التجربة التنموية الماليزية

فالح الخزاعي

مدير عام سابق وعضو شرف
rankrankrankrankrank
إنضم
27 أغسطس 2005
المشاركات
11,546
الجنس
ذكر
القارئ المفضل
محمد صدّيق المنشاوي
غير متواجد
#1
ماليزيا هي شاغلة الناس هذه الأيام، دولة صغيرة بالكاد يتجاوز سكانها عتبة العشرين مليون نسمة، تبلغ نسبة المسلمين منهم حوالي سبعة وخمسين بالمئة، وتتوزع النسبة الباقية بين الهنود والصينيين، حيث يتعايش السكان بمختلف طوائفهم وأعراقهم في جو نادر من الألفة والتعاون، ويتقاسمون بينهم الاختصاصات بشكل ودي، إذ يمسك المالاويون المسلمون بزمام الحكم، ويتحكم الصينيون البوذيون والمسيحيون بالقوة الاقتصادية.


إلا أن هذه الصورة لم تلبث أن تغيرت مع اعتلاء محاضر محمد سدة الحكم في عام 1981، والذي عمل جاهدا على تشجيع بني قومه من المالاويين المسلمين، وهم سكان البلاد الأصليون على النزول من الجبال والأرياف، واستبدال أزرار الكمبيوتر ومفاتيح الآلات الصناعية بالمعاول والمناجل. فحققت ماليزيا بذلك معجزة اقتصادية لا تضاهى، وفي فترة قياسية لا تتجاوز العشرين عاما فقط.


انطلقت سياسة محاضر من الإسلام الذي وجد فيه كل مقومات النهوض والحضارة، فقد استخلص منه رؤيته التقدمية التي تتضمن توفير التعليم والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي والتسامح، وكل ما يحتويه الإسلام من وسطية تنأى عن الجمود والتطرف، في الوقت الذي لم يفرط بهوية شعبه الإسلامية على الرغم من التعدد المذهبي في بلاده، بل وجد فيها ما يعزز من قيم التسامح والتعاضد بين أبناء الشعب الواحد، حيث ينص الدستور الماليزي على أن الدين الرسمي للدولة هو الإسلام، مع ترك الحرية الكاملة لأتباع كافة الطوائف الأخرى بممارسة شعائرهم الدينية.


وبما أن محاضر محمد كان من أوائل الشباب المالاويين الذين درسوا الطب، حيث احترفه كمهنة قبل انخراطه في السياسة، ولكونه متزوجا أيضا من سيدة متخصصة في الفيزياء، فإنه يدرك أهمية العلم والتقانة، وقد أعطته خلفيته العلمية دافعا للاهتمام بدور العلم والتكنولوجيا في التنمية الاقتصادية للشعوب. وبالإضافة إلى ذلك فإن الدكتور محاضر يتحلى بنوع نادر من الاعتزاز الوطني القومي والديني، مما لفت إليه أنظار العالم أجمع، وبوأه منبر الريادة في كافة التجمعات الوطنية في العالم الثالث، فهو ناشط قوي في حركة عدم الانحياز، وفي منظمة مؤتمر العالم الإسلامي، وكان قد سعى في ديسمبر 1990 إلى إنشاء المجموعة الاقتصادية الشرق آسيوية، كمشروع إقليمي يستند إلى مفاهيم الإقليمية المؤسسية الكلاسيكية في مقابل مفاهيم الإقليمية المرنة غير المؤسسية التي قام عليها الآبك.


ولكن محاولته هذه لم تلق القبول بسبب معارضة الولايات المتحدة في المقام الأول، بالإضافة إلى اليابان وبعض الدول الآسيوية الأخرى.


لقد انطلقت السياسة التنموية الماليزية من اهتمامها بالإنسان الفرد، والعمل على تحقيق التنمية البشرية بكل أبعادها، وتعميق الحرص الذاتي في كل فرد على تطوير الدولة مما يشعره بأنه عنصر فاعل وحقيقي في تجربة بلاده التنموية‏, فالهدف المركزي الرابع من برنامج الاستشراف المستقبلي الماليزي (رؤية ) هو "تأسيس مجتمع قيمي كامل، يكون المواطنون فيه على درجة من التدين القوي والقيم المعنوية والمعايير الأخلاقية الرفيعة"، وقد تبلور هذا المفهوم في اعتماد الماليزيين على أنفسهم أثناء مواجهتهم لمختلف الصعوبات التي ألمت بهم، كارتفاع أسعار النفط عام 1973 والأزمة المالية في شرق آسيا عام 1997، وعدم الرضوخ لسياسات صندوق النقد الدولي التي أرهقت الدول النامية الأخرى عندما شارفت اقتصادياتها على الانهيار كما حدث في الأرجنتين.


