته الإسلامية وللإنسانية كلها أعمالا طيبة تجعله قدوة لغيره في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.

د."محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر"

فقدت الأمة الإسلامية علما من أعلامها كان له أثر كبير في نشر الوعي الإسلامي الصحيح، وبصمات واضحة في تفسير القرآن الكريم بأسلوب فريد جذب إليه الناس من مختلف المستويات الثقافية.

د."محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف"

إن الشعراوي أحد أبرز علماء الأمة الذين جدد الله تعالى دينه على يديهم كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: [إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها].

د."أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر"



إن الفقيد واحد من أفذاذ العلماء في الإسلام قد بذل كل جهد من أجل خدمة الأمة في دينها وأخلاقها.

"الشيخ أحمد كفتارو مفتي سوريا"
إن الجمعية الشرعية تنعى إلى الأمة الإسلامية فقيد الدعوة والدعاة إمام الدعاة إلى الله تعالى، حيث انتقل إلى رحاب ربه آمنا مطمئنا بعد أن أدى رسالته كاملة وبعد أن وجه المسلمين جميعًا في مشارق الأرض ومغاربها إلى ما يصلح شئون حياتهم ويسعدهم في آخرتهم. فرحم الله شيخنا الشعراوي رحمة واسعة وجعله في مصاف النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا وجزاه الله عما قدم للإسلام والمسلمين خير الجزاء.

د."فؤاد مخيمر رئيس عام الجمعية الشرعية"
لا شك أن وفاة الإمام الراحل طيب الذكر فضيلة الشيخ الشعراوي تمثل خسارة فادحة للفكر الإسلامي والدعوة الإسلامية والعالم الإسلامي بأسره، فقد كان رحمه الله رمزًا عظيمًا من رموز ذلك كله وخاصة في معرفته الشاملة للإسلام وعلمه المتعمق وصفاء روحه وشفافية نفسه واعتباره قدوة تحتذى في مجال العلم والفكر والدعوة الإسلامية وإن حزننا لا يعادله إلا الابتهال إلى الله بأن يطيب ثراه وأن يجعل الجنة مثواه.

"د. أحمد هيكل وزير الثقافة السابق"
لا ينبغي أن نيأس من رحمة الله والإسلام الذي أفرز الشيخ الشعراوي قادر على أن يمنح هذه الأمة نماذج طيبة وعظيمة ورائعة تقرب على الأقل من الشيخ الشعراوي ومع ذلك نعتبر موته خسارة كبيرة، خسارة تضاف إلى خسائر الأعوام الماضية أمثال أساتذتنا الغزالي وجاد الحق وخالد محمد خالد. وأخشى أن يكون هذا نذير اقتراب يوم القيامة الذي أخبرنا الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن من علاماته أن يقبض العلماء الأكفاء الصالحون وأن يبقى الجهال وأنصاف العلماء وأشباههم وأرباعهم فيفتوا بغير علم ويطوعوا دين الله وفقا لضغوط أولياء الأمور ويصبح الدين منقادًا لا قائدًا.

ونسأل الله أن يجنب الأمة شر هذا وأن يخلفها في الشيخ الشعراوي خيرًا.

"د. عبد الحليم عويس أستاذ التاريخ الإسلامي"

العفو عند المقدرة
07-12-2007, 21:40
الشيخ أبو الحسن الندوي

--------------------------------------------------------------------------------

رباني الأمة

عالم رباني وداعية مجاهد وأديب تميز بجمال الأسلوب وصدق الكلمات، إنه الداعية الكبير ورباني الأمة الشيخ أبو الحسن الندوي ـ رحمه الله ـ صاحب كتاب من أشهر كتب المكتبة الإسلامية في هذا القرن وهو كتاب "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين"



من هو أبو الحسن الندوي؟
الشيخ أبو الحسن الندوي غني عن التعريف فقد عرفه الناس من خلال مؤلفاته الرائدة التي تعد من المصابيح التي أضاءت الطريق أمام طلاب العلم من جيله والأجيال التي تلته، ونذكر هنا سطورا ومواقف لا تنسى من حياته.

ولد بقرية تكية، مديرية رائي بريلي، الهند عام 1332هـ/ 1913م.

تعلم في دار العلوم بالهند (ندوة العلماء)، والتحق بمدرسة الشيخ أحمد علي في لاهور، حيث تخصص, في علم التفسير، ومن يوم تخرجه أصبح شعلة للنشاط الإسلامي سواء في الهند أو خارجها، وقد شارك رحمه الله في عدد من المؤسسات والجمعيات الإسلامية، ومنها تأسيس المجمع العلمي بالهند، وتأسيس رابطة الأدب الإسلامي كما أنه: عضو مجمع اللغة العربية بدمشق، وعضو المجلس التنفيذي لمعهد ديوبند، ورئيس مجلس أبناء مركز أوكسفورد للدراسات الإسلامية.

يعد من أشهر العلماء المسلمين في الهند، وله كتابات وإسهامات عديدة في الفكر الإسلامي، فله من الكتب: موقف الإسلام من الحضارة الغربية، السيرة النبوية، من روائع إقبال، نظرات في الأدب، من رجالات الدعوة، قصص النبيين للأطفال وبلغ مجموع مؤلفاته وترجماته 700 عنواناً، منها 177 عنوانا بالعربية، وقد ترجم عدد من مؤلفاته إلى الإنجليزية والفرنسية والتركية والبنغالية والإندونيسية وغيرها من لغات الشعوب الإسلامية الأخرى.

كان سماحة الشيخ كثير السفر إلى مختلف أنحاء العالم لنصرة قضايا المسلمين والدعوة للإسلام وشرح مبادئه، وإلقاء المحاضرات في الجامعات والهيئات العلمية والمؤتمرات تولى منصب رئيس ندوة العلماء منذ عام 1961م وظل فيه حتى وفاته، وقد منح عددا من الجوائز العالمية منها جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام.


ثناء العلماء عليه

قال عنه الشيخ الغزالي ـ رحمه الله ـ: هذا الإسلام لا يخدمه إلا نفس شاعرة محلقة، أما النفوس البليدة المطموسة فلا حظ لها فيه، لقد وجدنا في رسائل الشيخ الندوي لغة جديدة، وروحًا جديدة، والتفاتاً إلى أشياء لم نكن نلتفت إليها، إن رسائل الشيخ هي التي لفتت النظر إلى موقف ربعي بن عامر -رضي الله عنه- بين رستم قائد الفرس وكلماته البليغة له، التي لخصت فلسفة الإسلام في كلمات قلائل، وعبرت عن أهدافه بوضوح بليغ، وإيجاز رائع: إن الله ابتعثنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. أبو الحسن الندوي - فيما أعلم - هو أول من نبهنا إلى قيمة هذا الموقف وهذه الكلمات، ثم تناقلها الكاتبون بعد ذلك وانتشرت.

وقد أصدر الدكتور يوسف القرضاوي بيانا من الدوحة نعى فيه العالم الكبير الشيخ أبا الحسن مؤكدا أن الشيخ الندوي كان يمثل نسيجا مميزا من العلماء المسلمين ينضم إلى العلماء الكبار الذين فقدتهم الأمة الإسلامية خلال العام الأخير من القرن العشرين "ابتداء بعلامة الجزيرة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز مرورا بأديب الفقهاء وفقيه الأدباء الشيخ علي الطنطاوي ومن بعده الفقيه المجدد العلامة الشيخ مصطفى الزرقا وبعده المحدث الكبير الشيخ محمد ناصر الدين الألباني".
وقال الشيخ القرضاوي في نعيه أن الشيخ الندوي كان يتمتع بخمس صفات تميزه عن غيره من العلماء فهو إمام رباني إسلامي قرآني محمدي عالمي.

فأما أنه رباني فلأن سلف الأمة قد أجمعوا على أن الرباني هو من يعلم ويعمل ويعلِّم وهي الصفات الثلاثة التي كان يتحلى بها الشيخ، وأما أنه إسلامي فلأن الإسلام كان محور حياته ومرجعه في كل القضايا والدافع الذي يدفعه إلى الحركة والعمل والسفر والكتابة والجهاد، ساعيا لأن يقوي الجبهة الداخلية الإسلامية في مواجهة الغزوة الخارجية عن طريق تربية الفرد باعتباره اللبنة الأساسية في بناء الجماعة المسلمة، وأما أنه قرآني فلأن القرآن هو مصدره الأول الذي يستمد منه ويعتمد عليه ويرجع إليه ويستمتع به ويعيش في رحابه ويستخرج منه اللآلئ والجواهر، وأما أنه محمدي فليس لمجرد أنه من نسل الإمام الحسن حفيد الرسول (صلى الله عليه وسلم) فكم من حسنيين وحسينيين تناقض أعمالهم أنسابهم [ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه] بل لأنه جعل من الرسول الكريم أسوته في هديه وسلوكه وحياته كلها واتخذ سيرته نبراسا له في تعبده وزهده وإعراضه عن زخارف الدنيا وزينتها فهو يعيش في الخلف عيشة السلف.


مواقف لاتنسى
وفي حياة الشيخ الندوي مواقف كثيرة فيها دروس وعبر للعاملين على طريق الدعوة ومنها ما يرويه الشيخ يوسف القرضاوي فيقول: أذكر أنه حينما زارنا منذ أكثر من ثلاثين عامًا في قطر، وكان يشكو من قلة موارد (دار العلوم) بندوة العلماء، اقترح عليه بعض الإخوة أن نزور بعض الشيوخ وكبار التجار، نشرح لهم ظروف الدار ونطلب منهم بعض العون لها فقال:

لا أستطيع أن أفعل ذلك! وسألناه: لماذا؟ قال: إن هؤلاء القوم مرضى، ومرضهم حب الدنيا، ونحن أطباؤهم، فكيف يستطيع الطبيب أن يداوي مريضه إذا مد يده إليه يطلب عونه؟ أي يطلب منه شيئاً من الدنيا التي يداويه منها؟!

