النتائج 1 إلى 3 من 3



  1. رقم #1
     العنوان : قرأت لك عن أعذب الشعر
    بتاريخ : 09-04-2006 الساعة : 13:49

    عضو كالشعلة




    الانتساب : 03 2006
    المشاركات : 313
    قوّة التقييم : 43
    almodarress est déconnecté



    (بسم الله)
    الحطيئة قال أعذب الشعر وأكذبه
    للحطيئة، جرول بن أوس العبسي، الشاعر المخضرم، في تاريخ الأدب العربي صورة هزلية شائهة، لا لشخصه فقط، بل لشعره أيضاً، الذي ارتكس في إطار تلك الصورة فلا يكاد يذكر اسم الحطيئة إلا وتقفز إلى الذهن كل معالم الشخصية الانفعالية الحانقة المتبرمة بالناس والحياة والنفس أيضاً.. وهو وإن كانت تلك الصفات أبرز معالم شخصيته التي طغت على شعره، فصبغته بصبغة النقمة والتسخط على كل شيء ومن كل شيء! إلا أن تلك الصبغة القاتمة، لم تستحوذ على صورته الشعرية بأكملها، فلقد بقيت في الصورة مساحة تتألق بألوان زاهية تكاد تقلب موازين المعادلة لصالح الجمال والحق والخير.
    وبعيداً عن تلك الصورة التقليدية القاتمة التي اقترنت بذكره، فإن إفادة الحطيئة من آل أبي سلمى، زهير، ثم ابنه كعب بن زهير من بعده، حيث كان الحطيئة راوية شعر زهير، تلك الإفادة هي التي جعلت للحطيئة عناية فائقة بشعره، أحلته مكانة متقدمة بين شعراء الصنعة المجوّدين، المعروفين بعبيد الشعر، تلك المدرسة التي أسسها زهير وكان الحطيئة أحد أبرز شعرائها، لذلك كان ذا دراية فائقة بمقاييس الجودة ومقوماتها، فهو القائل:
    الشعر صعب وطويل سلمه
    إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه
    زلت به إلى الحضيض قدمه
    يريد أن يعربه فيعجمه
    ولم يزل من حيث يأتي يخرمه

    وكان الحطيئة يقول: خير الشعر الحولي المنقح المحكك.
    وبهذه المعرفة كان الحطيئة أهلاً لأن يتبوأ موضع المرجعية والتحكيم في قضايا الشعر والشعراء.. فقد سأله هو وحسان بن ثابت، أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ الرأي في قضية هجاء الشاعر النجاشي الحارثي لبني العجلان، عندما استعدوا عليه أمير المؤمنين.
    وكثيراً ما يسأل الحطيئة عن أشعر الناس! فقد سئل عن أستاذه زهير، فقال: «ما رأيت مثله في تكفيه على أكتاف القوافي وأخذه بأعنتها حيث شاء من اختلاف معانيها، امتداحاً وذماً. قيل: ثم من؟ قال: ما أدري، إلا أن تراني مسلنطحاً، واضعاً إحدى رجليّ على الأخرى، رافعاً عقيرتي، أعوي في إثر القوافي!!».
    أما الشعراء والنقاد، فقد شهدوا للحطيئة بجودة الشعر وأستاذيته فيه، فهذا كعب بن زهير، وقد سأله الحطيئة أن يذكره في شعره، يقول:
    فمن للقوافي شأنها من يحوكها
    إذا ما مضى كعب وفوّز جرول
    كفيتك لا تلقى من الناس واحداً
    ينتخل منها مثل ما ينتخل
    يثقفها حتى تلين كعوبها
    فيقصر عنها من يسيء ويعمل
    وقال الفرزدق، مفتخراً بشعره، وعادّاً الحطيئة من أساتذته:
    وهب القصائد لي النوابغ إذ مضوا
    وأبو يزيد وذو القروح وجرول

