5)إذا اشتبه دخول الشهر و خروجه على من بأمريكا أو غيرها فما يجب عليهم:

قال المفتي الأكبر محمد بن إبراهيم-رحمه الله-في إحدى مكاتباته:

((فقد وصل إلينا كتابك الذي ذكرتَ فيه سفركم إلى أمريكا، و ما تُلاقون من مصاعب في كيفية اختيار الطريق الأسلم لصحة دينكم... إلى آخره.

و الجواب: الحمد لله، ما دام أنَّ سفركم لتلك البلد سائغاً، و لم يبق إلاّ السؤال عن مسألة جزئية كحكم الصيام و نحوه، فنقول: أمّا موضوع الصيام الذي ذكرتم أنّه من المشاكل التي تُواجهونها في بدء شهر الصيام و نهايته.

فجوابه: أنَّ ما لا يتمُّ الواجب إلاّ به فهو واجب، فيتعيَّن عليكم الاتصال بالجهات المختصَّة للتحقق عن دخول شهر رمضان و خروجه لأداء هذا الركن العظيم من أركان الإسلام و أداء صيام شهر رمضان بيقين. و السفارة السعودية لديكم تسهل لكم هذه المهمة. فإذا فعلتم ما تقدرون عليه من ذلك فلم تتحصَّلوا على خبرٍ يقينٍ، فقد ذكر الفقهاء حُكم ما إذا اشتبهت الأشهر على أسيرٍ أو مطمورٍ أو بمفازة ونحوها فإنَّه يتحرَّى و يجتهد في معرفة شهر رمضان وجوباً كاستقبال القبلة. فإنْ وافق الشهر أو بعده أجزأ صيامه، و إن وافق قبله لم يُجزء نصَّ عليه الإمام أحمد؛ لأنَّه أتى بالعبادة قبل وقتها فلم يُجزه كالصلاة، فعلى هذا إن سبقتم رمضان فعليكم قضاؤه، وإن تأخَّرتم عنه بيومٍ أجزاكم إلاّ أن يُوافق يوم العيد فلا يُجزء صيامه، بل و لا يَحلُّ.

و أمَّا أجهزة المواصلات الحديثة؛ فلا بأس من اعتماد ما يُذاع فيها إذا كان صادراً من المجالس الشرعية بصفةٍ مجزومٍ بها من الجهات المعنيَّة بمثل هذا)).

(6)اعتماد خبر الراديو في دخول الشهر و خروجه:

سؤال: فهل يجب الصيام بقول إذاعة مكة ؟ و كذلك ما حُكم من سمع الإذاعة فأصبح مفطراً ؟ وكذلك ما حكم من لم يبلغه خبر الصيام إلا بعد طلوع الشمس و هو لم يأكل و لم يشرب ؟

جواب الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ-رحمه الله-:

((الحمد لله، لا بأس من اعتماد خبر الراديو إذا استمرَّت العادة أنَّه لا يُذاع إلاّ ما هو محقَّقٌ و ثابتٌ؛ لأنَّ القصد فيه الثبوت و التحقُّق، فكلُّ خبرٍ يغلبُ على الظنِّ صِدقه لما حفَّ به من القرائن و شواهد الأحوال؛ فإنَّه يُقبل، و كلُّ خبرٍ يغلبُ على الظنِّ كذبه لما يحفُّ به من القرائن و شواهد الحال؛ فإنَّه يُردُّ.

لكن يُشترط في سامع الخبر من الراديو عدالته و يقظته و تحققه عمَّا سمعه، و عن مصدره، و عن الإذاعة التي سمعه عنها؛ لاختلاف المحطات الصادر عنها ذلك الخبر في القبول و عدمه، و ذلك بسبب اختلاف المراجع؛ إذ منها ما يُعتمد على خبره في أمور الدين، ومنها ما هو بخلاف ذلك.

أمَّا حكم من سمع الخبر من الإذاعة ولم يَلتفت إليه بل أصبح مفطراً فهذا يُعذر؛ لخفاء مثل ذلك عليه، و لعدم استقرار الفتوى في ذلك.

أما الذي لم يَبلغه الخبر إلاّ بعد طلوع الشمس و هو لم يأكل ولم يشرب فإنَّه يُمسك حال وصول الخبر إليه، و يَقضي هذا اليوم، و الله أعلم و صلّى الله على نبيِّنا محمد و آله و صحبه و سلّم)).

(7) ثبوت رؤية الهلال بشهادة عدلين و لا عبرة بكبر الأهلة، و صغرها، و لا بضعف المنازل:

قال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم-رحمه الله-في إحدى مكاتباته:

((فقد وصل إلينا كتابك الذي تستفتي به عن قضاء صيام يوم الجمعة الموافق غُرَّة شوال، و ذكرتَ أنَّ بعض الناس قال: يجب قضاؤه؛ لأنَّ الهلال لم يُر ليلة السبت إلى آخر ما ذكرته.