قلنا له: أنت لا تطلب لنفسك، أنت تطلب للدار ومعلميها وتلاميذها حتى تستمر وتبقى. قال: هؤلاء لا يفرقون بين ما تطلبه لنفسك وما تطلبه لغيرك ما دمت أنت الطالب، وأنت الآخذ!! وكنا في رمضان، وقلنا له حينذاك: ابق معنا إلى العشر الأواخر، ونحن نقوم عنك بمهمة الطلب. فقال: إن لي برنامجًا في العشر الأواخر لا أحب أن أنقضه أو أتخلى عنه لأي سبب، إنها فرصة لأخلو بنفسي وربي. وعرفنا أن للرجل حالاً مع الله، لا تشغله عنه الشواغل، فتركناه لما أراد، محاولين أن نقلده فلم نستطع، وكل ميسر لما خلق له.


مآثر الشيخ الشخصية والأخلاقية

يقول ا.د.يوسف القرضاوى: الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي أحد أعلام الدعاة إلى الإسلام في عصرنا، بلا ريب ولا جدال، عبَّرت عن ذلك: كتبه ورسائله ومحاضراته التي شرقت وغربت، وقرأها العرب والعجم، وانتفع بها الخاص والعام.

كما أنبأت عن ذلك رحلاته وأنشطته المتعددة المتنوعة في مختلف المجالس والمؤسسات، وبعض كتبه قد رزقها الله القبول، فطبعت مثنى وثلاث ورباع، وأكثر من ذلك، وترجمت إلى لغات عدة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

والحق أن الشيخ - رحمه الله - قد آتاه الله من المواهب والقدرات، ومنحه من المؤهلات والأدوات ما يمكنه من احتلال هذه المكانة الرفيعة في عالم الدعوة والدعاة.

فقد آتاه الله: العقل والحكمة {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة:269] والحكمة أولى وسائل الداعية إلى الله تعالى، كما قال -عز وجل- {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل:125].

ولهذا نجده يقول الكلمة الملائمة في موضعها الملائم، وفي زمانها الملائم، يشتد حيث تلزم الشدة، حتى يكون كالسيل المتدفق، ويلين حيث ينبغي اللين، حتى يكون كالماء المغدق، وهذا ما عرف به منذ شبابه الباكر إلى اليوم.


الثقافة الواسعة

ويوضح الدكتور القرضاوي أن الثقافة الواسعة هي أهم جوانب حياة الشيخ الندوي فقد آتاه الله: الثقافة التي هي زاد الداعية الضروري في إبلاغ رسالته، وسلاحه الأساسي في مواجهة خصومه، وقد تزوَّد الشيخ بأنواع الثقافة الستة التي يحتاجها كل داعية وهي: الثقافة الدينية، واللغوية، والتاريخية، والإنسانية، والعلمية، والواقعية، بل إن له قدمًا راسخة وتبريزًا واضحًا في بعض هذه الثقافات، مثل الثقافة التاريخية، كما برز ذلك في أول كتاب دخل به ميدان التصنيف، وهو الكتاب الذي كان رسوله الأول إلى العالم العربي قبل أن يزوره ويتعرف عليه، وهو كتاب "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟" الذي نفع الله به الكثيرين من الكبار والصغار، ولم يكد يوجد داعية إلا واستفاد منه.

وكما تجلَّى ذلك في كتابه الرائع التالي: "رجال الفكر والدعوة في الإسلام" في جزئه الأول، ثم ما ألحق به من أجزاء عن شيخ الإسلام ابن تيمية، وعن الإمام السرهندي: والإمام الدهلوي، ثم عن أمير المؤمنين علي (المرتضى) رضي الله عنه.

وقد ساعده على ذلك: تكوينه العلمي المتين، الذي جمع بين القديم والحديث، ومعرفته باللغة الإنجليزية إلى جوار العربية والأردية والهندية والفارسية، ونشأته في بيئة علمية أصيلة، خاصة وعامة، فوالده العلامة عبد الحي الحسني صاحب موسوعة "نزهة الخواطر" في تراجم رجال الهند وعلمائها، ووالدته التي كانت من النساء الفضليات المتميزات فكانت تحفظ القرآن، وتنشئ الشعر، وتكتب وتؤلف، ولها بعض المؤلفات، ومجموع شعري. كما نشأ في رحاب "ندوة العلماء" ودار علومها، التي كانت جسرًا بين التراث الغابر، والواقع الحاضر، والتي أخذت من القديم أنفعه، ومن الجديد أصلحه، ووفقت بين العقل والنقل، وبين الدين والدنيا، وبين العلم والإيمان، وبين الثبات والتطور، وبين الأصالة والمعاصرة.


الملكة الأدبية

ووهب الله للشيخ الندوي البيان الناصع والأدب الرفيع، كما يشهد بذلك كل من قرأ كتبه ورسائله، وكان له ذوق وحس أدبي، فقد نشأ وتربي في حجر لغة العرب وأدبها منذ نعومه أظفاره، وألهم الله شقيقه الأكبر أن يوجهه هذه الوجهة في وقت لم يكن يعني أحد بهذا الأمر، لحكمة يعلمها الله تعالى، ليكون همزة وصل بين القارة الهندية وأمة العرب، ليخاطبهم بلسانهم، فيفصح كما يفصحون، ويبدع كما يبدعون، بل قد يفوق بعض العرب الناشئين في قلب بلاد العرب.

يقول الدكتور القرضاوي: لقد قرأنا الرسائل الأولى للشيخ الندوي التي اصطحبها معه حينما زارنا في القاهرة سنة 1951م، ومنها: من العالم إلى جزيرة العرب، ومن جزيرة العرب إلى العالم.. معقل الإنسانية دعوتان متنافستان.. بين الصورة والحقيقة.. بين الهداية والجباية.. وغيرها، فوجدنا فيها نفحات أدبية جديدة في شذاها وفحواها، حتى علّق الشيخ الغزالي -رحمه الله- على تلك الرسالة بقوله: هذا الدين لا يخدمه إلا نفس شاعرة! فقد كانت هذه الرسائل نثرًا فيه روح الشعر، وعبق الشعر. وقرأنا بعدها مقالة: اسمعي يا مصر.. ثم اسمعي يا سورية. اسمعي يا زهرة الصحراء.. اسمعي يا إيران.. وكلها قطرات من الأدب المُصفى.

وقرأنا ما كتبه في مجلة "المسلمون" الشهرية المصرية، التي كان يصدرها الداعية المعروف الدكتور سعيد رمضان البوطي: ما كتبه من قصص رائع ومشوق عن حركة الدعوة والجهاد، التي قام بها البطل المجاهد أحمد بن عرفان الشهيد، وما كتبه من مقالات ضمنها كتابة الفريد "الطريق إلى المدينة" الذي قدمه أديب العربية الأستاذ علي الطنطاوي -رحمه الله-، وقال في مقدمته: يا أخي الأستاذ أبا الحسن! لقد كدت أفقد ثقتي بالأدب، حين لم أعد أجد عند الأدباء هذه النغمة العلوية، التي غنى بها الشعراء، من لدن الشريف الرضي إلى البرعي، فلما قرأت كتابك وجدتها، في نثر هو الشعر، إلا أنه بغير نظام. أ. هـ.

ولا غرو أن رأيناه يحفظ الكثير والكثير من شعر إقبال، وقد ترجم روائع منه إلى العربية، وصاغه نثرًا هو أقرب إلى الشعر من بعض من ترجموا قصائد لإقبال شعرًا.


القلب الحي

و يواصل د. القرضاوي شرح جوانب فقه الدعوة عن الندوي فيقول: آتاه الله القلب الحي، والعاطفة الجياشة بالحب لله العظيم، ولرسوله الكريم، ولدينه القويم، فهو يحمل بين جنبيه نبعًا لا يغيض، وشعلة لا تخبو، وجمرة لا تتحول إلى رماد.

ولا بد للداعية إلى الله أن يحمل مثل هذا القلب الحي، ومثل هذه العاطفة الدافقة بالحب والحنان والدفء والحرارة، يفيض منها على من حوله، فيحركهم من سكون، ويوقظهم من سبات، ويحييهم من موات.

وكلام أصحاب القلوب الحية له تأثير عظيم في سامعيه وقارئيه، فإن الكلام إذا خرج من القلب دخل إلى القلب، وإذا خرج من اللسان لم يتجاوز الآذان، ولهذا كان تأثير الحسن البصري في كل من يشهد درسه وحلقته، على خلاف حلقات الآخرين، ولهذا قيل: ليست النائحة كالثكلى!

هذا القلب الحي، يعيش مع الله في حب وشوق، راجيًا خائفًا، راغبًا راهبًا، يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، كما يعيش في هموم الأمة على اتساعها، ويحيا في آلامها وآمالها، لا يشغله هم عن هم، ولا بلد عن آخر، ولا فئة من المسلمين عن الفئات الأخرى.

وهذه العاطفة هي التي جعلته يتغنى كثيرًا بشعر إقبال، ويحس كأنه شعره هو، كأنه منشئه وليس راويه، وكذلك شعر جلال الدين الرومي، وخصوصا شعر الحب الإلهي، كما جعلته يولي عناية خاصة لأصحاب القلوب الحية، مثل: الحسن البصري والغزالي والجيلاني وابن تيمية والسرهندي وغيرهم.



الخلق الكريم

وآتاه الله الخلق الكريم والسلوك القويم، وقد قال بعض السلف: التصوف هو الخلق، فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في التصوف! وعلق على ذلك الإمام ابن القيم في "مدارجه" فقال: بل الدين كله هو الخلق، فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في الدين.

ولا غرو أن أثنى الله على رسوله بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم:4]، وأن أعلن الرسول الكريم عن غاية رسالته، فقال: [إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق]

ومن عاشر الشيخ -ولو قليلاً- لمس فيه هذا الخلق الرضي، ووجده مثالاً مجسدًا لما يدعو إليه، فسلوكه مرآة لدعوته، وهو رجل باطنه كظاهره، وسريرته كعلانيته، نحسبه كذلك، والله حسيبه، ولا نزكيه على الله -عز وجل-.

