twitter twitter



إعلانات المنتدى

. .
. .




 

النتائج 1 إلى 7 من 7

الموضوع: تفسير آية من سورة الإسراء

بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله, نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات إعمالنا, من يهده الله فلا مصل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد

  1. #1

    عضو كالشعلة

    الحالة : غير متصل

    تاريخ التسجيل : 10 2009

    المشاركات : 432

    الجنس :ذكر

    القارئ المفضل : الشيخ علي بن عبد الرحمن الحذيفي/ القارئ عبد الحميد بن عبد الله الغويل

    تفسير آية من سورة الإسراء




    بسم الله الرحمن الرحيم
    إن الحمد لله, نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات إعمالنا, من يهده الله فلا مصل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
    أما بعد
    فهذا تفسير قوله تعالى: { وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا * عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا}, رأيت أن أنقل بعض أقوال المفسرين فيها؛ لأنني سمعتُ أحد الذين يتصدرون للدعوة –وهو مزجى البضاعة, أجنبي من هذه الصناعة- يفسرها بتفسير خاطئ لَمْ أسمع مَن سبقَه إليه من المفسرين لا قديمًا ولا حديثًا, ولن أضيع وقتكم بنقل كلامه ومناقشته.
    وهذا من عواقب ما ابتُلينا به في هذا الزمان من التصدر للدعوة بجهل من كثير من الناس, نسأل الله لهم الهداية.
    فرأيت أن أبين أقوال أهل العلم في تفسير هذه الآية.
    قال الإمام ابن كثير –رحمه الله تعالى-:
    ((يخبر –تعالى- أنه قضى إلى بني إسرائيل في الكتاب, أي تقدم إليهم وأخبرهم في الكتاب الذي أنزله عليهم أنهم سيفسدون في الأرض مرتين, ويعلون علواً كبيراً, أي يتجبرون ويطغون ويفجرون على الناس, كقوله تعالى: {وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين} أي تقدمنا إليه, وأخبرناه بذلك, وأعلمناه به. وقوله {فإذا جاء وعد أولاهما} أي أولى الإفسادتين {بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد} أي سلطنا عليكم جنداً من خلقنا أولي بأس شديد أي قوة وعدة وسلطنة شديدة, فجاسوا خلال الديار, أي تملكوا بلادكم وسلكوا خلال بيوتكم, أي بينها ووسطها, وانصرفوا ذاهبين وجائين لا يخافون أحداً وكان وعداً مفعولاً.
    وقد اختلف المفسرون من السلف والخلف في هؤلاء المسلّطين عليهم من هم ؟ فعن ابن عباس وقتادة أنه جالوت الجزري وجنوده, سلط عليهم أولاً ثم أديلوا عليه بعد ذلك. وقتل داود جالوت, ولهذا قال: {ثم رددنا لكم الكرة عليهم} الاَية, وعن سعيد بن جبير أنه ملك الموصل سنجاريب وجنوده. وعنه أيضاً وعن غيره أنه بختنصر ملك بابل. وقد ذكر ابن أبي حاتم له قصة عجيبة في كيفية ترقيه من حال إلى حال إلى أنه ملك البلاد, وأنه كان فقيراً مقعداً ضعيفاً يستعطي الناس ويستطعمهم, ثم آل به الحال إلى ما آل, وأنه سار إلى بلاد بيت المقدس فقتل بها خلقاً كثيراً من بني إسرائيل, وقد روى ابن جرير في هذا المكان حديثاً أسنده عن حذيفة مرفوعاً مطولاً, وهو حديث موضوع لا محالة, لا يستريب في ذلك من عنده أدنى معرفة بالحديث, والعجب كل العجب كيف راج عليه مع جلالة قدره وإمامته, وقد صرح شيخنا الحافظ العلامة أبو الحجاج المزي رحمه الله بأنه موضوع مكذورب, وكتب ذلك على حاشية الكتاب.
    وقد وردت في هذا آثار كثيرة إسرائيلية لم أرَ تطويل الكتاب بذكرها, لأن منها ما هو موضوع ومن وضع بعض زنادقتهم, ومنها ما قد يحتمل أن يكون صحيحاً, ونحن في غنية عنها, ولله الحمد. وفيما قص الله علينا في كتابه غنية عما سواه من بقية الكتب قبله, ولم يحوجنا الله ولا رسوله إليهم. وقد أخبره الله عنهم أنهم لما طغوا وبغوا, سلط الله عليهم عدوهم فاستباح بيضتهم, وسلك خلال بيوتهم, وأذلهم وقهرهم جزاء وفاقاً, وما ربك بظلام للعبيد, فإنهم كانوا قد تمردوا وقتلوا خلقاً من الأنبياء والعلماء. وقد روى ابن جرير حدثني يونس بن عبد الأعلى, حدثنا ابن وهب, أخبرني سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: ظهر بختنصر على الشام, فخرب بيت المقدس وقتلهم, ثم أتى دمشق فوجد بها دماً يغلي على كبا, فسألهم, ما هذا الدم ؟ فقالوا: أدركنا آباءنا على هذا, وكلما ظهر عليه الكبار ظهر, قال: فقتل على ذلك الدم سبعين ألفاً من المسلمين وغيرهم, فسكن, وهذا صحيح إلى سعيد بن المسيب, وهذا هو المشهور, وأنه قتل أشرافهم وعلماءهم حتى إنه لم يبق من يحفظ التوراة, وأخذ منهم خلقاً كثيراً أسرى من أبناء الأنبياء وغيرهم, وجرت أمور وكوائن يطول ذكرها, ولو وجدنا ما هو صحيح أو ما يقاربه لجاز كتابته وروايته, والله أعلم.
    ثم قال تعالى: {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها} أي فعليها, كما قال تعالى: {من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها}. وقوله: {فإذا جاء وعد الآخرة} أي الكرة الآخرة, أي إذا أفسدتم الكرة الثانية وجاء أعداؤكم {ليسوءوا وجوهكم} أي يهينوكم ويقهروكم, {وليدخلوا المسجد} أي بيت المقدس {كما دخلوه أول مرة} أي في التي جاسوا فيها خلال الديار, {وليتبروا} أي يدمروا ويخربوا {ما علوا} أي ما ظهروا عليه {تتبيراً * عسى ربكم أن يرحمكم} أي فيصرفهم عنكم, {وإن عدتم عدنا} أي متى عدتم إلى الإفساد {عدنا} إلى الإدالة عليكم في الدنيا مع ما ندخره لكم في الآخرة من العذاب والنكال, ولهذا قال: {وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً} أي مستقراً ومحصراً وسجناً لا محيد لهم عنه. قال ابن عباس: حصيراً أي سجناً. وقال مجاهد: يحصرون فيها, وكذا قال غيره, وقال الحسن: فرشاً ومهاداً. وقال قتادة: قد عاد بنو إسرائيل, فسلط الله عليهم هذا الحي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه, يأخذون منهم الجزية عن يد وهم صاغرون.)) اهـ