و الجواب: لا يجب قضاؤه ذلك اليوم، بل و لا يجوز؛ لأنَّه قد ثبت ثبوتاً شرعياً أنَّه يوم العيد، و ذلك بشهادة رجلين عدلين عند قاضٍ من قضاة المسلمين، و عَمل الناس بذلك في جميع أقطار المملكة و غيرها، و قد ثبت عن النبيِّ-صلّى الله عليه و سلّم-فيما أخرجه أبودود و الترمذي عن أبي هريرة-رضي الله عنه-، أنَّه قال: " الصوم يوم تصومون، و الفطر يوم تفطرون، و الأضحى يوم تضحون".

و أمَّا ما ز عمه بعض الناس من صِغر الهلال، و كونه لم يُر ليلة السبت؛ فقد قال الإمام النووي في’’شرح صحيح مسلم‘‘ باب بيان أنه لا اعتبار بكبر الهلال و صغره، و أن الله أمده للرؤية، فإن غم فليكمل ثلاثين )، و قال أبو وائل شقيق بن سلمة: أتانا كتاب عمر بن الخطاب أنَّ الأهلَّة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهاراً فلا تُفطروا حتّى يشهد رجلان مسلمان أنّهما رأياه بالأمس، و ثبت عن النبيِّ-صلّى الله عليه و سلّم-أنَّه قال:" صوموا لرؤيته، و أفطروا لرؤيته و انسكوا لها، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا ثلاثين، فإن شهد شاهدان فصوموا و أفطروا "[رواه النسائي و أحمد]، و في معنى هذا جملةُ أحاديثٍ تُبيِّن أنَّه لا اعتبار للحساب و لا لضُعف منازل القمر، و لكِبر الأهلة و صِغرها، و إنَّما الاعتبار الشرعي بالرؤية الشرعية.

و إذا عُرف هذا فمعلوم أنَّ الناس صاموا رمضان ليلة الخميس بعد ثبوت الرؤية شرعاً بشهادة رجلين عدلين، و لما صاموا تسعاً و عشرين يوماً و ثبتت رؤية هلال شوال شرعاً ليلة الجمعة بشهادة رجلين عدلين لزم الناس الفطر بهذا. فمن تجاوز ما ثبت شرعاً فهو عاص آثم أو صاحب شكوك و وساوس، و كلاهما قد جانب الصواب، و الله الموفق يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)).

(8)إفطار رمضان لأجل المرض:

سؤال: إذا قرَّر الأطباء أنَّ صيام رمضان ممَّا يُضاعف بعض الأمراض مثل مرض الصدر أو يؤخر البرء أو يزيد المرض ونهوا المريض عن الصيام لهذه الأسباب ؟

فأجاب صاحب السماحة الشيخ محمد بن إبراهيم-رحمه الله- بما يلي:

((المنصوص أنَّ الفِطر في مثل هذه الحالة جائزٌ إذا كان الأطباء ثِقات غير مُتَّهمين، و تقريرهم عن علمٍ و خبرةٍ، و بعض العلماء يشترط إسلام الطبيب المقرِّر، و بعضهم لا يشترطه)).

(9)فتوى مشابهة:

قال الشيخ محمد-رحمه الله رحمةً واسعةً-:

(( وردنا سؤال من المريض... المصاب بدرنٍٍ رئويٍّ، و معه شهادة من الطبيب المختص ينصحه بعدم الصيام خمس سنوات متتاليات، و يسألنا عن الحكم في ذلك؟

و الجواب: الحمد لله، قبول قول الطبيب المسلم الثقة في هذه الأمور سائغٌ، يجوز تأخير الصيام في المدة المذكورة عملاً بقوله.

و أمَّا غير المسلم الثقة فلعلَّه يَسوغ قَبول قوله في مثل هذه المسألة مدة المعالجة و ما بعدها بزمن غير طويل للضرورة و هي عدم وجود الطبيب المسلم الثقة، و بخلاف ما بعد المعالجة بزمن طويل، لاسيَّما مع إحساس الإنسان من نفسه بتمام البرء والنشاط والقوة على الصيام و غلبة ظنِّه أنَّ الصيام لا يُسبِّب زيادة المرض أو تأخير البرء)).

(10)حكم إفطار من تلحقه مشقةٌ في عمله:

سئل الشيخ محمد-رحمه الله-:عن الذي يذود الجراد و الدبا هل له الفطر ؟

فأجاب بما يلي:

((له ذلك إذا كان يلحقه مشقة، و وقعت هذه مراراً في رمضان و إذا سُئلتُ ما أُرخِّص في هذا؛ لأهميَّة هذه الفريضة، و لكون العوام لا يُبالون، و إذا وُجد ذلك جاء أناسٌ يترخصون أكثر، و هكذا؛ فيعمُّ الضرر في الدين في الإخلال به، و الفتوى تختلف باختلاف الأحوال و الأشخاص، و إلاّ فالرخصة دليلها معلوم)).