ومن هذه الأخلاق الندوية: الرقة، والسماحة والسخاء والشجاعة، والرفق، والحلم، والصبر، والاعتدال، والتواضع، والزهد، والجد، والصدق مع الله ومع الناس، والإخلاص، والبعد عن الغرور والعجب، والأمل والثقة والتوكل واليقين والخشية والمراقبة، وغيرها من الفضائل والأخلاق الربانية والإنسانية.

وهذا من بركات النشأة الصالحة في بيئة صالحة في أسرة هاشمية حسنية، {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ}.

إن الداعية الحق هو الذي يؤثِّر بحاله أكثر ممّا يؤثر بمقاله، فلسان الحال أبلغ، وتأثيره أصدق وأقوى، وقد قيل: حال رجل في ألف رجل أبلغ من مقال ألف رجل في رجل! وآفة كثير من الدعاة: أن أفعالهم تكذب أقوالهم، وأن سيرتهم تناقض دعوتهم، وأن سلوكهم في وادٍ، ورسالتهم في وادٍ آخر. وأن كثيرًا منهم ينطبق عليه قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ*كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2،3].



العقيدة السليمة

ويتناول الدكتور القرضاوي جانب العقيدة في حياة الندوي فيقول: آتاه الله قبل ذلك كله: العقيدة السليمة: عقيدة أهل السنة والجماعة، سليمة من الشركيات والقبوريات والأباطيل، التي انتشرت في الهند، وكان لها سوق نافقة، وجماعات مروجة تغدو بها وتروح، تأثروا بالهندوس ومعتقداتهم وأباطيلهم، كما هو الحال عند جماعة "البريليوين" الذين انتسبوا إلى التصوف اسمًا ورسمًا، والتصوف الحق براء منهم، وقد حفلت عقائدهم بالخرافات، وعباداتهم بالمبتدعات، وأفكارهم بالترهات، وأخلاقهم بالسلبيات.

ولكن الشيخ تربى على عقائد مدرسة "ديوبند" التي قام عليها منذ نشأتها علماء ربانيون، طاردوا الشرك بالتوحيد، والأباطيل بالحقائق، والبدع بالسنن، والسلبيات بالإيجابيات. وأكدت ذلك مدرسة الندوة - ندوة العلماء - وأضافت إليها روحًا جديدة، وسلفية حية حقيقية، لا سلفية شكلية جدلية، كالتي نراها عند بعض من ينسبون إلى السلف، ويكادون يحصرون السلفية في اللحية الطويلة، والثوب القصير، وشن الحرب على تأويل نصوص الصفات.

إن العقيدة السلفية عند الشيخ هي: توحيد خالص لله تعالى لا يشوبه شرك، ويقين عميق بالآخرة لا يعتريه شك، وإيمان جازم بالنبوة لا يداخله تردد ولا وهم، وثقة مطلقة القرآن والسنة، مصدرين للعقائد والشرائع والأخلاق والسلوك


المشروع الفكري والدعوي للعلامة الندوي

يلخص العلامة القرضاوي أهم جوانب المشروع الفكري والدعوي للعلامة الندوي في ركائز وأسس تبلغ العشرين، منها انطلق، وإليها يستند، وعليها يعتمد، نجملها فيما يلي:

1ـ تعميق الإيمان في مواجهة المادية:

تعميق الإيمان بالله تعالى، وتوحيده سبحانه ربا خالقًا، وإلهًا معبودًا واليقين بالآخرة، دارًا للجزاء، ثوابًا وعقابًا، في مواجهة المادية الطاغية، التي تجحد أن للكون إلهًا يدبره ويحكمه، وأن في الإنسان روحًا هي نفحة من الله، وأن وراء هذه الدنيا آخرة. المادية التي تقول: إن هي إلا أرحام تدفع، وأرض تبلع! ولا شيء بعد ذلك. أو كما حكى الله عنهم: {وَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} [الأنعام:29] وقد تخللت هذه الركيزة الفكرية المحورية معظم رسائله وكتبه؛ وخصوصًا: الصراع بين الإيمان والمادية.. ماذا خسر العالم.. الصراع بين الفكر الإسلامي والفكرة الغربية.

2- إعلاء الوحي على العقل:

بمعنى اعتبار الوحي هو المصدر المعصوم، الذي تؤخذ منه حقائق الدين وأحكامه، من العقائد والشرائع والأخلاق، واعتبار نور النبوة فوق نور العقل، فلا أمان للعقل من العثار إذا سار في هذا الطريق وحده، ولا أمان للفلسفات المختلفة في الوصول إلى تصور صحيح عن الألوهية والكون والإنسان والحياة، حتى الفلسفة الدينية أو علم الكلام حين خاضا هذه اللجة غرقا فيها. وقصور العقل هنا شهد به بعض كبار المتكلمين كالفخر الرازي، والآمدي وغيرهما، وبعض كبار الفلاسفة، وأحدثهم (كانت) وكذلك فلسفات الإشراق لم تصل بالإنسان إلى بر الأمان، وقد بين ذلك الشيخ الندوي في عدد من كتبه، منها: النبوة والأنبياء في ضوء القرآن. ومنها: الدين والمدنية، وأصله محاضرة ألقاها في مقتبل الشباب (في الثلاثين من عمره)

3- توثيق الصلة بالقرآن الكريم باعتباره كتاب الخلود، ودستور الإسلام وعمدة الملة، وينبوع العقيدة، وأساس الشريعة،

وهو يوجب اتباع القواعد المقررة في تفسيره وعدم الإلحاد في آيه، وتأويلها وفق الأهواء والمذاهب المنحولة، ولهذا أنكر على القاديانيين هذا التحريف في فهم القرآن. ومن قرأ كتب الشيخ وجده عميق الصلة بكتاب الله، مستحضرًا لآياته في كل موقف محسنًا الاستشهاد بها غاية الإحسان، وله ذوق متفرد في فهم الآيات، كما أن له دراسات خاصة في ضوء القرآن مثل: تأملات في سورة الكهف -والتي تجلي الصراع بين المادية والإيمان بالغيب- والنبوة والأنبياء في ضوء القرآن.. ومدخل للدراسات القرآنية.. وغيرها من الكتب والرسائل، وقد عمل مدرسًا للقرآن وعلومه في دار العلوم بلكهنو عدة سنوات.

4-توثيق الصلة بالسنة والسيرة النبوية

وذلك أن السنة مبينة القرآن وشارحته نظريًا، والسيرة هي التطبيق العملي للقرآن، وفيها يتجلى القرآن مجسدًا في بشر [كان خلقه القرآن] وتنجلي الأسوة الحسنة التي نصبها الله للناس عامة، وللمؤمنين خاصة، لهذا كان من المهم العيش في رحاب هذه السيرة، والاهتداء بهديها والتخلق بأخلاقها، لا مجرد الحديث عنها، باللسان أو بالقلم. وقد بين الشيخ أثر الحديث في الحياة الإسلامية، كما أبدع في كتابة السيرة للكبار وللأطفال، وهو هنا يجمع بين عقل الباحث المدقق، وقلب المحب العاشق، وهذا يكاد يكون مبثوثًا في عامة كتبه.

5- إشعال الجذوة الروحية (الربانية الإيجابية)

إنه إشعال للجذوة الروحية في حنايا المسلم، وإعلاء "نفخة الروح" على قبضة الطين والحمأ المسنون في كيانه، وإبراز هذا الجانب الأساسي في الحياة الإسلامية التي سماها الشيخ "ربانية لا رهبانية" وهو عنوان لأحد كتبه الشهيرة، وقد سماه بهذا الاسم لسببين: أولهما: أن يتجنب اسم التصوف لما علق به من شوائب، وما ألصق به من زوائد، على مر العصور، وهذا من جناية المصطلحات على الحقائق والمضامين الصحيحة، وما التصوف في حقيقته إلا جانب التزكية التي هي إحدى شعب الرسالة المحمدية، أو جانب الإحسان الذي فسره الرسول في حديث جبريل الشهير. والسبب الثاني: إبراز العنصر الإيجابي في هذه الحياة الروحية المنشودة، فهي روحية اجتماعية، كما سماها أستاذنا البهي الخولي رحمه الله، وهي ربانية إيجابية تعمل للحياة ولا تعتزلها، ولا تعبدها، وتجعل منها مزرعة للحياة الأخرى: حياة الخلود والبقاء. كما وضح الشيخ الندوي الجانب التعبدي الشعائري في حياة المسلم في كتابه المعروف "الأركان الأربعة" وهو يمثل نظرة جديدة في عبادات الإسلام الكبرى: الصلاة والزكاة والصيام والحج، وآثارها في النفس والحياة.

6- البناء لا الهدم

، والجمع لا التفريق فالشيخ الندوي رحمه الله جعل همه في البناء لا الهدم، والجمع لا التفريق وأنا أشبهه هنا بالإمام حسن البنا رحمه الله، الذي كان حريصًا على هذا الاتجاه الذي شعاره: نبني ولا نهدم، ونجمع ولا نفرق، ونُقرّب ولا نباعد، ولهذا تبنى قاعدة المنار الذهبية "نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه" وهذا هو توجه شيخنا الندوي فهو يبعد ما استطاع عن الأساليب الحادة، والعبارات الجارحة، والموضوعات المفرقة، ولا يقيم معارك حول المسائل الجزئية، والقضايا الخلافية. ولا يعني هذا أنه يداهن في دينه، أو يسكت عن باطل يراه أو خطأ جسيم يشاهده، بل هو ينطق بما يعتقده من حق، وينقد ما يراه من باطل أو خطأ، لكن بالتي هي أحسن، كما رأيناه في نقده للشيعة في مواقفهم من الصحابة في كتابه "صورتان متضادتان" وفي نقده للعلامة أبي الأعلى المودودي والشهيد سيد قطب، فيما سماه "التفسير السياسي للإسلام" وإن كنت وددت لو اتخذ له عنوانًا غير هذا العنوان، الذي قد يستغله العلمانيون في وقوفهم ضد شمول الإسلام، وقد صارحت الشيخ بذلك ووافقني عليه رحمه الله.