    وقال العلامة محمد الأمين الشنقيطي –رحمه الله تعالى- في كتابه "أضواء البيان":
    ((قوله تعالى: {وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِى إِسْرَٰءِيلَ}. أظهر الأقوال فيه: أنه بمعنى أخبرناهم وأعلمناهم.
    ومن معاني القضاء: الأخبار والإعلام. ونظير ذلك في القرآن قوله تعالى: {وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلاٌّمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَـٰؤُلآْءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ} والظّاهر أن تعديته بـ «إلى» لأنه مضمن معنى الإيحاء. وقيل: مضمن معنى: تقدمنا إليهم فأخبرناهم. قال معناه ابن كثير. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لاًّنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من أحسن ـ أي بالإيمان والطاعة ـ فإنه إنما يحسن إلى نفسه.
    لأن نفع ذلك لنفسه خاصة. وأن من أساء ـ أي بالكفر والمعاصي ـ فإنه إنما يسيء على نفسه. لأن ضرر ذلك عائد إلى نفسه خاصة.
    وبين هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله: {مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا}، وقوله: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُوَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}، وقوله: {مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلاًّنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ}، إلى غير ذلك من الآيات. واللام في قوله: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} بمعنى على، أي فعليها، بدليل قوله {وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا}. ومن إتيان اللام بمعنى على قوله تعالى: {وَيَخِرُّونَ لِلاٌّذْقَانِ}. أي عليها: وقوله: {فَسَلَـٰمٌ لَّكَ}. أي سلام عليك ـ على ما قاله بعض العلماء. ونظير ذلك من كلام العرب: قول جابر التغلبي، أو شريح العبسي، أو زهير المزني أو غيرهم:
    تناوله بالرمح ثم انثنى له فخر صريعاً لليدين وللفم
    أي على اليدين وعلى الفم. والتعبير بهذه اللام في هذه الآية للمشاكلة. كما قدمنا في نحو: {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ}، {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ}. قوله تعالى: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلاٌّخِرَةِ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ}. جواب {إِذَا} في هذه الآية الكريمة محذوف، وهو الذي تتعلق به اللام في قوله: {لِيَسُوءُواْ} وتقديره: فإذا جاء وعد الآخرة بعثناهم ليسؤوا وجوهكم. بدليل قوله في الأولى: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولَـٰهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَآ}، وخير ما يفسر به القرآن القرآن. قال ابن قتيبة في مشكل القرآن): ونظيره في حذف العامل قول حميد بن ثور:
    رأتني بحبليها فصدت مخافة وفي الحبل روعاه الفؤاد فروق
    أي رأتني أقبلت، أو مقبلاً. وفي هذا الحرف ثلاث قرآت سبعيات: قرأه على الكسائي «لنسوء وجوهكم» بنون العظمة وفتح الهمزة. أي لنسوءها بتسليطنا إياهم عليكم يقتلونكم ويعذبونكم. وقرأه ابن عامر وحمزة وشعبة عن عاصم «ليسوء وجوهكم» بالياء وفتح الهمزة والفاعل ضمير عائد إلى الله. أي ليسوء هو. أي الله وجوهكم بتسليطه إياهم عليكم.
    وقرأه الباقون {لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ} بالياء وضم الهمزة بعدها واو الجمع التي هي فاعل الفعل، ونصبه بحذف النون، وضمير الفاعل الذي هو واو عائد إلى الذين بعثهم الله عليهم ليسؤوا وجوههم بأنواع العذاب والقتل. قوله تعالى: {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا}. لما بين جلَّ وعلا أن بني إسرائيل قضى إليهم في الكتاب أنهم يفسدون في الأرض مرتين، وأنه إذا جاء وعد الأولى منهما: بعث عليهم عباداً له أولي بأس شديد، فاحتلوا بلادهم وعذبوهم. وأنه إذا جاء وعد المرة الآخرة: بعث عليهم قوماً ليسوءوا وجوههم، وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة، وليتبروا ما علوا تتبيراً.
    وبين أيضاً: أنهم إن عادوا للإفساد المرة الثالثة فإنه جلَّ وعلا يعود للانتقام منهم بتسليط أعدائهم عليهم. وذلك في قوله: {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا} ولم يبين هنا: هل عادوا للإفساد المرة الثالثة أو لا؟
    ولكنه أشار في آيات أخر إلى أنهم عادوا للإفساد بتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم، وكتم صفاته ونقض عهوده، ومظاهرة عدوه عليه، إلى غير ذلك من أفعالهم القبيحة. فعاد الله جلَّ وعلا للانتقام منهم تصديقاً لقوله: {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا} فسلط عليهم نبيه صلى الله عليه وسلم، والمسلمين. فجرى على بني قريظة والنضير، وبني قينقاع وخيبر، ما جرى من القتل، والسبي، والإجلاء، وضرب الجزية على من بقي منهم، وضَرْب الذلة والمسكنة.
    فمن الآيات الدالة على أنهم عادوا للإفساد قوله تعالى {وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَـٰبٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ * بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ}، وقوله: {أَوَكُلَّمَا عَـٰهَدُواْ عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ}، وقوله: {وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ}، ونحو ذلك من الآيات.