(11) الصيام و الفطر في السفر:

قال سماحة الشيخ محمد-رحمه الله-:

((اختلف العلماء أيُّهما أفضل: على أقوال، و الراجح أنَّ الفطر أفضل، لقوله:" أولئك العصاة " [رواه مسلم] للذين لم يقبلوا الرخصة، "و ليس من البرِّ الصيام فـــي السفر"[رواه البخاري]، و حديث حمزة بن عمرو [رواه مسلم].

و هذا بخلاف صيام يوم عاشوراء نصَّ عليه أحمد أنَّه لا يُكره للمسافر، و قاس عليه بعضٌ صيام يوم عرفة في حق المسافر.

و بعضٌ استظهر أن يقاس عليه كلَّ صوم يوم ليس بواجبٍ كصيام ثلاثة أيام من كلِّ شهر، و صيام الاثنين و الخميس ونحو ذلك)).

(12)حكم صيام المسافر إذا عَلِم أنَّه يرجع غداً:

قال الشيخ محمد بن إبراهيم-رحمه الله-:

((و القول بالوجوب من المفردات[أي أنَّ هذا قول المذهب الحنبلي دون غيره من المذاهب الأخرى]، و قول الثلاثة أنَّه لا يجب، و هو الموافق للرواية الأخرى عنه، و هذا هو الصحيح إن شاء الله، لأنَّه لم يزل في بقية العذر، فإنَّه مادام هكذا فهو في سفر، ما بقي عليه إلاّ ساعتان، و قياساً على المسافر في آخر اليوم، فقول الجمهور هو الصواب إن شاء الله من كونه لا يجب)).

(13) تبييت النية:

قال الشيخ محمد بن إبراهيم-رحمه الله و زاده من النعيم-:

((وجوب تبييت النية لصوم كلَّ يوم واجب، هو الذي عليه الجمهور، أمَّا أبو حنيفة فلا يرى تبييت النية و من يقول بقوله، و هم بنوا ذلك على أنَّ سند الحديثين فيهما مقال، و فُهم من كلام ابن القيم و يُفهم من كلام شيخه موافقة أبي حنيفة، و هذا لأمرين؛ أولاً: قياساً على ما ثبت في النفل، ثانياً: قصة فرضية صيام يوم عاشوراء، و الاحتياط في قول الجمهور ظاهرٌ و أحوطٌ، و صيام عاشوراء ندب، ثمَّ فرض، ثم ندب)).

(14) هل يَفسد صوم من وصل شيء من الكحل و نحوه إلى الحلق؟

قال سماحة المفتي الأكبر-رحمه الله-:

(( لكلِّ ما يُجعل في العين ليلاً ثمَّ لا يَجده في ريقه إذا بصق إلاّ نهاراً فهذا لا يضر؛ لعدم العلم بأنَّه لم يصل إليه بالنهار، فإنَّه يحتمل أنَّه لما اكتحل بالليل فلا يعلم أنَّه انتقل نهاراً، و الأصل صحة الصوم، و شكَّ في وجود المفسد، فلا يفسد)).

(15) وضع القطرة عن طريق الأذن هل يُفسد الصوم؟

قال الشيخ محمد-رحمه الله- مجيباً:

((إن وصل إلى الحلق، و لا أعرف هل يصل منها شيء أم لا، فإن قدر وصوله فكالعين)).

(16)هل يَفسد صوم من أمذى؟

قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ-رحمه الله- في درسه على ’’زاد المستقنع‘‘:

((و هذا هو المعدود مذهباً[أي فساد صوم من أمذى هو الراجح في المذهب الحنبلي]. لكن الراجح هو القول الثاني وهو اختيار جماعة من الأصحاب و اختيار الشيخ أنَّه لا يفطر بذلك، و إلحاقه بالمني لا يَصح، و بينهما فروق عديدة)).

(17)حكم صوم من أمنى بمباشرة أهله و لم يُجامعها:

سُئل سماحة الشيخ محمد-رحمه الله- عن رجلٍ دخل على أهله في نهار رمضان و هو صائم فأخذ يُداعبها و أنَّه لم يلحس جسمها لمساً مباشراً، ثمَّ إنَّه أمنى إمناءً تماماً، فماذا يترتَّب عليه ؟

فأجاب-رحمه الله- بقوله:

(( نُفيدكم أنَّ صيامه ذلك اليوم فاسدٌ يَلزمه قضاؤه، و لا كفَّارة عليه إذ الكفارة مخصوصةٌ بالوطء، و بالله التوفيق)).