7- إحياء روح الجهاد في سبيل الله

وتعبئة قوى الأمة النفسية للدفاع عن ذاتيتها ووجودها، وإيقاد شعلة الحماسة للدين في صدور الأمة، التي حاولت القوى المعادية للإسلام إخمادها، ومقاومة روح البطالة والقعود، والوهن النفسي، الذي هو حب الدنيا وكراهية الموت. وهذا واضح في كتابه "ماذا خسر العالم" وفي كتابه "إذا هبت ريح الإيمان" وفي حديثه الدافق المعبر عن الإمام أحمد بن عرفان الشهيد وجماعته ودعوته، وعن صلاح الدين الأيوبي وأمثاله من أبطال الإسلام. ومنذ رسائله الأولى وهو ينفخ في هذه الروح، ويهيب بالأمة أن تنتفض للذود عن حماها، وتقوم بواجب الجهاد بكل مراتبه ومستوياته حتى تكون كلمة الله هي العليا.

8- استيحاء التاريخ

الإسلامي وبطولاته: والركيزة الثامنة: استيحاء التاريخ - ولا سيما تاريخنا الإسلامي- لاستنهاض الأمة من كبوتها، فالتاريخ هو ذاكرة الأمة، ومخزن عبرها، ومستودع بطولاتها. والشيخ يملك حسًا تاريخيًا فريدًا، ووعيًا نادرًا بأحداثه، والدروس المستفادة منها، كما تجلى ذلك في رسالته المبكرة "المد والجزر في تاريخ الإسلام" وفي كتابه: "ماذا خسر العالم" وفي غيره، والتاريخ عنده ليس هو تاريخ الملوك والأمراء وحدهم، بل تاريخ الشعوب والعلماء والمصلحين والربانيين. ليس هو التاريخ السياسي فقط، بل السياسي والاجتماعي والثقافي والإيماني والجهادي. ولهذا يستنطق التاريخ بمعناه الواسع، ولا يكتفي بمصادر التاريخ الرسمية، بل يضم إليها كتب الدين، والأدب، والطبقات المختلفة، وغيرها، ويستلهم مواقف الرجال الأفذاذ، وخصوصًا المجددين والمصلحين، كما في كتابه: "رجال الفكر والدعوة في الإسلام" الذي بين فيه أن الإصلاح والتجديد خلال تاريخ الأمة: حلقات متصلة، ينتهي دور ليبدأ دور، ويغيب كوكب ليطلع كوكب. والنقص ليس في التاريخ: إنما هو في منهج كتابته وتأليفه.

9- نقد الفكرة الغربية والحضارة المادية أوالجاهلية الحديثة،

ورؤيته في هذا واضحة كل الوضوح لحقيقة الحضارة الغربية وخصائصها، واستمدادها من الحضارتين: الرومانية اليونانية، وما فيهما من غلبة الوثنية، والنزعة المادية الحسية والعصبية القومية، وهو واع تمامًا للصراع القائم بين الفكرة الغربية والفكرة الإسلامية وخصوصًا في ميادين التعليم والتربية والثقافة والقيم والتقاليد. وقد أنكر الشيخ موقف الفريق المستسلم للغرب، المقلد له تقليدًا أعمى في الخير والشر، ومثله: موقف الفريق الرافض للغرب كله، المعتزل لحضارته بمادياتها ومعنوياتها.. ونوه الشيخ بموقف الفريق الثالث، الذي لا يعتبر الغرب خيرًا محضًا، ولا شرًا محضًا. فيأخذ من الغرب وسائله لا غاياته، وآلياته لا منهج حياته، فهو ينتخب من حضارته ما يلائم عقائده وقيمه، ويرفض ما لا يلائمه، واهتم الشيخ هنا بشعر د. إقبال باعتباره أبرز ثائر على الحضارة المادية، مع عمق دراسته لها، وتغلغله في أعماقها. وقد تجلى هذا في كثير من كتبه ورسائله، ولا سيما: حديث مع الغرب.. ماذا خسر العالم.. الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية. أحاديث صريحة في أمريكا.. محاضرة "الإسلام والغرب" في أوكسفورد.

10-نقد الفكرة القومية والعصبيات الجاهلية

وهو ما شاع في العالم العربي الإسلامي كله بعد ما أكرم الله به هذه الأمة من الأخوة الإسلامية، والإيمان بالعالمية، والبراءة من كل من دعا إلى عصبية، أو قاتل على عصبية أو مات على عصبية، وأشد ما آلمه: أن تتغلغل هذه الفكرة بين العرب الذين هم عصبة الإسلام، وحملة رسالته، وحفظة كتابه وسنته، وهو واحد منهم نسبًا وفكرًا وروحًا. لذا وقف في وجه "القومية العربية" العلمانية المعادية للإسلام، المفرقة بين المسلمين، والتي اعتبرها بعضهم "نبوة جديدة" أو "ديانة جديدة" تجمع العرب على معتقدات ومفاهيم وقيم غير ما جاء به محمد ((صلى الله عليه وسلم) الذي هدى الله به أمة العرب، وجمعهم به من فرقة، وأخرجهم من الظلمات إلى النور. وهو رغم رفضه للقومية، لا ينكر فضل العرب ودورهم وريادتهم، بل هو يستنهض العرب في محاضراته ورسائله وكتبه للقيام بمهمتهم، والمناداة بعقائدهم ومبادئهم في وجه العالم: "محمد رسول الله روح العالم العربي" ويوجه رسالة عنوانها: اسمعوها مني صريحة أيها العرب. ورسائل أخرى: العرب والإسلام.. الفتح للعرب المسلمين. اسمعي يا مصر.. اسمعي يا سورية.. اسمعي يا زهرة الصحراء (يعني: الكويت).. كيف ينظر المسلمون إلى الحجاز وجزيرة العرب؟.. كيف دخل العرب التاريخ.. العرب يكتشفون أنفسهم: تضحية شباب العرب... إلى آخره.

العفو عند المقدرة
07-12-2007, 21:42
تابع الشيخ أبو الحسن الندوي

--------------------------------------------------------------------------------


11- تأكيد عقيدة ختم النبوة

ومقاومة الفتنة القاديانية وختم النبوة عقيدة معلومة من الدين بالضرورة لدى المسلمين طوال القرون الماضية، ولم يثر حولها أي شك أو شبهة، وإنما أوجب تأكيد هذه العقيدة: ظهور الطائفة القاديانية بفتنتهم الجديدة التي اعتبرها الشيخ "ثورة على النبوة المحمدية". ولقد كتب في هذه القضية ما كتب من مؤلفات ومقالات، ولكن الشيخ شعر بمسئوليته الخاصة إزاءها؛ فكتب في بيان أهمية ختم النبوة في اعتبارها تكريمًا للإنسانية بأنها "بلغت الرشد"، وأنها انتهت إلى الدين الكامل الذي يضع الأسس والأصول، ويترك التفصيلات للعقل البشري، الذي يولد ويستنبط في ضوء تلك الأصول ما تحتاج إليه المجتمعات في تطورها المستمر، وهي تغلق الباب على المتنبئين الكذابين، وتمنع فوضى الدعاوى الكاذبة المفترية على الله تعالى. وقد أكد الشيخ ذلك في فصل من كتابه "النبوة والأنبياء" عن محمد خاتم النبيين، ثم ألف كتابًا عن "النبي الخاتم"، وجعل السيرة النبوية للأطفال بعنوان "سيرة خاتم النبيين"، ثم صنف كتابًا خاصًا عن "القادياني والقاديانية" تضمن دراسة وتحليلاً لشخصية "غلام أحمد" ودعوته، ونشأته في أحضان الاستعمار الإنجليزي، واعترافه المتكرر بذلك في رسائله وكتاباته، ودعوته المسلمين إلى طاعة الإنجليز، وإلغاء الجهاد، وبيّن الشيخ الندوي بكل صراحة: أننا -مع القاديانة - في مواجهة دين إزاء دين، وأمة إزاء أمة. كما اشتد نكيره عليهم في تحريفهم للقرآن، وتلاعبهم باللغة العربية، وهذا الكتاب مرجع علمي موثق بالأدلة من مصادرها القاديانية ذاتها.

12-مقاومة الردة الفكرية:

والركيزة الثانية عشرة: هي مقاومة الردة الفكرية التي تفاقم خطرها بين العرب والمسلمين عامة، والمثقفين منهم خاصة. فكما قاوم الشيخ الردة الدينية التي تمثلت في القاديانية، التي أصر علماء المسلمين كافة في باكستان على اعتبارهم أقلية غير مسلمة، لم يألُ جهدًا في محاربة هذه الردة العقلية والثقافية. ولا غرو أن جند قلمه ولسانه وعلمه وجهده في كشف زيفها، ووقف زحفها، ومطاردة فلولها، وقد ألف فيها رسالته البديعة الشهيرة "ردة ولا أبا بكر لها!".