    ومن الآيات الدالة على أنه عاد للانتقام منهم، قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِىۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مِن دِيَـٰرِهِمْ لاًّوَّلِ ٱلْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى ٱلْمُؤْمِنِينَ فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِى ٱلاٌّبْصَـٰرِ وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى ٱلاٌّخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}، وقوله تعالى: {وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَـٰهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَـٰرَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا}، ونحو ذلك من الآيات.
    وتركنا بسط قصة الذين سُلطوا عليهم في المرتين. لأنها أخبار إسرائيلية. وهي مشهورة في كتب التفسير والتاريخ. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَـٰفِرِينَ حَصِيرًا}. في قوله: {حَصِيرًا} في هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير معروفان عند العلماء، كل منهما يشهد لمعناه قرآن. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن الآية قد يكون فيها وجهان أو أوجه وكلها صحيح ويشهد له قرآن. فنورد جميع ذلك لأنه كله حق:
    الأول ـ أن الحصير: المحبس والسجن. من الحصر وهو الحبس. قال الجوهري: يقال حصره يحصره حصراً: ضَيَّق عليه، وأَحاط به. وهذا الوجه يدل له قوله تعالى: {وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً}، ونحو ذلك من الآيات.
    الوجه الثاني ـ أن معنى {حَصِيرًا} أي فراشاً ومهاداً.
    من الحصير الذي يفرش. لأن العرب تسمي البساط الصغير حصيراً. قال الثعلبي: وهو وجه حسن. ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: {لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ}، ونحو ذلك من الآيات. والمهاد: الفراش.)) اهـ
    وقال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي –رحمه الله- في تفسيره "تيسير الكريم الرحمن":
    { وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ } أي: تقدمنا وعهدنا إليهم وأخبرناهم في كتابهم أنهم لا بد أن يقع منهم إفساد في الأرض مرتين بعمل المعاصي والبطر لنعم الله والعلو في الأرض والتكبر فيها وأنه إذا وقع واحدة منهما سلط الله عليهم الأعداء وانتقم منهم وهذا تحذير لهم وإنذار لعلهم يرجعون فيتذكرون.
    { فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا } أي: أولى المرتين اللتين يفسدون فيهما. أي: إذا وقع منهم ذلك الفساد { بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ } بعثا قدريا وسلطنا عليكم تسليطا كونيا جزائيا { عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ } أي: ذوي شجاعة وعدد وعدة فنصرهم الله عليكم فقتلوكم وسبوا أولادكم ونهبوا أموالكم، وجاسوا خِلَالَ دياركم فهتكوا الدور ودخلوا المسجد الحرام وأفسدوه. { وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا } لا بد من وقوعه لوجود سببه منهم.
    واختلف المفسرون في تعيين هؤلاء المسلطين إلا أنهم اتفقوا على أنهم قوم كفار.
    إما من أهل العراق أو الجزيرة أو غيرها سلطهم الله على بني إسرائيل لما كثرت فيهم المعاصي وتركوا كثيرا من شريعتهم وطغوا في الأرض.
    { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ } أي: على هؤلاء الذين سلطوا عليكم فأجليتموهم من دياركم. { وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ } أي: أكثرنا أرزاقكم وكثرناكم وقويناكم عليهم، { وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا } منهم وذلك بسبب إحسانكم وخضوعكم لله.
    { إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ } لأن النفع عائد إليكم حتى في الدنيا كما شاهدتم من انتصاركم على أعدائكم. { وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } أي: فلأنفسكم يعود الضرر كما أراكم الله من تسليط الأعداء.
    { فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ } أي: المرة الآخرة التي تفسدون فيها في الأرض سلطنا عليكم الأعداء.
    { لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ } بانتصارهم عليكم وسبيكم وليدخلوا المسجد الحرام كما دخلوه أول مرة، والمراد بالمسجد مسجد بيت المقدس.
    { وَلِيُتَبِّرُوا } أي: يخربوا ويدمروا { مَا عَلَوْا } عليه { تَتْبِيرًا } فيخربوا بيوتكم ومساجدكم وحروثكم.
    { عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ } فيديل لكم الكرة عليهم، فرحمهم وجعل لهم الدولة. وتوعدهم على المعاصي فقال: { وَإِنْ عُدْتُمْ } إلى الإفساد في الأرض { عُدْنَا } إلى عقوبتكم، فعادوا لذلك فسلط الله عليهم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم
    فانتقم الله به منهم، فهذا جزاء الدنيا وما عند الله من النكال أعظم وأشنع، ولهذا قال: { وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا } يصلونها ويلازمونها لا يخرجون منها أبدا. وفي هذه الآيات التحذير لهذه الأمة من العمل بالمعاصي لئلا يصيبهم ما أصاب بني إسرائيل، فسنة الله واحدة لا تبدل ولا تغير.
    ومن نظر إلى تسليط الكفرة على المسلمين والظلمة، عرف أن ذلك من أجل ذنوبهم عقوبة لهم وأنهم إذا أقاموا كتاب الله وسنة رسوله، مكن لهم في الأرض ونصرهم على أعدائهم.)) اهـ
    ولولا خشية الإطالة لزدتكم من أقوال الأئمة, ولكنني وجدت بعض أهل العلم قد أطال الكلام, فخشيت أن أطيل عليكم, وراجعوا –إن أردتم التفصيل- كلام إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري –رحمه الله- وكلام الإمام البغوي –رحمه الله-.









