بسم الله الرحمن الرحيم


’’من فتاوى رمضان لسماحة الشَّيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ‘‘



الحمد لله ربِّ العالمين، و الصلاة و السلام على خاتم الأنبياء و المرسلين، و آله و صحبه و من تَبعهم إلى يوم الدِّين، و بعد:

فهذه مجموعةٌ مباركةٌ من فتاوى و أحكام تتعلَّق بشهر رمضان الكريم؛ انتقيتُها من فتاوى و تقريرات سماحة المفتي الأكبر محمَّد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ-قدَّس الله روحه و نوَّر ضريحه-، و هو من هو في العلم و التَّحقيق و الإمامة في الدين، كما لا يخفى-إن شاء الله-، و من أراد الاطِّلاع عن سيرته-رحمه الله- فليَرجع إلى محاضرةٍ حافلةٍ لحفيده معالي الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ-حفظه الله و نفعنا به-، و الله الموفِّق لا ربَّ سواه.

و هذه الفتاوى محفوظةٌ في المجلَّد الرَّابع من’’مجموع فتاوى و رسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ-طيَّب الله ثراه-‘‘، جمع و ترتيب و تحقيق فضيلة الشيخ محمد بن عبد الرحمن القاسم-رحمه الله و أجزل له الأجر و الثواب-.

و للإشارة فقد اعتمدت على نسخة الكتاب التي على شبكة الإنترنت، و قد تخلَّلتها بعض الأخطاء الطِباعيَّة، فحاولتُ تصحيحها على قدرِ الوسع و الطاقة، و لله الحمد.

(1)الصوم بالرؤية لا بالحساب:

قال سماحة المفتي محمَّد بن إبراهيم-رحمه الله-:

((و بعضٌ من العلماء يُسوِّغ الصيام بالحساب، و هو قولٌ في مذهب الشافعي، و أظنُّه اختيار ابن سريج. و لكنَّ القول عندهم كغيرهم هو ما دلَّت عليه الأحاديث و ما عُلم بالسنة الثابتة من أنَّه لا صيام إلاّ بالرؤية؛ و لهذا في الحديث:" إنَّا أمَّة أميَّة لا نكتُب ولا نحسُب "[رواه الشيخان و أبو داود و النسائي]، " فلا تصوموا حتّى تروه ولا تُفطروا حتّى تروه"[رواه مسلم و أحمد])).

(2)لو صيم يوم الشك لم يجز عن رمضان:

وصلَ إلى دار الإفتاء سؤالٌ عمَّن تبيَّن له بعد ما صام يوم الشك أنَّه من رمضان؛ هل يُجزئه ذلك اليوم، أم لابدَّ من قضائه ؟

فأجاب سماحة المفتي-رحمه الله- بالجواب التالي:

((الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، و الصلاة و السلام على أفضل الخلق و أحسنهم منهجاً: أيها الصائمون تقبَّل الله صيامنا و صيامكم و أعاننا و إيَّاكم على ذِكره و شُكره و حُسن عبادته. جواباً على هذا السؤال نقول: لا يُجزؤه صيام ذلك اليوم بل يَتعيَّن عليه قضاؤه؛ لما روى أبو داود و الترمذي و النسائي و ابن ماجه و ابن حبان و الحاكم و الدار قطني من طريق صِلة بن زفر قال:" كنَّا عند عمَّار بن ياسر في اليوم الذي يُشكُّ فيه، فأُتي بشاةٍ مصليَّةٍ، فقال: كلوا. فتنحى بعض القوم، فقال له: إني صائمٌ، فقال عمَّار: من صام اليوم الذي يَشكُّ فيه الناس فقد عصى أبا القاسم-صلّى الله عليه و سلّم-"، قال الترمذي:"و في الباب عن أبي هريرة و أنس. قال: و العمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبيِّ-صلّى الله عليه و سلّم-و من بعدهم من التابعين، و به يقول سفيان الثوري و مالك و عبد الله بن المبارك و الشافعيُّ و أحمد و إسحاق؛ كرهوا أن يصوم الرجل اليوم الذي يُشكُّ فيه، و رأى أكثرهم إنْ صامه فكان من شهر رمضان أن يقضي يوماً مكانه"اهـ.
و لا شك في تناول أدلَّة المنع لما إذا حال دون منظر الهلال غيمٌ أو قَترٌ ليلة الثلاثين؛ كما تناولت غيره فالجميع يصدق عليه أنَّه يوم شك.

