• أهلا وسهلا بكم فى :: منتدى مزامير آل داوُد .
    إذا كانت هذه زيارتك الأولى فننصح بالتوجه الى صفحة التعليمات بالضغط هنا و إذا لديك لمحة شامله عن التعليمات فبإمكانك التسجيل من هنا التسجيل.
إعلانات المنتدى
المصحف المرتل للشيخ صابر عبد الحكم برواية السوسي عن أبي عمرو

الأعضاء الذين قرؤوا الموضوع : (المجموع:0)

برونة

مزمار فعّال
rankrank
الحالة
غير متصل
إنضم
22 مارس 2009
المشاركات
154
الإعجابات
0
الجنس
ذكر
القارئ المفضل
محمد صدّيق المنشاوي
#1
لقد عشت أسمع الله - سبحانه - يتحدثإلي بهذا القرآن .. أنا العبد القليل الصغير .. أي تكريم للإنسان هذا التكريمالعلوي الجليل ؟ أي رفعة للعمر يرفعها هذا التنزيل ؟
أي مقام كريم تفضل به علىالإنسان خالقه الكريم ؟

وعشت - في ظلال القرآن - أنظر من علو إلى الجاهليةالتي تموج في الأرض ، وإلى اهتمامات أهلها الصغيرة الهزيلة .. أنظر إلى تعاجب أهلهذه الجاهلية بما لديهم من معرفة الأطفال ، وتصورات الأطفال ، واهتمامات الأطفال .. كما ينظر الكبير إلى عبث الأطفال ، ومحاولات الأطفال . ولثغة الأطفال .. وأعجب .. ما بال هذا الناس ؟! ما بالهم يرتكسون في الحمأة الوبيئة ، ولا يسمعون النداءالعلوي الجليل . النداء الذي يرفع العمر ويباركه ويزكيه ؟

عشت أتملى - فيظلال القرآن - ذلك التصور الكامل الشامل الرفيع النظيف للوجود .. لغاية الوجود كله، وغاية الوجود الإنساني .. وأقيس إليه تصورات الجاهلية التي تعيش فيها البشرية ،في شرق وغرب ، وفي شمال وجنوب .. وأسأل .. كيف تعيش البشرية في المستنقع الآسن ،وفي الدرك الهابط ، وفي الظلام البهيم وعندها ذلك المرتع الزكي ، وذلك المرتقىالعالي ، وذلك النور الوضيء ؟
وعشت - في ظلال القرآن - أحس التناسق الجميل بينحركة الإنسان كما بريدها الله ، وحركة هذا الكون الذي أبدعه الله .. ثم أنظر .. فأرى التخبط الذي تعانيه البشرية في انحرافها عن السنن الكونية ، والتصادم بينالتعاليم الفاسدة الشريرة التي تملى عليها وبين فطرتها التي فطرها الله عليها . وأقول في نفسي : أي شيطان لئيم هذا الذي يقود خطاها إلى هذا الجحيم ؟ يا حسرة علىالعباد !!!

وعشت - في ظلال القرآن - أرى الوجود أكبر بكثير من ظاهره المشهود .. أكبر في حقيقته ، وأكبر في تعدد جوانبه .. إنه عالم الغيب والشهادة لا عالمالشهادة وحده . وإنه الدنيا والآخرة ، لا هذه الدنيا وحدها .. والنشأة الإنسانيةممتدة في شعاب هذا المدى المتطاول .. والموت ليس نهاية الرحلة وإنما هو مرحلة فيالطريق . وما يناله الإنسان من شيء في هذه الأرض ليس نصيبه كله إنما هو قسط من ذلكالنصيب . وما يفوته هنا من الجزاء لا يفوته هناك . فلا ظلم ولا بخس ولا ضياع . علىأن المرحلة التي يقطعها على ظهر هذا الكوكب إنما هي رحلة في كون حي مأنوس ، وعالمصديق ودود . كون ذي روح تتلقى وتستجيب ، وتتجه إلى الخالق الواحد الذي تتجه إليهروح المؤمن في خشوع : ( ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدووالآصال ) .. ( تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن ، وإن من شيء إلا يسبحبحمده ) .. أي راحة ، وأي سعة وأي أنس ، وأي ثقة يفيضها على القلب هذا التصورالشامل الكامل الفسيح الصحيح ؟