     
    قال الإمام أبو قِلابة -رحمه الله-: " إنَّ مَثَلَ العلماءِ كَمَثَلِ النجوم التي يُهْتَدَى بها والأَعْلامِ التي يُقْتدَى بها فإذا تَغَيَّبَتْ تَحَيَّرُوا وإذا تركوها ضَلُّوا ".
    وقال الإمام الطحاوي -رحمه الله-
    : "وعلماءُ السلفِ مِنَ السابقين, ومَن بعدَهم من التابعين –أهلِ الخير والأثر, وأهلِ الفقه والنظر- لا يُذكَرون إلا بالجميل, ومَن ذَكَرهم بسوءٍ فهو على غير السبيل".


  2. #2

    مزمار فعّال

    الحالة : غير متصل

    تاريخ التسجيل : 03 2010

    العمر: 25

    المشاركات : 137

    الجنس :انثى

    القارئ المفضل : محمود خليل الحصري

    رد: تفسير آية من سورة الإسراء




    قيّم جدا ما شاء الله

    جزاك الله خير الجزاء

    جعله في ميزان حسناتك


  3. #3

    مزمار داوُدي

    الحالة : غير متصل

    تاريخ التسجيل : 10 2009

    المشاركات : 7,553

    الجنس :أنثى

    رد: تفسير آية من سورة الإسراء




    جزاك الله خير ونفع بك..