13-تأكيد دور الأمة المسلمة واستمرارها في التاريخ نبراس هداية للبشرية

، والشهادة على الأمم، والقيام على عبادة الله وتوحيده في الأرض، كما أشار إلى ذلك الرسول يوم بدر "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض". وهذه الأمة صاحبة رسالة شاملة، وحضارة متكاملة، مزجت المادة بالروح، ووصلت الأرض بالسماء، وربطت الدنيا بالآخرة، وجمعت بين العلم والإيمان، ووفّقت بين حقوق الفرد ومصلحة المجتمع، وهذه الأمة موقعها موقع القيادة والريادة للقافلة البشرية، وقد انتفعت منها البشرية يوم كانت الأمة الأولى في العالم. ثم تخلفت عن الركب لعوامل شتى، فخسر العالم كثيرًا بتخلفها، وهو ما عالجه كتاب "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟" الذي عرفت به الشيخ قبل أن ألقاه، والذي استقبله العلماء والدعاة والمفكرون المسلمون استقبالاً حافلاً، وقال شيخنا الدكتور محمد يوسف موسى: إن قراءة هذا الكتاب فرض على كل مسلم يعمل لإعادة مجد الإسلام! ولا زال العلامة الندوي يبدئ ويعيد في تنبيه الأمة المسلمة على القيام بدورها الرسالي، ومهمتها التي أُخرجت لها، فقد أخرجها الله للناس لا لنفسها. وآخر إنتاجه في ذلك محاضرته التي ألقاها في دولة قطر، بعنوان "قيمة الأمة الإسلامية بين الأمم ودورها في العالم"

14- بيان فضل الصحابة ومنزلتهم في الدين:

أي بيان فضل الجيل المثالي الأول في هذه الأمة، وهو جيل الصحابة رضوان الله عليهم، أبر الناس قلوبًا، وأعمقهم علمًا، وأقلهم تكلفًا، اختارهم الله لصحبة نبيه، ونصرة دينه، وأنزل عليهم ملائكته في بدر والخندق وحنين، وهم الذين أثنى عليهم الله تعالى في كتابه في عدد من سوره، وأثنى عليهم رسوله في عدد من أحاديثه المستفيضة، وأكد ذلك تاريخهم وسيرتهم ومآثرهم، فهم الذين حفظوا القرآن، والذين رووا السنة، والذين فتحوا الفتوح، ونشروا الإسلام في الأمم، وهم تلاميذ المدرسة المحمدية، وثمار غرس التربية النبوية. وهم أولى من ينطبق عليهم قول الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143] وقوله: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]. وهم طليعة الأمة وأسوتها في العلم والعمل، وأئمتها في الجهاد والاجتهاد، وتلاميذهم من التابعين على قدمهم، وإن لم يبلغوا مبلغهم، [خير القرون قرني ثم الذين يلونهم] فمن شكك في عظمة هذا الجيل وفي أخلاقه ومواقفه، فقد شكك في قيمة التربية المحمدية، وهذه الصورة المعتمة التي رسمها الشيعة لجيل الصحابة، مناقضة للصورة المشرقة الوضيئة التي رسمها أهل السنة والجماعة، وهذا ما وضحه علامتنا في رسالته الفريدة "صورتان متضادتان" لنتائج جهود الرسول الأعظم الدعوية والتربوية، وسيرة الجيل المثالي الأول عند أهل السنة والشيعة الإمامية.

15- التنويه بقضية فلسطين وتحريرها

فقضية فلسطين ليست قضية الفلسطينيين وحدهم، ولا العرب وحدهم، بل هي قضية المسلمين جميعًا، فلا بد من إيقاظ الأمة لخطرها، وتنبيهها على ضرورة التكاتف لتحريرها، واتخاذ الأسباب، ومراعاة السنن المطلوبة لاستعادتها. وليست هذه أول مرة تحتل فلسطين من قبل أعداء الدين والأمة، فقد احتلت أيام الحروب الصليبية نحو مائة عام، وأسر المسجد الأقصى تسعين سنة كاملة، حتى هيأ الله لهذا الأمة رجالا أفذاذًا، جددوا شباب الأمة بالإيمان، وإحياء روح الكفاح ومعنى الجهاد في سبيل الله، مثل: نور الدين وصلاح الدين، الذي أشاد به الشيخ الندوي كثيرًا في كتبه ورسائله. ولا سبيل إلى تحرير فلسطين إلا بهذا الطريق، وعلى نفس هذا المنهاج تجميع الأمة على الإسلام، وتجديد روحها بالإيمان، وتربية رجالها على الجهاد، وقد كتب في ذلك الشيخ مثالات ورسائل، أظهرها "المسلمون وقضية فلسطين".

16- العناية بالتربية الإسلامية الحرة التي لا تستمد فلسفتها من الغرب ولا من الشرق،

إنما تستمد فلسفتها من الإسلام عقيدة وشريعة وقيمًا وأخلاقًا، في حين تقتبس وسائلها وآلياتها من حيث شاءت، في إطار أصولها المرعية، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها. وهو ينكر على التعليم القديم طرائقه في العناية بالألفاظ والجدليات، كما ينكر على التعليم الحديث إغفاله للروح وأهداف الحياة، وينقل عن إقبال قوله: أن التعليم الحديث لا يعلم عين الطالب الدموع، ولا قلبه الخشوع! ولقد أولى شيخنا جانب التربية اهتمامًا بالغًا، لأنها هي التي تصنع أجيال المستقبل، والتهاون فيها تهاون في الثورة البشرية للأمة، وقد نقل الشيخ عن بعض شعراء الهند: أن فرعون كان يكفيه عن تذبيح بني إسرائيل أن ينشئ لهم كلية يكيف عقولهم فيها كما يريد، ولكنه كان غبيًا. كتب الشيخ في ذلك رسائل، أبرزها: التربية الإسلامية الحرة، كما ناقش كثيرًا من قضايا التربية في كتابه: "كيف ينظر المسلمون إلى الحجاز وجزيرة العرب؟". كما شارك الشيخ بنفسه في هذا المجال علمًا وعملاً.

17- العناية بالطفولة والنشء والكتابة للأطفال والناشئين بوصفهم رجال الغد،

وصناع تاريخ الأمم. وقد التفت الشيخ إلى هذا الأمر الخطير، وهو في الثلاثينات من عمره، وكتب مجموعة من قصص النبيين للأطفال، في لغة سهلة، وأسلوب عذب، وطريقة شائقة، مضمنًا إياها ما يحب من المعاني والقيم، ومن الدروس والعبر، ومن العقائد والمثل، حتى قال بعض العلماء: أنها "علم توحيد" جديد للأطفال، وأثنى عليها أديب كبير كالشهيد سيد قطب مارس هذا العمل أيضا. وبعد ثلاثين سنة أو أكثر عاد فأكمل قصص الأنبياء، وختمها بسيرة خاتم النبيين (صلى الله عليه وسلم) كما أنشأ مجموعة "قصص من التاريخ الإسلامي" للأطفال أيضًا، وقال: أنه يرجو أن ينال بهذه الخطوة تقدير رجال التربية، وأن تليها خطوات، وتؤلف مجموعات.

18- إعداد العلماء والدعاة الربانيين

الذين يجمعون بين المعرفة الإسلامية، والرؤية العصرية، مع الغيرة الإيمانية والأخلاق الربانية، وهذا ما اجتهد الشيخ في أن يسهم فيه بنفسه عن طريق التدريس في "دار العلوم" ثم عن طريق تطوير المناهج، وعن طريق وضع المقررات والكتب الدراسية، ثم عن طريق الاشتراك في مجالس الجامعات والمؤسسات التعليمية في الهند، وفي غيرها، مثل المجلس الأعلى للجامعات الإسلامية بالمدينة المنورة. وهو يرى أن المسلمين أحوج ما يكونون اليوم إلى الداعية البصير، والعالم المتمكن، الذي إذا استقضى قضى بحق، وإذا استفتى أفتى على بينة، وإذا دعا إلى الله دعا على بصيرة.

19- ترشيد الصحوة والحركات الإسلامية التي يشهدها العالم الإسلامي،

بل يشهدها المسلمون في كل مكان، حتى خارج العالم الإسلامي، حيث توجد الأقليات والجاليات الإسلامية في أوربا والأمريكتين والشرق الأقصى وغيرها. وهي صحوة عقول وقلوب وعزائم، ولكن يُخشى على الصحوة من نفسها أكثر من غيرها. فتتآكل من الداخل، قبل أن تضرب من الخارج. وأعظم ما يُخشى على الصحوة: الغلو والتشديد في غير موضعه، والتمسك بالقشور وترك اللباب، والاشتغال الزائد بالجزئيات والخلافيات، وسوء الظن بالمسلمين إلى حد التأثيم والتضليل، بل التكفير. والشيخ بطبيعته رجل معتدل في تفكيره، وفي سلوكه وفي حياته كلها: فهو قديم جديد، وهو تراثي وعصري، وهو سلفي وصوفي، مثبت ومتطور، في لين الحرير وصلابة الحديد. وهكذا يريد لجيل الصحوة أن يكون. لم يقيد الشيخ الندوي نفسه بالالتزام بجماعة معينة، فقد بقى حرًا، يشرف على الجماعات من خارجها، فيرى من نواقصها ما لا يراه أعضاؤها، ويبصر نقاط ضعفها، فيوجه وينصح، وينقد ويسدد، ولعل في ذلك خيرًا. كما لا يدخر وسعًا في النصح لحكام المسلمين وزعمائهم ما وجد إلى ذلك سبيلا. وخصوصًا أنه لا يطمع في شئ من أحد منهم.

20- وآخر هذه الركائز وهي المكملة للعشرين دعوة غير المسلمين للإسلام

، استكمالاً لما قامت به الأمة في العصور الأولى، وقد ساهم الشيخ في ذلك منذ عهد مبكر وهو ابن الثانية والعشرين بدعوة الدكتور أمبيدكر زعيم المنبوذين إلى الإسلام، ورحلته إليه في بومباي. وهو يرى أن فضل الأمة الإسلامية على غيرها في قيامها بواجب الدعوة إلى الله، وأن البشرية اليوم رغم بلوغها ما بلغت من العلم المادي والتطور التكنولوجي أحوج ما تكون إلى رسالة الإسلام، حاجة الظمآن إلى الماء، والسقيم إلى الشفاء، والأمة الإسلامية هي وحدها التي تملك قارورة الدواء، ومضخة الإطفاء. تلك هي الركائز العشرون، التي قام عليها فقه الدعوة عند الإمام الندوي، وكل ركيزة منها تحتاج إلى شرح وتفصيل، اسأل الله تعالى أن يعين عليه، ويوفق لإتمامه. أنه سميع مجيب

وفاة الإمام الندوي

وكان الشيخ أبو الحسن الندوي قد توفاه الله في يوم مبارك وهو يوم الجمعة وفي شهر رمضان المبارك أثناء اعتكافه بمسجد قريته "تكية" بمديرية "راي باريلي" في شمال الهند وجرى دفنه مساء نفس اليوم في مقبرة أسرته بالقرية في حضور الأقارب والأهالي وبعض مسئولي ندوة العلماء التي ظل مرتبطًا بها طيلة حياته الحافلة بالجهاد والدعوة طوال 86 عاماً هي عمر الفقيد رحمه الله.