وعشت - في ظلال القرآن - أرى الإنسان أكرمبكثير من كل تقدير عرفته البشرية من قبل للإنسان ومن بعد .. إنه إنسان بنفخة من روحالله : ( فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) .. وهو بهذه النفخةمستخلف في الأرض : ( وإذ قال ربك الملائكة : إني جاعل في الأرض خليفة ) .. ومسخر لهكل ما في الأرض : ( وسخر لكم ما في الأرض جميعا ) .. ولأن الإنسان بهذا القدر منالكرامة والسمو جعل الله الآصرة التي يتجمع عليها البشر هي الآصرة المستمدة منالنفخة الإلهية الكريمة . جعلها آصرة العقيدة في الله .. فعقيدة المؤمن هي وطنه ،وهي قومه ، وهي أهله .. ومن ثم يتجمع البشر عليها وحدها ، لا على أمثال ما تتجمععليه البهائم من كلأ ومرعى وقطيع وسياج ! ..

والمؤمن ذو نسب عريق ، ضارب فيشعاب الزمان . إنه واحد من ذاك الموكب الكريم ، الذي يقود خطاه ذلك الرهط الكريم : نوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ، ويعقوب ويوسف ، وموسى وعيسى ، ومحمد .. عليهمالصلاة والسلام .. ( وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون ) ..

ذاالموكب الكريم ، الممتد في شعاب الزمان من قديم ، يواجه - كما يتجلى في ظلال القرآن - مواقف متشابهة ، وأزمات متشابهة ، وتجارب متشابهة على تطاول العصور وكر الدهور ،وتغير المكان ، وتعدد الأقوام . يواجه الضلال والعمى والطغيان والهوى ، والاضطهادوالبغي ، والتهديد والتشريد .. ولكنه يمضي في طريقه ثابت الخطو ، مطمئن الضمير ،واثقا من نصر الله ، متعلقا بالرجاء فيه ، متوقعا في كل لحظة وعد الله الصادقالأكيد : ( وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا . فأوحىإليهم ربهم لنهلكن الظالمين ، ولنسكننكم الأرض من بعدهم . ذلك لمن خاف مقامي وخافوعيد ) .. موقف واحد وتجربة واحدة . وتهديد واحد . ويقين واحد . ووعد واحد للموكبالكريم .. وعاقبة واحدة ينتظرها المؤمنون في نهاية المطاف . وهم يتلقون الاضطهادوالتهديد والوعيد ..

الحياة في ظلال القرآن : وفي ظلال القرآن تعلمت أنه لامكان في هذا الوجود للمصادفة العمياء ، ولا للفلتة العارضة : ( إنا كل شيء خلقناهبقدر ) .. ( وخلق كل شيء فقدره تقديرا ) .. وكل أمر لحكمة . ولكن حكمة الغيبالعميقة قد لا تتكشف للنظرة الإنسانية القصيرة : ( فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل ) ( الله فيه خيرا كثيرا ) .. ( وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ، وعسى أن تحبوا شيئاوهو شر لكم . والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) .. والأسباب التي تعارف عليها الناس قدتتبعها آثارها وقد لا تتبعها ، والمقدمات التي يراها الناس حتمية قد تعقبها نتائجهاوقد لا تعقبها . ذلك أنه ليست الأسباب والمقدمات هي التي تنشئ الآثار والنتائج ،وإنما هي الإرادة الطليقة التي تنشئ الآثار والنتائج كما تنشئ الأسباب والمقدماتسواء : ( لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ) .. ( وما تشاءون إلا أن يشاء الله ) .. والمؤمن يأخذ بالأسباب لأنه مأمور بالأخذ بها ، والله هو الذي يقدر آثارهاونتائجها .. والاطمئنان إلى رحمة الله وعدله وإلى حكمته وعلمه هو وحده الملاذالأمين ، والنجوة من الهواجس والوساوس : ( الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ،والله يعدكم مغفرة منه وفضلا ، والله واسع عليم ) ..