    أما النقاد فهم مقرون بجودة شعر الحطيئة، وتفوقه على أقرانه من الشعراء، فهذا الأصمعي يقول: (لولا ما وصم به الحطيئة، وعدّد مساوئه الخلقية، لكان بإجادته في كل ضروب الشعر.. شاعر المخضرمين ويضيف أيضاً: ما تشاء أن تقول في شعر شاعر من عيب وجدته وقلّما تجد ذلك في شعره).
    ويلتقي الحطيئة بابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ فيسأله من أشعر الناس؟ فيذكر أبا دؤاد الأيادي، وزهير بن أبي سلمى، ثم النابغة، ويقول عنه: لكن الضراعة أفسدته كما أفسدت جرولاً، ولولا الجشع لكنت أشعر الماضين، وأما الباقون، فلاشك أني أشعرهم، قال ابن عباس: (أنت كذلك ياأبا مليكة!).
    أما شعره الذي هو من أعذب الشعر، فمنه قصيدته الرائعة التي يروي بها قصة كريم، التي استحق بها أن يكون رائد «القصة الشعرية» غير منازع ولا مسبوق. فقد جاءت القصيدة غاية في إتقان فن القصة على غير مثال سابق، فقد انتهج فيها النهج الحديث في تقنية القصة، حيث بدأها بالإضاءة المسبقة للحدث، بوصفه المؤثر لبيئة الحدث وشخوص القصة، ثم الحبكة القصصية بتفاعلاتها المتدرجة حتى يصل بها إلى الأزمة أو العقدة القصصية، ثم الحل الذي تنفرج معه الأزمة بصورة مؤثرة وسارة. حيث بدأها بتصوير بيئة الحدث وأشخاص القصة قائلاً:
    وطاوي ثلاث عاصب البطن مرمل
    بتيهاء لم يعرف بها ساكن رسما
    أخي جفوة فيه من الأنس وحشة
    يرى البؤس فيها من شراسته نعمى
    وأفرد في شعب عجوزاً إزاءها
    ثلاثة أشباح تخالهم بهما
    حفاة عراة ما اغتذوا خبز ملّة
    ولا عرفوا للخبز مذ خلقوا طعما

    وبعد هذه الإضاءة لبيئة القصة، وشخوصها.. تبدأ حبكة القصة وتأزم الحدث:
    رأى شبحاً وسط الظلام فراعه
    فلما بدا ضيفاً تسوّر واهتمّا

    ويأخذ التأزم في التطور.. وتشتد عقدة القصة حتى تصل منتهى الشد:
    فقال ابنه لما رآه بحيرة
    أيا أبتي اذبحني ويسّر له طعما
    ولا تعتذر بالعدم عل الذي طرا
    يظن لنا مالاً فيوسعنا ذما
    فروّى قليلاً ثم أحجم برهة
    وإن هو لم يذبح فتاه فقد همّا
    وقال هيا ربّاه، ضيف ولا قرى؟
    بحقك لا تحرمه تاالليلة اللحما

    ثم تأخذ الأزمة في الانفراج، ويبدأ حل العقدة:
    فبياهما عنت على البعد عانة
    قد انتظمت من خلف مسحلها نظما
    عطاشاً تريد الماء فانساب نحوها
    على أنه منها إلى دمها أظما
    فأمهلها حتى تروت عطاشها
    فأرسل فيها من كنانته سهما
    فخرّت نحوص ذات جحش سمينة
    قد اكتنزت لحماً وقد طبقت شحما

    وانحلت العقدة.. ثم تليها الإضاءة الأخيرة:
    فيابشره إذ جرّها نحو قومه
    ويابشرهم لما رأوا كلمها يدمى
    فباتوا كراماً قد قضوا حق ضيفهم
    فلم يغرموا غرماً وقد غنموا غنما
    وبات أبوهم من بشاشته أباً
    لضيفهم والأم من بشرها أما