و في’’المغني‘‘لابن قدامة:"أنَّ المنع من صومه و عدم إجزائه إذا تبيَّن أنَّه من رمضان هو رواية عن أحمد. قال الموفق: و هو قول أكثر أهل العلم منهم أبو حنيفة و مالك و الشافعي و من تبعهم لما روى أبو هريرة-رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله-صلّى الله عليه و سلّم-:" صوموا لرؤيته و افطروا لرؤيته فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له ثلاثين يوماً" رواه مسلم، و قد صحَّ عن النبيِّ-صلّى الله عليه و سلّم-:" أنَّه نهى عن صوم يوم الشك" متفق عليه، و هذا يوم شك، و الأصل بقاء شعبان فلا يُنتقل عنه بالشك"اهـ.

و لقوَّة رواية منع صوم يوم الشك مُطلقاً من ناحية النصوص جنح الإمامان الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن مجدِّد الدعوة المحمدية شيخ الإسلام محمد بن الوهاب و ابنه الشيخ عبد اللطيف إليه في فتاواهما، في فتوى الشيخ عبد الرحمن: أنَّ المنع هو اختيار شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن:"استدل الأئمَّة على تحريم صيامه بحديث عمَّار، و هو ما رواه أبو داود و النسائي و ابن ماجه و الترمذي، عن صِلة بن زفر، قال:" كنَّا عند عمَّار بن ياسر و أُتي بشاة مصلية فقال:كلوا، فتنحى بعض القوم، فقال عمّار: من صام اليوم الذي يُشك فيه فقد عصى أبا القاسم-صلّى الله عليه و سلّم-"، قلت: و هذا عند أهل الحديث في حكم المرفوع، و قد جاء صريحاً في حديث أبي هريرة الأمر بإكمال عدة شعبان ثلاثين إذا غُمِّي الهلال، و هو عند البخاري في صحيحه:
عن أبي هريرة أنَّ رسول الله-صلّى الله عليه و سلّم-قال: قال أبو القاسم-صلّى الله عليه و سلّم-: " صوموا لرؤيته و أفطروا لرويته فإن غُمَّ عليكم فأكملوا عِدَّة شعبان ثلاثين "، قال الحافظ: و هذا الحديث لا يَقبل التأويل، و ذكر أحاديث كثيرة، منها ما رواه أبو داود و أحمد و غيرهما عن عائشة قالت: " كان رسول الله-صلّى الله عليه و سلّم-يتحفَّظ من هلال شعبان ما لا يتحفَّظ من غيره، ثمَّ يصوم رمضان لرؤيته فإن غُمَّ عليه أتمَّ ثلاثين يوماً ثمَّ صام "، و هذا صريحٌ في أنَّه-صلّى الله عليه و سلّم-لم يُشرِّع لأمَّته صيام الثلاثين إذا غُمَّ الهلال ليلته، فهذا و غيره من الأحاديث بيَّن أنَّ الحجة مع من أنكر صيام ذلك اليوم إذا غُمَّ الهلال، و أنَّ السنة إكمال شعبان ثلاثين إذا لم يسر الهلال، و هو اختيار شيخنا محمد بن عبد الوهاب-رحمه الله تعالى-"اهـ.

و قال الشيخ عبد اللطيف في فتواه في المسألة:"و مع منع صومه من الأحاديث الصحيحة النبوية التي تعدَّدت طُرقها ما لا يدفعه دافعٌ، و لا يُقاومه مقاومٌ، و لا يُعارضه معارضٌ، و إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل"اهـ، و بيَّن الشيخ عبد اللطيف أنَّ رواية:" فاقدروا له"؛ تفسِّرها رواية مسلم من حديث ابن عمر:" فإن أغمي عليكم فاقدروا له ثلاثين"، و روايات:"إكمال العدة ثلاثين ".

قال: فتعيَّن ما قاله الجمهور؛ لأنَّ المُجمل يُحمل على المفصَّل، و المُشتبه على المُحكم. و إذا تبيَّن مُراده-صلّى الله عليه و سلّم-تعيَّن و وَجب.