ومن ثم عشت - في ظلالالقرآن - هادئ النفس ، مطمئن السريرة ، قرير الضمير .. عشت أرى يد الله في كل حادثوفي كل أمر . عشت في كنف الله وفي رعايته . عشت أستشعر إيجابية صفاته تعالىوفاعليتها .. ( أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ؟ ) .. ( وهو القاهر فوقعباده وهوا لحكيم الخبير ) .. ( والله غالب على أمره ولكن أكثرا لناس لا يعلمون ) .. ( واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ) .. ( فعال لما يريد ) .. ( ومن يتقالله يجعل له مخرجا وبرزقه من حيث لا يحتسب ، ومن يتوكل على الله فهو حسبه . إنالله بالغ أمره ) .. ( ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ) .. ( أليس الله بكاف عبدهويخوفونك بالذين من دونه ) .. ( ومن يهن الله فما له من مكرم ) .. ( ومن يضلل اللهفما له من هاد ) .. إن الوجود ليس متروكا لقوانين آلية صماء عمياء . فهناك دائماوراء السنن الإرادة المدبرة ، والمشيئة المطلقة .. والله يخلق ما يشاء ويختار . كذلك تعلمت أن يد الله تعمل . ولكنها تعمل بطريقتها الخاصة ؛ وأنه ليس لنا أننستعجلها ؛ ولا أن نقترح على الله شيئا . فالمنهج الإلهي - كما يبدو في ظلال القرآن - موضوع ليعمل في كل بيئة ، وفي كل مرحلة من مراحل النشأة الإنسانية ، وفي كل حالةمن حالات النفس البشرية الواحدة .. وهو موضوع لهذا الإنسان الذي يعيش في هذه الأرض، آخذ في الاعتبار فطرة هذا الإنسان وطاقاته واستعداداته ، وقوته وضعفه ، وحالاتهالمتغيرة التي تعتريه .. إن ظنه لا يسوء بهذا الكائن فيحتقر دوره في الأرض ، أويهدر قيمته في صورة من صور حياته ، سواء وهو فرد أو وهو عضو في جماعة . كذلك هو لايهيم مع الخيال فيرفع هذا الكائن فوق قدره وفوق طاقته وفوق مهمته التي أنشأه اللهلها يوم أنشأه .. ولا يفترض في كلتا الحالتين أن مقومات فطرته سطحية تنشأ بقانون أوتكشط بجرة قلم ! .. الإنسان هو هذا الكائن بعينه . بفطرته وميوله واستعداداته . يأخذ المنهج الإلهي بيده ليرتفع به إلى أقصى درجات الكمال المقدر له بحسب تكوينهووظيفته ، ويحترم ذاته وفطرته ومقوماته ، وهو يقوده في طريق الكمال الصاعد إلى الله .. ومن ثم فإن المنهج الإلهي موضوع للمدى الطويل - الذي يعلمه خالق هذا الإنسانومنزل هذا القرآن - ومن ثم لم يكن معتسفا ولا عجولا في تحقيق غاياته العليا من هذاالمنهج . إن المدى أمامه ممتد فسيح ، لا يحده عمر فرد ، ولا تستحثه رغبة فان ، يخشىأن يعجله الموت عن تحقيق غايته البعيدة ؛ كما يقع لأصحاب المذاهب الأرضية الذينيعتسفون الأمر كله في جيل واحد ، ويتخطون الفطرة المتزنة الخطى لأنهم لا يصبرون علىالخطو المتزن ! وفي الطريق العسوف التي يسلكونها تقوم المجازر ، وتسيل الدماء ،وتتحطم القيم ، وتضطرب الأمور . ثم يتحطمون هم في النهاية .