وقد عم الحزن الأوساط الإسلامية في الهند جمعاء، وصدرت بيانات عن كل الجمعيات والمنظمات والمؤسسات الإسلامية الكبرى تنعي وفاته، وتعتبرها خسارة لا تعوض لمسلمي الهند والعالم الإسلامي، ويصعب تعويضها في المستقبل القريب. وكان في طليعة المعزين أمير الجماعة الإسلامية الهندية الشيخ محمد سراج الحسن، ورئيس جمعية العلماء الشيخ أسعد المدني، وإمام المسجد الجامع بدهلي عبد الله البخاري، وأمين مجمع الفقه الإسلامي الشيخ مجاهد الإسلامي القاسمي، إلى جانب مسئولي الحكومة الهندية، كرئيس الوزراء أتال بيهاري واجباي، ورئيسة حزب المؤتمر سونيا غاندي. وقال رئيس الوزراء الأسبق (في. بي. سينغ): إن وفاة الشيخ أبي الحسن خسارة شخصية له. وقد توالت التعازي من مختلف أنحاء الهند والعالم في الفقيد الكبير، وأقيمت له صلاة الغائب والترحم في مختلف المناطق

العفو عند المقدرة
07-12-2007, 21:43
(بسم الل)


ابن تيمية

--------------------------------------------------------------------------------



ابن تيمية
اسم كالذهب هل سمعته ؟؟ وماذا تعلم عنه؟؟؟
هناك في بلدة حـران في الجزيرة بين الشام والعراق برزت أسرة متينة العلم والدين تسمى آل تيمية، وإبان غزو التتار لتلك المنطقة انتقلت الأسرة بكتبها وتراثها العلمي، إلى دمشق وفي الطريق حاول التتار اللحاق بهم وبغيرهم من المسلمين، الفارين بدينهم فالتجأوا إلى الله وابتهلوا إليه بالدعاء والاستغاثة حتى نجاهم من كيد الظالمين، وهناك في دمشق ظهر من هذه الأسرة (غلام صغير) يافع برزت عليه علامات النجابة والعبقرية، ما نظر في شئ إلا حفظه، وما طالع كتاباً إلا انتقش في ذهنه وبدأ يشيع ذكره في الشام ويتحدث الخلق عـن ذكائه وعبقريته ونباهته، وقد ذكر ( صاحب العقود الدرية من مناقب ابن تيمية ) أنه اتفق أن حضر بعض مشايخ حلب إلى دمشق فسأل عن غلام اسمه أحمد بن تيمية وأن الله وهبه ذاكرة قوية فسأل خياطاً في طريق كتابه قال : أتعرف أحمد بن تيمية ؟ قال : نعم هذا طريق كتابه ( يعني طريق ذهابه إلى الدرس ) فاجلس هنا، سيمر بعد قليل وبعد مدة حضر هذا الغلام، وبيده ألواحه فقال له الخياط : يا شيخ هذا هو أحمد بن تيمية فاستوقفه الشيخ الحلبي وقال يا بني أكتب هذه الأحاديث فأملاه بضعة عشر حديثاً فقال : انظر إليها، فنظر فيها ثم قال امحها ، فمحاها ثم قال أعدها عليّ فأعادها كأحسن ما أنت سامع . ثم أملاه بضعة عشر إسناداً فقال : أنظر فيها فنظر فيها مرة واحدة، ثم قال: أعدها عليّ فأعادها كأحسن ما أنت سامع ، يقول صاحب العقود فقال هذا الشيخ الحلبي : (إن عاش هذا الصبي ليكونن لـه شأن فإنه لم ير مثله) وقد صدقت فيه فراسة هذا الشيخ الحلبي فظهر لهذا الغلام شأن وأي شأن، حيث برّز في العلوم، وقرأ الكتب واستظهر الآثار وفاق الأقران ،ومهر المصنفات، بفضل الله تعالى وتوفيقه، فلقد منحه الله عز وجل ذاكرة هي صاعقة، ووهبه عبقرية نادرة، حتى عُد من( أذكياء العالم) واعتبر في زمنه( نادرة العصر) وأنه أعجوبة الزمان .
وسوف أعرض هذه الصفحات المطوية من حياة ابن تيمية من خلال الوقفات التالية :
الوقفة الأولى : العبودية الحقة :
إذا منّ الله على العبد بطاعته، وذاق حلاوة الإيمان، واستطعم الطاعة انقطع لها متلذذاً بأسرارها، ومدركاً لفوائدها ، ولقد وصف شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ بدوام الابتهال والانقطاع لله عز وجل . يقول الذهبي( لم أر مثله في ابتهاله واستغاثته وكثرة توجهه) وقد ذكروا عنه أموراً عجيبة في العبادة والانقطاع للباري عز وجل فذكر عنه أنه إذا اشكلت عليه مسألة أو تعسر عليه فهم آية التجأ إلى مسجد من المساجد المهجورة ومرغ جبهته على التراب وردد ( اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمني ويا مفهم سليمان فهمني )
، وحدث ابن القيم في بعض كتبه أنه جاء إليه وقد ارتفع النهار فاستغرب جلوسه فقال لـه: ( هذه غدوتي لو لم أتغدها سقطت قواي )، فأصبح الذكر وأصبحت العبادة هي غذاءه وشرابه لا يستغني عنها، ولا يستطيع التنازل عنها كما أن الإنسان لا يستغني عن الطعام والشراب إذا جاع فهذا أصبح قوته، وأصبحت لذته في الابتهال والانقطاع لله عز وجل ذاكراً ومتأملاً ومتخشعاً ويقول هو( إنه ليقف خاطري في المسألة أو الشئ أو الحالة التي تشكل عليّ فأستغفر الله ألف مرة أو أكثر أو أقل حتى ينشرح الصدر وينجلي إشكال ما أشكل ) وهذا خلق عظيم ينبغي أن يتصف به كل مسلم، إذا أشكل عليك أمر أو تعسرت عليك حاجة فإنك تبتهل إلى الله عز وجل بكثرة الدعاء ،
كان اذا سجن يقول :( ما يفعل أعدائي بي أنا جنتي وبستاني في صدري ، أين رحت فهي معي ، إن سجني خلوة وقتلي شهادة وإخراجي من بلدي سياحة) ، فهو إذا سُجن يقول أنا أختلي بذكر الله، و أقرأ القرآن، ولذلك سوف يأتي معنا أنه في آخر سجنة له، وقد أحصيت أنها سبع سجنات مكث سنة وأحد عشر شهراً َوسببها الإفتاء في مسألة شد الرحل إلى زيارة قبور الصالحين بالمنع ، ختم القرآن في ذلك السجن أكثر من( ثمانين مرة)
الوقفة الثانية : الشغف بالعلم :
ونقصد بها محبة العلم، والتلذذ به، فقد حبب الله عز وجل إليه العلم من الصغر، فأقبل عليه بكليته، ما أعطاه ساعة أو ساعتين،بل انقطع للعلم كثيراً، والسبب يعود بَعد توفيق الله إلى أنه نشأ في بيت علم، وذلك أن أباه وجده عالمان كبيران ولهذا يقول الذهبي في بعض التراجم له : ( كان أبوه عالماً كالنجم وكان جده عالماً كالقمر وكان ابن تيمية عالماً كالشمس) وذكر عنه الذهبي (يقول ما رأيته إلا وفي يده كتاب) يعني يقرأ يقلب العلم يراجع يحرر المسائل .وذكروا عنه ـ رحمه الله ـ أنه كان سريع القراءة سريع الكتابة وأيضاً نقل ابن القيم في( الوابل الصيب) أنه كان يكتب في يوم، ما يكتبه شخص في جمعة يعني أسبوعاً كاملاً ، وهذه (العقيدة الحموية) التي أتعبت الناس وعكف الناس على شرحها ولا يقرؤها إلا طلبة العلم الجادون، قالوا كتبها في( قَعدة بين الظهر والعصر) كتبها في مجلس واحد بين الظهر والعصر وهذه العقيدة الوسطية كتبها بعد العصر في وقت وجيز . وهذا يدل على علو همته ـ رحمه الله ـ وصبره وتوفيق الله عز وجل له فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم .
الوقفة الثالثة : الجامعية الفريدة :
إن شغفه بالعلم جَّره ،لأن يقرأ كل شئ، كماِ أشرنا، قرأ في كل فن! يجلس معه الفقهاء من أهل المذاهب الأخرى فيستفيدون من علمه ومن فقهه بل يخطؤهم ، يناظر فقهاء المالكية وَهو حنبلي طبعاً تربيته حنبليةِ لكن بعد ذلك شق كل الآفاق، واتبع الدليل كما سيأتي معنا فهو وصف( بالجامعية الفريدة) وعرف بالاستبحار في سائر العلوم الشرعية ، حتى العلوم الدنيوية التي ليس لها فائدة تعلمها وقرأها من حبه للمعرفة ، ولهذا يقول ِقرْنه الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني ـ رحمه الله ـ( كان إذا سُئل عن فنٍّ من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن ، وحكم أن أحداً لا يعرفه مثله وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في
مذاهبهم )
الوقفة الرابعة : سلامة الصدر :
وهي (خصلة عظيمة) وتعني طهارة قلب المسلم على إخوانه المسلمين، وخلوه من الضغائن والأحقاد وقد كان شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ في ذلك عجيباً فريداً فقد كان له خصوم من القضاة والعلماء، دبروا له المكائد، وحرفوا كتبه وحرقوا فتاويه، وتربصوا به عند الأمراء، وقالوا فيه كل إفك وباطل، ومع ذلك عفا عنهم وتجاوز وقال (سامحت وعفوت عن كل من آذاني إلا من آذى الله ورسوله) وكان القاضي ابن مخلوف المالكي قاضي قضاة المالكية من خصومه الأشداء، فكان قد أفتى فيه، وأفتى حتىإنه (حلال الدم) وسجنه أكثر من مرة فلما ظفر بهم شيخ الإسلام، وتهيأت له الفرصة، أن ينتقم منهم عن طريق بعض الأمراء عفا عنهم وسامح ، وكان أحد الأمراء يريد البطش بهؤلاء لأنهم كانوا قد وقفوا مع أمير آخر ضده، فلما رد الله له ملكه وسلطانه قال لابن تيمية: أعطني فتوى فيهم وأنا أريحك منهم فقال (هؤلاء علماء الأمة ولن تجد أحسن منهم وأفضل وهم الناصرون لك أيام الملمات وأيام الشدائد) فيقول ابن مخلوف يعبر عن هذه النفسية الكريمة : (عجباً لابن تيمية قدرنا عليه فأدخلناه السجن وقدر علينا