    ولئن يسبق الحطيئة إلى ريادة القصة الشعرية، وجاءت على لسانه غاية في الجودة والإتقان تصويراً ومبنى ومعنى لفضيلة الكرم وأنفة العربي من البخل.. والذم المقترن به كما رأينا، فلقد قال أبياتاً هي أعذب الشعر وأجمله كقوله:
    ولست أرى السعادة جمع مال
    ولكن التقي هو السعيد
    وتقوى الله خير الزاد ذخراً
    وعند الله للأتقى مزيد

    وقوله :
    من يفعل الخير لا يعدم جوازيه
    لا يذهب العرف بين الله والناس

    ومن أعذب شعر الحطيئة، تلك الأبيات الاستعطافية الشهيرة التي أنشدها سيدنا عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ عندما سجنه بسبب هجائه للزبرقان بن بدر أحد سادات بني تميم، لقد أثرت تلك القصيدة في نفس الخليفة الثاني ـ رضي الله عنه ـ فرق لحال أولاد الحطيئة، فأطلقه واشترى منه أعراض المسلمين بثلاثة آلاف درهم، والقصيدة مشهورة ومطلعها:

    ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ
    زغب الحواصل لا ماء ولا شجر
    غيبت كاسبهم في قعر مظلمة
    فاغفر عليك سلام الله يا عمر

    ويعتبر نقاد الأدب العربي القدماء، أن أبياته التالية في المدح مما لا يلحق له غبار، أما النقاد المحدثون، فمنهم الدكتور محمد غنيمي هلال الذي أعتبرها من القصائد التي امتازت بالجزالة التي تتوافر للفظ إذا لم يكن غريباً ولا سوقياً.. وهي كما نرى تنبض بالحكمة من داخلها وإن كان ظاهرها الاستجداء والمدح:

    يسوسون أحلاماً بعيداً أناتها
    وإن غضبوا جاء الحفيظة والجدُّ
    أقلوا عليهم لا أباً لأبيكم
    من اللوم أو سدّوا المكان الذي سدوا
    أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنى
    وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
    وإن كانت النعماء فيهم جزوا بها
    وإن أنعموا لا كدّروها ولا كدّوا


    المراجع
    1ــ ديوان الحطيئة، برواية وشرح ابن السكيت، دراسة وتبويب، د. مفيد محمد قميحة، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبيعة الأولى 1413هـ ــ 1993م.

    2ــ الشعر والشعراء، لأبي محمد عبدالله بن مسلم ابن قتيبة، دار إحياء العلوم، بيروت، ط3، 1407هـ ــ 1987م.

    3ــ النقد الأدبي الحديث. د. محمد غنيمي هلال.
    منقول من: المجلة العربية عدد 291

     





  2. رقم #2
    كاتب الموضوع : almodarress
    بتاريخ : 09-04-2006 الساعة : 22:39

    مزمار داوُدي




    الانتساب : 02 2006
    العمر : 28
    الجنس : ذكر
    القارئ المفضل : مُحَمَّد يَحْيَى شَرِيفْ
    المشاركات : 4,050
    قوّة التقييم : 64
    الكاسر est déconnecté



    جزاك الله شيخنا المدرّس عن هذه المعلومات عن الشاعر المخضرم الحطيئة الذي كنا نجهل الكثير عنه , و الحقيقة أنهم لم يدرّسونا عنه سوى طابعه الهزلي الناقم المتشائم....

     





  3. رقم #3
    كاتب الموضوع : almodarress
    بتاريخ : 29-04-2006 الساعة : 09:38

    مزمار ألماسي


    الصورة الرمزية أبو خالد

    الانتساب : 03 2006
    العمر : 32
    الجنس : ذكر
    المشاركات : 1,265
    قوّة التقييم : 48
    أبو خالد est déconnecté



    جزاك الله خير أخي المدرس

     






العودة إلى ركن علوم اللغة العربية وآدابها



معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
المفضلات