وتتحطم مذاهبهمالمصطنعة تحت مطارق الفطرة التي لا تصمد لها المذاهب المعتسفة ! فأما الإسلام فيسيرهينا لينا مع الفطرة ، يدفعها من هنا ، ويردعها من هناك ، ويقومها حين تميل ، ولكنهلا يكسرها ولا يحطمها . إنه يصبر عليها صبر العارف البصير الواثق من الغايةالمرسومة .. والذي لا يتم في هذه الجولة يتم في الجولة الثانية أو الثالثة أوالعاشرة أو المائة أو الألف .. فالزمن ممتد ، والغاية واضحة ، والطريق إلى الهدفالكبير طويل ، وكما تنبت الشجرة الباسقة وتضرب بجذورها في التربة ، وتتطاول فروعهاوتتشابك .. كذلك ينبت الإسلام ويمتد في بطء وعلى هينة وفي طمأنينة . ثم يكون دائماما يريده الله أن يكون .. والزرعة قد تسقى عليها الرمال ، وقد يأكل بعضها الدود ،وقد يحرقها الظمأ . وقد يغرقها الري . ولكن الزارع البصير يعلم أنها زرعة للبقاءوالنماء ، وأنها ستغالب الآفات كلها على المدى الطويل ؛ فلا يعتسفولا يقلق ، ولايحاول إنضاجها بغير وسائل الفطرة الهادئة المتزنة ، السمحة الودود .. إنه المنهجالإلهي في الوجود كله .. ( ولن تجد لسنة الله تبديلا ) ..

والحق في منهجالله أصيل في بناء هذا الوجود . ليس فلتة عابرة ، ولا مصادفة غبر مقصودة .. إن اللهسبحانه هو الحق . ومن وجوده تعالى يستمد كل موجود وجوده : ( ذلك بأن الله هو الحق ،وأن ما يدعون من دونه هو الباطل ، وأن الله هو العلي الكبير ) .. وقد خلق الله هذاالكون بالحق لا يتلبس بخلقه الباطل : ( ما خلق الله ذلك إلا بالحق ) .. ( ربنا ماخلقت هذا باطلا سبحانك ! ) والحق هو قوام هذا الوجود فإذا حاد عنه فسد وهلك : ( ولواتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ) .. ومن ثم فلا بد للحق أن يظهر، ولابد للباطل أن يزهق .. ومهما تكن الظواهر غير هذا فإن مصيرها إلى تكشف صريح : ( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ) ..

والخير والصلاح والإحسانأصيلة كالحق ، باقية بقاءه في الأرض : ( أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ،فاحتمل السيل زبدا رابيا ، ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع ، زبدمثله . كذلك يضرب الله الحق والباطل . فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناسفيمكث في الأرض . كذلك يضرب الله الأمثال ) ... ( ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمةطيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ،ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون . ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت منفوق الأرض ما لها من قرار . يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنياوفي الآخرة . ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ) ..

أي طمأنينة ينشئهاهذا التصور ؟
وأي سكينة يفيضها على القلب ؟
وأي ثقة في الحق والخير والصلاح؟
وأي قوة واستعلاء على الواقع الصغير يسكبها في الضمير ؟

أثر الحياة فيظلال القرآن : وانتهيت من فترة الحياة - في ظلال القرآن - إلى يقين جازم حاسم .. إنه لا صلاح لهذه الأرض ، ولا راحة لهذه البشرية ، ولا طمأنينة لهذا الإنسان ، ولارفعة ولا بركة ولا طهارة ، ولا تناسق مع سنن الكون وفطرة الحياة .. إلا بالرجوع إلىالله .. والرجوع إلى الله - كما يتجلى في ظلال القرآن - له صورة واحدة وطريق واحد .. واحد لا سواه .. إنه العودة بالحياة كلها إلى منهج الله الذي رسمه للبشرية فيكتابه الكريم .. إنه تحكيم هذا الكتاب وحده في حياتها . والتحاكم إليه وحده فيشؤونها . وإلا فهو الفساد في الأرض ، والشقاوة للناس ، والارتكاس في الحماة ،والجاهلية التي تعبد الهوى من دون الله : ( فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعونأهواءهم . ومن أظل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ؟ إن الله لا يهدي القومالظالمين) ..