فحاجج عنا) هذا كان من أشد خصومة ، ومرة جاءه ابن القيم وقد ذكر هذه القصة ابن القيم في بعض كتبه، يبشره بهلاك خصم من خصومه الألداء الذي كان يتربص به، وكان يحقد عليه كثيراً، يبشره بأنه مات وهلك فغضب في وجه ابن القيم وانتهره وقال : (إنا لله وإنا إليه راجعون) وانطلق من ساعته إلى أهل بيت الميت وقد كان من خصومه فقال لهم : (عزاهم وأحسن عزائهم وقال اعتبروني خليفة لميتكم ونائباً عنه وأساعدكم في كل أمر تحتاجونه) حتى تعجب أهل الميت من هذه الأخلاق الجبارة وهم يعلمون شدة ذاك عليه رحمه الله ، وهكذا المسلم ينبغي أن يكون طاهر القلب على إخوانه المسلمين فإن الحسد والضغينة تأكل الحسنات كما تأكل النار الهشيم .
الوقفة الخامسة : الداعية الحكيم :
قال تعالي:]مَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا[ [البقرة: آيه 269]
فإن الداعية مع ما يؤتيه الله عز وجل من علم ومحفوظات وكتب يقرأها يحتاج إلى نوع من العلم وهو ما يسمى (بالحكمة والبصيره) مَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وهي عبارة عن النظر في البواطن، وعدم الاستعجال وتأمل العواقب والنظر بمنظار المصالح والمفاسد ومن الأمثلة التي تدل على حكمته وفقاهته ـ رحمه الله ـ أنه مرة كان ماشياً مع بعض أصحابه فرأوا التتار يشربون الخمر، فهموا أن ينكروا عليهم فقال لهم : (لا، دعوهم يشربون الخمر فإن هؤلاء إذا صحوا قتلوا في الناس وسفكوا الدماء وفعلوا فعائل عظيمة) فقال اتركوهم يشربون الخمر حتى تطير عقولهم ولا يحسنون التصرف ولا يلحق الأمة منهم أذيات وشدائد فانظر إلى حكمته رحمه الله
الوقفة السادسة : العالم الأبي :
(العالم الأبي) هو العالم الذي لا يتأكل بالعلم، ولا يعيش بما يؤتيه الله عز وجل من بصيرة وفقه ولا يجعل هذا العلم سلماً إلى نيل المناصب والرئاسات ، قال في الكواكب الدرية (كانت تأتيه القناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث فيهب ذلك بأجمعه ويضعه عند أهل الحاجة في موضعه ولا يأخذ منه شيئاً ولا يحفظه إلا ليذهبه) وقال ابن رجب في الذيل على طبقات الحنابلة وهي من (أحسن التراجم) عن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: (عُرض عليه قضاء القضاة ومشيخة الشيوخ فلم يقبل شيئاً من ذلك ، وسنه تقريباً فوق الثلاثين عرضوا عليه هذه المناصب فأباها وترك الدنيا وقلاها)
الوقفة السابعة: ابن تيمية السني :
لا يصح إ يمان العبد حتى يكون متبعاً للنبي صلى الله عليه وسلم وإنما يحب رسول الله من يعظمه ويقتفي آثاره في السنن والأقوال . أنت تقول مسلم إذن تتبع النبي صلى الله عليه وسلم ولا تتساهل في السنن والوظائف أو الفصائل بل ينبغي إذا كنت طالب علم أو داعية أو إمام مسجد أن تكون أسبق الناس للخيرات، وأحرصهم على اتباع السنن يقول تلميذه البزار في كتابه (الأعلام العلية) من مناقب ابن تيمية ( والله ما رأيت أحداً أشد تعظيماً لرسول الله ولا أحرص على اتباعه، ونصر ما جاء به منه) ويقول العلامة عماد الدين الواسطي (ما رأينا في عصرنا هذا من تستجلي النبوة المحمدية وسننها من أقواله وأفعاله إلا هذا الرجل يشهد القلب الصحيح أن هذا هو الإتباع حقيقة) عرفت فالتزم ، بلغتك السنن فلا ترد شيئاً ، قيل لك هذا كلام الله هذا كلام رسوله عليه الصلاة والسلام فلا تتذبذب أو تتردد ولا تفكر ولا تبحث عن تأويل ولا عن فسحة، ولا عن مخرج! بعض الناس تقول له : يقول النبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا في الربا أو في الحلال والحرام أو بعض المعاصي والمنكرات فيبدأ يبحث عن تأويل، عن فتوى، لا سيما مع كثرة من يفتي في هذا الزمان .. فتوى في المشرق، وفي المغرب، وفي الإنترنت مواقع دعاة وهنا وهناك وأصبحت الفتوى (صنعة من لا صنعة له) فهذا الرجل كان شديد الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم معظماً للآثار النبوية إذا بلغته وإذا طالعت كتبه ونظرت في الفتاوى تدرك حقيقة اتباع هذا الرجل وكيف أن الله عز وجل وفقه وبلغه هذه المنزلة بحسن اتباعه واقتفائه للسنن والآثار .
الوقفة الثامنة : العمل والدعوة أثناء المحن والشدائد :
لم تكن المحن والبليات عائقة لشيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ عن مواصلة عمله الدعوي، ولا طريقه الإصلاحي، فيقينه متين، وهمته عالية، وهو راضٍ بقدر الله عز وجل، ولهذا هو مؤمن بضرورة العلم والإصلاح حتى في الظروف الصعبة الشديدة ولهذا ابتلي من بعض العلماء، وبعض القضاة، ودخل السجن مرات عديدة وفرضت عليه (الإقامة الجبرية) وقد أحصى الشيخ بكر أبو زيد السجنات التي تعرض لها شيخ الإسلام ابن تيمية وأنها (سبع سجنات)وواصل ابن تيمية الدعوة ولم يبال بأحد، لأنه صاحب (رسالة عظيمة) يريد إيصال هذا الدين إلى الناس، يريد تنقيح العقيدة الصحيحة، يريد تطهير الأمة من البدع والخرافات وردها إلى صحيح الآثار، ولهذا حتى لو عرضه ذلك للأذايا في ذات الله فإنه صبر واحتسب، ولهذا دخل السجن مرات عديدة وحصلت فتوحات وبركات في العلم والإيمان فمثلاً في السجن ألف كتباً كثيرة جداً كالرد على الإخنائي القاضي المالكي رد عليه في مسألة شد الرحال إلى قبور الصالحين ألف فيه كتاباً عظيماً حشاه بالفوائد ، تأتيه المسائل من الشرق والغرب فيكتب فيها وهو في السجن فغاظ أعداءه وخصومه، أن الرجل يكتب ويؤلف حتى في السجن ولا يبالي بأحد ويقول
(ما يسعني كتمان العلم) فسحبوا الأوراق والمحابر من السجن قالوا هذا لا يؤلف ولا تعطوه شيئا،ً وكان يتكلم من حفظه في السجن ما عنده مكتبة فسحبوا الأقلام والأوراق فأصبح (يكتب بالفحم) رحمه الله ، كتب بالفحم في السجن وكان يتكلم من محفوظاته رجل كالبحر يهدر كالتيار يفيض كما يفيض البحر ويفتح الله عليه من الأسرار والكلمات والتعليقات والغوامض واللغويات أشياء عجيبة حتى انذهل منه خصومه ومن أشد خصومه أيضاً (تقي الدين السكبي) والد صاحب طبقات الشافعية الكبرى وحصل بينهما خلافات ومشاكل في الاعتقاد، وفي مسألة الحلف بالطلاق هل تطلق زوجته أو ما تطلق وابن تيمية قال ما تطلق لأنه أراد التأكيد والتعيين وزجر نفسه فيرى عليه كفاره يمين ، والطلاق ثلاث مرات بلفظ واحد قال تقع طلقة واحدة وكتب في ذلك بحوثاً طويلة موجودة في الفتاوى ونقلها تلاميذه ،ورد عليه السكبي أيضاً بكتب، لكن حقيقة كان (كساقية لاطمت بحراً) وهم يختارون أجلهم حتى يناظره حتى يقول فيه الشيخ صفي الدين الهندي وهذا من أقوى الناس الذين ناظروه ومع ذلك لما تقرأ المناظرة ترى ضخامة ذاك وضعف هذا يقول : (عجباً له كلما ناظرناه رأيناه مثل العصفور ، إن جئناك من هنا رحت بنا من هنا ) من قوة استحضاره وسرعة بديهته .
من كتبه : العقيدة الواسطية والفتوى الحموية و منهاج السنة النبوية واقتضاء الصراط المستقيم فى مخالفة اصحاب الجحيم والجواب الصريح على من بدل دين المسيح و كتاب الفرقان بين اولياء الرحمن كتاب الايمان.
وفاته :
توفى فى القلعة بعد ان ظل معتقلا فيها سنتين ومرض بضعة وعشرين يوما ثم مات وهو يختم الختمة ال 81وانتهى عند قوله تعالى(ان المتقين فى جنات ونهر فى مقعد صدق عند مليك مقتدر ).
هــــــــــــــــــل عرفت الان من هو شيخ الاسلام ابن تيمية ؟؟؟
نفعنا الله بعلمه وجعل من شبابنا من هو مثله فالأمة فى حاجة الى امثاله لترقى وترتقى .
منقول عن كتاب وقفات بهية مع شيخ الاسلام ابن تيمين

الداعية
07-12-2007, 22:30
ماشاء الله مجهود تشكر عليه يا طالب العلم وان كنت اتمنى ان يكون كل موضوع مختصر عن كل علم من اعلام الامة ولكن لابأس فحياته زخرت بما لاينفع معه تلخيص للاحداث المهمة
بارك الله فيك وجزاك ربي جنته

العفو عند المقدرة
07-12-2007, 23:01
متشكرينك يا اختنا على المرور الطيب وعلى تثبيت
الموضوع ارجو ان يفيدكم ويفيد جميع المسلمين .