و الخلاصة أنَّ صيام يوم الشك ممنوع، ولا يُجزئ عن رمضان إذا تبيَّن أنَّه منه، و لا تخفى إذا تبيَّن أنَّه منه، و لا تخفى علينا الروايات الأخر فيه، و لكن وقوفاً مع النصوص اكتفينا برواية المنع، و اخترناها، و الله أعلم)).

(3) الخلاف في مسألة توحيد الرؤية لا يَضر:

اطَّلع سماحة المفتي-رحمه الله- على ورقة المشروع الذي أُعدَّ لإجابة الأمانة العامة لجامعة الدول العربية حول البحث في موضوع مواقيت أهلَّة رمضان و الفِطر و الحج.

فأجاب بقوله:

((..و أُفيدكم أنَّ هذه مسألة فروعيّة، و الحقُّ فيها معروفٌ كالشمس. و الفصل في ذلك قوله-صلّى الله عليه و سلّم-:" صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين"، الخلاف في تطبيق مدلول هذا الحديث و غيره بتأويل ـ اجتهاداً أو تقليداً ـ مثل نظائره في المسائل الفروعيّة، و جِنس هذا الاختلاف لابدَّ منه في المسائل الفروعيّة، و لا يضر.

إنَّما الهامُّ هو النَّظر في الأصول العِظام التي الإخلال بها هادمٌ للدين من أساسه، و ذلك: مسائل توحيد الله-تعالى-بإثباتِ ما أثبت لنفسه في كتابه و أثبته له رسوله-صلّى الله عليه و سلّم-من الأسماء و الصفات: إثباتاً بلا تمثيل و تنزيهاً بلا تعطيل. و كذلك توحيد الألوهية، و توحيد الربوبية. و كذا توحيد الاتِّباع، و الحكم بين الناس عند النزاع: بأن لا يُحاكم إلاّ إلى الكتاب و السنة، و لا يُحكم إلاّ بهما. و هذا هو مضمون الشهادتين اللتين هُما أساس الملة: شهادة أن لا إله إلاّ الله، و أنَّ محمداً رسول الله، بأن لا يُعبد إلاّ الله، و لا يُعبد إلاَّ بما شرعه رسوله-صلّى الله عليه و سلّم-، و أن لا يُحكم عند النزاع إلاّ ما جاء به رسوله-صلّى الله عليه و سلّم-. هذا هو الحقيقُ بأن يُهتم به و تُعقد المجالس و المجتمعات لتحقيقه و تطبيقه.

لذا لا أرى و لا أوافق على هذا المجتمع الذي هو بخصوص النظر فيما يتعلَّق بأهلة الصوم و الفطر و نحوهما. و قد درجت القرون السابقة و جنس الخلاف في ذلك موجودٌ و لم يروه من الضار، و لا مما يُحوج إلى الاجتماع للنظر فيه. و السلام عليكم)).

(4)حكم صوم من لا تطلُع عندهم الشمس أيام الشتاء مطلقاً:

قال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم-رحمه الله- في جوابٍ له على بعض المستفتين:

((ذكرتَ أنَّ الشمس لا تطلع عندكم أيام الشتاء مُطلقاً، و أمّا الصيف فالنهار عندكم تسع ساعات فقط، و تسأل متى يكون فطركم ؟ و متى يكون إمساككم ؟

و الجواب: الحمد لله، أمّا الإمساك فقد قال الله-تعالى-(وكُلوا واشربوا حتّى يتبيَّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثمَّ أتمُّوا الصيام إلى الليل))[البقرة:187] ،

فما دام الليل باقياً فلا حرج على من أكل أو شرب، و الأصل بقاء الليل، فإذا تبيَّن الفجر لزم الإمساك مع الاحتياط ببضع دقائق قبل تبيُّن الفجر احتياطاً للعبادة .

و أما الفطر فالأصل بقاء النهار، فلا يُفطر حتّى يغلب على الظنِّ غروب الشمس و يُعرف ذلك بغشيان الظلام و اختفاء أنوار الشمس، فإذا غلب على ظنِّ الإنسان ذلك باجتهادٍ أو بخبرِ ثقةٍ جاز له الفِطر)).