إن الاحتكام إلى منهج الله في كتابه ليس نافلة ولا تطوعا ولاموضع اختيار ، إنما هو الإيمان .. أو .. فلا إيمان .. ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنةإذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ) .. ( ثم جعلناك على شريعةمن الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون . إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا، وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض ، والله ولي المتقين ) .. والأمر إذن جد .. إنهأمر العقيدة من أساسها .. ثم هو أمر سعادة هذه البشرية أو شقائها ..

إن هذهالبشرية - وهي من صنع الله - لا تفتح مغاليق فطرتها إلا بمفاتيح من صنع الله ؛ ولاتعالج أمراضها وعللها إلا بالدواء الذي يخرج من يده - سبحانه - وقد جعل في منهجهوحده مفاتيح كل مغلق ، وشفاء كل داء : ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ) .. ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) .. ولكن هذه البشرية لا تريد أن تردالقفل إلى صانعه ، ولا أن تذهب بالمريض إلى مبدعه ، ولا تسلك في أمر نفسها ، وفيأمر إنسانيتها ، وفي أمر سعادتها أو شقوتها .. ما تعودت أن تسلكه في أمر الأجهزةوالآلات المادية الزهيدة التي تستخدمها في حاجاتها اليومية الصغيرة .. وهي تعلمأنها تستدعي لإصلاح الجهاز مهندس المصنع الذي صنع الجهاز . ولكنها لا تطبق هذهالقاعدة على الإنسان نفسه ، فترده إلى المصنع الذي منه خرج ، ولا أن تستفتي المبدعالذي أنشأ هذا الجهاز العجيب ، الجهاز الإنساني العظيم الكريم الدقيق اللطيف ، الذيلا يعلم مساربه ومداخله إلا الذي أبدعه وأنشأه : ( إنه عليم بذات الصدور . ألا يعلممن خلق وهو اللطيف الخبير ؟ ) ..

ومن هنا جاءت الشقوة للبشرية الضالة . البشرية المسكينة الحائرة ، البشرية التي لن تجد الرشد ، ولن تجد الهدى ، ولن تجدالراحة ، ولن تجد السعادة ، إلا حين ترد الفطرة البشرية إلى صانعها الكبير ، كماترد الجهاز الزهيد إلى صانعه الصغير !

ولقد كانت تنحية الإسلام عن قيادةالبشرية حدثا هائلا في تاريخها ، ونكبة قاصمة في حياتها ، نكبة لم تعرف لها البشريةنظيرا في كل ما ألم بها من نكبات .. لقد كان الإسلام قد تسلم القيادة بعدما فسدتالأرض ، وأسنت الحياة ، وتعفنت القيادات ، وذاقت البشرية الويلات من القياداتالمتعفنة ؛ و ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ) ..

تسلمالإسلام القيادة بهذا القرآن ، وبالتصور الجديد الذي جاء به القرآن ، وبالشريعةالمستمدة من هذا التصور .. فكان ذلك مولدا جديدا للإنسان أعظم في حقيقته من المولدالذي كانت به نشأته . لقد أنشأ هذا القرآن للبشرية تصورا جد يدا عن الوجود والحياةوالقيم والنظم ؛ كما حقق لها واقعا اجتماعيا فريدا ، كان يعز على خيالها تصوره مجردتصور ، قبل أن ينشئه لها القرآن إنشاء .. نعم ! لقد كان هذا الواقع من النظافةوالجمال ، والعظمة والارتفاع ، والبساطة واليسر ، والواقعية والإيجابية ، والتوازنوالتناسق ... بحيث لا يخطر للبشرية على بال ، لولا أن الله أراده لها ، وحققه فيحياتها .. في ظلال القرآن ، ومنهج القرآن ، وشريعة القرآن .