وسام طيبة الطيبة
08-12-2007, 06:02
احسن الله اليكم
محجوز
وان شاء الله مشاركتي قادمة

العفو عند المقدرة
08-12-2007, 13:40
بارك الله فيك على المرور الطيب

العفو عند المقدرة
08-12-2007, 13:41
عمر بن عبد العزيز

--------------------------------------------------------------------------------



ترجمته:

هو عمر بن عبد العزيز بن مروان ولد سنة 62 هجرية وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب. ولي الخلافة بعد سليمان بن عبد الملك باستخلافه إياه.

لما مات سليمان خرج رجاء بعهده الذي لم يكن فتح وجمع بني أمية في مسجد دابق وطلب منهم المبايعة مرة ثانية لمن سماه سليمان في كتابه فلما تمت بيعتهم أخبرهم بوفاة أمير المؤمنين وقرأ عليهم الكتاب ولما انتهى أخذ بضبعي عمر فأجلسه على المنبر وهو يسترجع لما وقع فيه وهشام بن عبد الملك يسترجع لما أخطأه.

ولما تمت البيعة بمراكب الخلافة البراذين والخيل والبغال ولكل دابة سائس فقال ما هذا قالوا مركب الخلافة قال دابتي أوفق لي وركب دابته فصرفت تلك الدواب ثم أقبل سائراً فقيل له منزل الخلافة فقال فيه عيال أبي أيوب وفي فسطاطي كفاية حتى يتحولوا فأقام في منزله حتى فرغوه بعد.

كان عمر بن عبد العزيز بعيداً عن كبرياء الملوك وجبروتهم فأعاد إلى الناس سيرة الخلفاء الراشدين الذين كانوا ينظرون إلى أمتهم نظر الأب البار ويعدلون بينهم في الحقوق ويعفون عن أموال الرعية والدنيا عندهم أهون من أن يهتم بجمعها كذلك كان عمر بن عبد العزيز.

في أول خلافته أرسل كتاباً عاماً إلى جميع العمال بالأمصار هذه نسخته أما بعد فإن سليمان بن عبد الملك كان عبداً من عبيد اللَّه أنعم اللَّه عليه ثم قبضه واستخلفني ويزيد بن عبد الملك من بعدي إن كان، وإن الذي ولاني اللَّه من ذلك وقدر لي ليس على بهين ولو كانت رغبتي في اتخاذ أزواج واعتقال أموال كان في الذي أعطاني من ذلك ما قد بلغ بي أفضل ما بلغ بأحد من خلقه وأنا أخاف فيما ابتليت به حساباً شديداً ومسألة غليظة إلا ما عافى اللَّه ورحم وقد بايع من قبلنا فبايع من قبلك. وهذا الكتاب ينبىء عن حقيقة الرجل وتواضعه وبعده عن الزهو والكبرياء وشعوره بعظيم ما ألقي عليه من أمر المسلمين.

مما يدل على حبه للعدل والوفاء أن أهل سمرقند قالوا لعاملهم سليمان بن أبي السرح إن قتيبة غدر بنا وظلمنا وأخذ بلادنا وقد أظهر اللَّه العدل والإنصاف فأذن لنا فليفد منا وفد إلى أمير المؤمنين يشكون ظلامتنا فإن كان لنا حق أعطيناه فإن بنا إلى ذلك حاجة فأذن لهم فوجهوا منهم قوماً إلى عمر فلما علم عمر ظلامتهم كتب إلى سليمان يقول له إن أهل سمرقند قد شكوا ظلماً أصابهم وتحاملاً من قتيبة عليهم حتى أخرجهم من أرضهم فإذا أتاك كتابي فأجلس لهم القاضي فلينظر في أمرهم فإن قضى لهم فأخرجهم إلى معسكرهم كما كانوا وكنتم قبل أن ظهر عليهم قتيبة فأجلس لهم سليمان جميع بن حاضر.

ومن أعماله العظيمة تركه لسب علي بن أبي طالب على المنابر وكان بنو أمية يفعلونه فتركه وكتب إلى الأمصار بتركه. وكان الذي وقر ذلك في قلبه أنه لما ولي المدينة كان من خاصته عبيد اللَّه بن عتبة بن مسعود من فقهاء المدينة فبلغه عن عمر شيء مما يقول بنو أمية فقال عبيد اللَّه متى علمت أن اللَّه غضب على أهل بدر وبيعة الرضوان بعد أن رضيعنهمفقال لم أسمع ذلك قال فما الذي بلغني عنك في علي فقال عمر معذرة إلى اللَّه وإليك وترك ما كان عليه فلما استخلف وضع مكان ذلك {إن اللَّه يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون} [النحل: 9] فأي شر رفع وأي خير وضع قال في ذلك كثير عزة:

بريا ولم تتبع مقالة مجرم
تبين آيات الهدى بالتكلم
فعلت فأضحى راضياً كل مسلم
من الأود البادي ثقات المقوم

وليت فلم تشتم عليا ولم تخف
تكلمت بالحق المبين وإنما
وصدقت معروف الذي قلت بالذي
ألا إنما يكفي الفتى بعد زيغه


ومن إصلاحه أمره بعمل الخانات في البلدان القاصية فقد كتب إلى سليمان بن أبي السرح أن اعمل خانات فمن مر بك من المسلمين فأقروه يوماً وليلة وتعهدوا دوابهم ومن كانت به علة فأقروه يومين وليلتين وإن كان منقطعاً فأبلغه بلده.

ومما يذكر له أن أبطل مغارم كثيرة كانت قد استحدثت في عهد الحجاج بن يوسف فقد كتب إلى أمير العراق أما بعد فإن أهل الكوفة قد أصابهم بلاء وشدة وجور في أحكام اللَّه وسنة خبيثة سنها عليهم عمال السوء وإن قوام الدين العدل والإحسان فلا يكون شيء أهم إليك من نفسك فلا تحملها إلا قليلاً من الإثم ولا تحمل خراباً على عامر وخذ منه ما طاق وأصلحه حتى يعمر ولا يؤخذن من العامر إلا وظيفة الخراج في رفق وتسكين لأهل الأرض ولا تأخذ أجور البيوت ولا درهم النكاح ولا خراج على من أسلم من أهل الذمة فاتبع في ذلك أمري فإني قد وليتك من ذلك ما ولاني اللَّه.

ومما فعله أنه نهى عن تنفيذ حكم أو قطع إلا بعد أن يراجع فيه بعد أن كانت الدماء قبله تراق من غير حساب بل على حسب هوى الأمير.

ومن الحكمة أن لا يتساهل في مثل هذه الحدود وضم رأي الخليفة إلى رأي القاضي الذي حكم ضمان كبير لأن يكون الحكم قد وقع موقعه.

رده المظالم لأهلها لما ولى الخلافة أحضر قريشاً ووجوه الناس فقال لهم إن فدك كانت بيد رسول اللَّه r فكان يضعها حيث أراد اللَّه ثم وليها أبو بكر وعمر كذلك ثم أقطعها مروان ثم إنها قد صارت إلي ولم تكن من مالي أعود منها علي وإني أشهدكم قد رددتها على ما كانت عليه في عهد رسول اللَّه r وقال لمولاه مزاحم أن أهلي أقطعوني ما لم يكن لي أن آخذ ولا لهم أن يعطونيه وإني قد هممت برده على أربابه.

كان عمر غير مترف فكان مصرفه كل يوم درهمين وكان يتقشف في ملبسه كجده عمر بن الخطاب ولم يتزوج كعمر غير فاطمة بنت عبد الملك بن مروان وكان أولاده يعينونه على الخير وكان أشدهم معونة له ابنه عبد الملك.

وعلى الجملة فإن عمر بن عبد العزيز من أفراد الخلفاء الذين لا يسمح بهم القدر كثيراً ويرى المسلمون أن عمر هو الذي بعث على رأس المائة الثانية ليجدد للأمة أمر دينها كما جاء في حديث »إن اللَّه يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها «.

لم يحدث في عهد عمر شيء من الحوادث الداخلية المهمة إلا ما كان من القبض على يزيد بن المهلب واحضاره إلى عمر فسأله عن الأموال التي كتب بها إلى سليمان بن عبد الملك فقال كنت من سليمان بالمكان الذي قد رأيت وإنما كتبت إلى سليمان لأسمع الناس وقد علمت أن سليمان لم يكن ليأخذني به فقال لا أحد في أمرك إلا حبسك فاتق اللَّه وأد ما قبلك فإنها حقوق المسلمين ولا يسعني تركها وحبس بحصن حلب.

ومن الحوادث الخارجية في عهده أنه كتب إلى ملوك السند يدعوهم إلى الإسلام وقد كانت سيرته بلغتهم فأسلم ملوك السند وتسموا بأسماء العرب.

واستقدم مسلمة بن عبد الملك من حصار القسطنيطينية وأمر أهل طرندة بالقفول عنها إلى ملطية وطرندة داخلة في البلاد الرومية من ملطية ثلاث مراحل وكان عبد اللَّه بن عبد اللَّه قد أسكنها المسلمين بعد أن غزاها سنة 83 وملطية يومئذ خراب وكان يأتيهم جند من الجزيرة يقيمون عندهم إلى أن ينزل الثلج ويعودون إلى بلادهم فلم يزالوا إلى أن ولي عمر فأمرهم بالعودة إلى ملطية وأخلى طرندة خوفاً على المسلمين من العدو وأخرب طرندة

منقول
من احد الموضيع

الجنرال
19-04-2008, 22:00
بارك الله فيكم

العفو عند المقدرة
20-04-2008, 15:21
وفيكم بارك الله اخي الحبيب