ويظهر اهتمام الحكومة بالإنسان من خلال اهتمامها بالتعليم والتدريب، ففي ماليزيا يتم تحويل الأمر القرآني (اقرأ) من مجرد شعار إلى سياسة واقعية، إذ يفاجأ السائحون بهذه الكلمة مكتوبة في كل زاوية وفي كل مدخل من مداخل المنازل والمصانع في بعض الولايات الماليزية كوسيلة لتشجيع الجيل الجديد على القراءة والتعليم. وتنتشر في مختلف المدن والقرى الماليزية المكتبات المحلية والمتنقلة، كما تقدم تسهيلات كبيرة للطلاب والمتفوقين، مع دعم كبير لمؤسسات البحث العلمي والجامعات، إذ بلغت نسبة الإنفاق على التعليم إلى مجموع الإنفاق الحكومي خلال الفترة من 1995 ـ 1997 حوالي 15.4 % .


أما على أرض الواقع، فقد انعكس هذا الاهتمام بالمواطن إلى تبادل مشاعر الاحترام مع السلطة، إذ غالبا ما تقوم الحكومة بإشراك المواطنين في النقاش حول القضايا الاقتصادية عبر المجالس التي خصصت لذلك، ولهذا فإن المواطن الماليزي يشعر دائما بأنه هو المستهدف من عملية التنمية، وأن نهضة بلاده تقوم عليه كفرد قبل كل شيء، فعندما سأل أحد الاقتصاديين العرب عاملا ماليزيا بسيطا عن سر المعجزة التي حققتها بلاده، أجاب ببساطة: "لقد طُلب منا العمل لثمان ساعات في اليوم، فعملنا ساعتين إضافيتين كل يوم حبا للوطن"، ولا ننسى أن هذه الساعات الإضافية كانت تطوعية، وما كان هؤلاء العمال ليقدِموا على اقتطاعها من أوقات راحتهم إلا لإيمانهم بأنها ستأتي بالخير على مستقبلهم ومستقبل أبنائهم.


ختاما، فإنه لا يسعنا إلا الاعتراف بأن الشعب الماليزي قد حقق "معجزته" بالفعل، وأنه تمكن من تحويل بلاده الفقيرة إلى ورشة عمل هائلة خلال فترة حكم قائده محاضر محمد البالغة اثنتين وعشرين سنة فقط، انتقلت خلالها ماليزيا من دولة زراعية بدائية إلى دولة متقدمة تحتل المرتبة التاسعة عالميا بين الدول المصدرة للتقانة العالية, وذلك بمعدل نمو سنوي يناهز الثمانية بالمائة، وهو أحد أعلى المعدلات في العالم.


إنها إحدى" المعجزات" التي حققها المسلمون اليوم بتمسكهم بهويتهم الإسلامية، وبكل ما تحمله من مظاهر التسامح والإخاء مع مواطنيهم من غير المسلمين، وهي شاهد على أن التطبيق الإسلامي الصحيح في سياسة العلم والعمل دافع قوي للنهضة، وإثبات واقعي معاصر لمفهوم التنمية بالإيمان.

منقول من مجلة العصر الالكترونية
 

إيهاب سرور

مزمار فعّال
rankrank
إنضم
30 أبريل 2006
المشاركات
219
الجنس
ذكر
غير متواجد
#2
ماشاء الله لاقوة إلا بالله
جزاكم الله خيرا أخى الحبيب تجربة رائعة حقا
 
إنضم
22 فبراير 2006
المشاركات
1,321
غير متواجد
#3
سبحان الله ..الله أكبر..فعلا من خلال هذه التجربة ..يتوضح التطبيق الإسلامي الصحيح

ومدى ايجابياته...

جزاكم الله خيرا أخى الخزاعي ..على النقل الطيب..وبارك الله فيك