ثم وقعت تلكالنكبة القاصمة ، ونحي الإسلام عن القيادة . نحي عنها لتتولاها الجاهلية مرة أخرى ،في صورة من صورها الكثيرة . صورة التفكير المادي الذي تتعاجب به البشرية اليوم ،كما يتعاجب الأطفال بالثوب المبرقش واللعبة الزاهية الألوان !

إن هناك عصابةمن المضللين الخادعين أعداء البشرية . يضعون لها المنهج الإلهي في كفة والإبداعالإنساني في عالم المادة في الكفة الأخرى ؛ ثم يقولون لها : اختاري !!! اختاري إماالمنهج الإلهي في الحياة والتخلي عن كل ما أبدعته يد الإنسان في عالم المادة ، وإماالأخذ بثمار المعرفة الإنسانية والتخلي عن منهج الله !!! وهذا خداع لئيم خبيث . فوضع المسألة ليس هكذا أبدا .. إن المنهج الإلهي ليس عدوا للإبداع الإنساني . إنماهو منشئ لهذا الإبداع وموجه له الوجهة الصحيحة .. ذاك كي ينهض الإنسان بمقامالخلافة في الأرض . هذا المقام الذي منحه الله له ، وأقدره عليه ، ووهبه من الطاقاتالمكنونة ما يكافئ الواجب المفروض عليه فيه ؛ وسخر له من القوانين الكونية ما يعينهعلى تحقيقه ؛ ونسق بين تكوينه وتكوين هذا الكون ليملك الحياة والعمل والإبداع .. على أن يكون الإبداع نفسه عبادة لله ، ووسيلة من وسائل شكره على آلائه العظام ،والتقيد بشرطه في عقد الخلافة ؛ وهو أن يعمل ويتحرك في نطاق ما يرضي الله . فأماأولئك الذين يضعون المنهج الإلهي في كفة ، والإبداع الإنساني في عالم المادة فيالكفة الأخرى .. فهم سيئو النية ، شريرون ، يطاردون البشرية المتعبة الحائرة كلماتعبت من التيه والحيرة والضلال ، وهمت أن تسمع لصوت الحادي الناصح ، وأن تؤوب منالمتاهة المهلكة . وأن تطمئن إلى كنف الله ..

وهنالك آخرون لا ينقصهم حسنالنية ؛ ولكن ينقصهم الوعي الشامل ، والإدراك العميق .. هؤلاء يبهرهم ما كشفهالإنسان من القوى والقوانين الطبيعية ، وتروعهم انتصارات الإنسان في عالم المادة . فيفصل ذاك البهر وهذه الروعة في شعورهم بين القوى الطبيعية والقيم الإيمانية ،وعملها وأثرها الواقعي في الكون وفي واقع الحياة ؛ ويجعلون للقوانين الطبيعية مجالا، وللقيم الإيمانية مجالا آخر ؛ ويحسبون أن القوانين الطبيعية تسير في طريقها غبرمتأثرة بالقيم الإيمانية ، وتعطي نتائجها سواء آمن الناس أم كفروا . اتبعوا منهجالله أم خالفوا عنه . حكموا بشريعة الله أم بأهواء الناس !

هذا وهم .. إنهفصل بين نوعين من السنن الإلهية هما في حقيقتهما غير منفصلين . فهذه القيمالإيمانية هي بعض سنن الله في الكون كالقوانين الطبيعية سواء بسواء . ونتائجهامرتبطة ومتداخلة ؛ ولا مبرر للفصل بينهما في حس المؤمن وفي تصوره .. وهذا هو التصورالصحيح الذي ينشئه القرآن في النفس حين تعيش في ظلال القرآن . ينشئه وهو يتحدث عنأهل الكتب السابقة وانحرافهم عنها وأثر هذا الانحراف في نهاية المطاف : ( ولو أنأهل القرى آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم . ولو أنهمأقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ) . وينشئه وهو يتحدث عن وعد نوح لقومه : ( فقلت : استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسلالسماء عليكم مدرارا ، ويمددكم بأموال وبنين ، ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا ) .. وينشئه وهو يربط بين الواقع النفسي للناس والواقع الخارجي الذي يفعله الله بهم : ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغبروا ما بأنفسهم ) ..

إن الإيمان بالله ،وعبادته على استقامة ، وإقرار شريعته في الأرض ... كلها إنفاذ لسنن الله . وهي سننذات فاعلية إيجابية ، نابعة من ذات المنبع الذي تنبثق منه سائر السنن الكونية التينرى آثارها الواقعية بالحس والاختبار .

ولقد تأخذنا في بعض الأحيان مظاهرخادعة لافتراق السنن الكونية ، حين نرى أن اتباع القوانين الطبيعية يؤدي إلى النجاحمع مخالفة القيم الإيمانية .. هذا الافتراق قد لا تظهر نتائجه في أول الطريق ؛ولكنها تظهر حتما في نهايته .. وهذا ما وقع للمجتمع الإسلامي نفسه . لقد بدأ خطصعوده من نقطة التقاء القوانين الطبيعية في حياته مع القيم الإيمانية . وبدأ خطهبوطه من نقطة افتراقهما . وظل يهبط ويهبط كلما انفرجت زاوية الافتراق حتى وصل إلىالحضيض عندما أهمل السنن الطبيعية والقيم الإيمانية جميعا ..

وفي الطرفالآخر تقف الحضارة المادية اليوم . تقف كالطائر الذي يرف بجناح واحد جبار ، بينماجناحه الآخر مهيض ، فيرتقي في الإبداع المادي بقدر ما يرتكس في المعنى الإنساني ،ويعاني من القلق والحيرة والأمراض النفسية والعصبية ما يصرخ منه العقلاء هناك .. لولا أنهم لا يهتدون إلى منهج الله . وهو وحده العلاج والدواء .

إن شريعةالله للناس هي طرف من قانونه الكلي في الكون . فإنفاذ هذه الشريعة لا بد أن يكون لهأثر إيجابي في التنسيق بين سيرة الناس وسيرة الكون .. والشريعة إن هي إلا ثمرةالإيمان لا تقوم وحدها بغير أصلها الكبير . فهي موضوعة لتنفذ في مجتمع مسلم ، كماأنها موضوعة لتساهم في بناء المجتمع المسلم . وهي متكاملة مع التصور الإسلامي كلهللوجود الكبير وللوجود الإنساني ، ومع ما ينشئه هذا التصور من تقوى في الضمير ،ونظافة في الشعور ، وضخامة في الاهتمامات ، ورفعة في الخلق ، واستقامة في السلوك ... وهكذا يبدو التكامل والتناسق بين سنن الله كلها سواء ما نسميه القوانينالطبيعية وما نسميه القيم الإيمانية .. فكلها أطراف من سنة الله الشاملة لهذاالوجود
 
الحالة
غير متصل
إنضم
19 أبريل 2009
المشاركات
1,056
الإعجابات
2
الجنس
ذكر
القارئ المفضل
عبد الباسط عبد الصمد
#2
رد: الحياة في ظلال القرءان نعمة

بارك الله فيك اخي على النقل السليم
 
الحالة
غير متصل
إنضم
20 مايو 2008
المشاركات
9,458
الإعجابات
16
الجنس
ذكر
القارئ المفضل
محمد صدّيق المنشاوي
#3
رد: الحياة في ظلال القرءان نعمة

انعم الله عليك
 

المجموع: 1 (الأعضاء: 0, الزوار: 1)

أعلى أسفل