     
    اللهم احفظ لي والديّ وارحمهما كما ربياني صغيرا..
    :

    ..اللهم أرزقني من حيث لا أحتسب، ففضلك علي واسع وأطمع في المزيد، وحقق لي مرادي، اللهم آمين..


  4. #4

    مشرفة سابقة

    الصورة الرمزية مادي 15

    الحالة : غير متصل

    تاريخ التسجيل : 05 2008

    الدولة : أرض الحرمين

    المشاركات : 11,016

    الجنس :أنثى

    القارئ المفضل : الشيخ:عبدالله المطرود

    Ss7004 رد: تفسير آية من سورة الإسراء





    جـزاكم الله خــيراً
    شـرح وافـي وقيم لا حـرمكم الله الأجـر
    وأسـأله سبحـانه أن يجعل ذلك في مـيزان حـسناتكم








     

    ......


  5. #5

    عضو كالشعلة

    الحالة : غير متصل

    تاريخ التسجيل : 10 2009

    المشاركات : 432

    الجنس :ذكر

    القارئ المفضل : الشيخ علي بن عبد الرحمن الحذيفي/ القارئ عبد الحميد بن عبد الله الغويل

    رد: تفسير آية من سورة الإسراء




    جزاكم الله خيرًا








     
    قال الإمام أبو قِلابة -رحمه الله-: " إنَّ مَثَلَ العلماءِ كَمَثَلِ النجوم التي يُهْتَدَى بها والأَعْلامِ التي يُقْتدَى بها فإذا تَغَيَّبَتْ تَحَيَّرُوا وإذا تركوها ضَلُّوا ".
    وقال الإمام الطحاوي -رحمه الله-
    : "وعلماءُ السلفِ مِنَ السابقين, ومَن بعدَهم من التابعين –أهلِ الخير والأثر, وأهلِ الفقه والنظر- لا يُذكَرون إلا بالجميل, ومَن ذَكَرهم بسوءٍ فهو على غير السبيل".


  6. #6

    مزمار ذهبي

    الصورة الرمزية أبو همام الليبي

    الحالة : غير متصل

    تاريخ التسجيل : 03 2010

    الدولة : أرض أحفاد المختار

    المشاركات : 980

    الجنس :ذكر

    القارئ المفضل : د. سعود الشريم - صلاح البدير - صلاح أبو خاطر -وكل متقن لتلاوة القرآن

    رد: تفسير آية من سورة الإسراء




    ما شاء الله تبارك الرحمن ------ مشكور
    نعم سمعت من يدندن حول هذه الآيات بدندنة لها طابع .....؟
    فالله المستعان








     
    ]







    لن نعــــود للقيـــــــود قد تحرًرنا وحرَرنا الوطن


  7. #7

    عضو كالشعلة

    الحالة : غير متصل

    تاريخ التسجيل : 10 2009

    المشاركات : 432

    الجنس :ذكر

    القارئ المفضل : الشيخ علي بن عبد الرحمن الحذيفي/ القارئ عبد الحميد بن عبد الله الغويل

    رد: تفسير آية من سورة الإسراء




    مشكور أخي الكريم, رزقني الله وإياك الاتباع, وجنَّبَنا الابتداع








     
    قال الإمام أبو قِلابة -رحمه الله-: " إنَّ مَثَلَ العلماءِ كَمَثَلِ النجوم التي يُهْتَدَى بها والأَعْلامِ التي يُقْتدَى بها فإذا تَغَيَّبَتْ تَحَيَّرُوا وإذا تركوها ضَلُّوا ".
    وقال الإمام الطحاوي -رحمه الله-
    : "وعلماءُ السلفِ مِنَ السابقين, ومَن بعدَهم من التابعين –أهلِ الخير والأثر, وأهلِ الفقه والنظر- لا يُذكَرون إلا بالجميل, ومَن ذَكَرهم بسوءٍ فهو على غير السبيل".



العودة إلى ركن علوم القرآن وتفسيره

النتائج 1 إلى 7 من 7

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •